الراصد القديم

2015/06/30

كيف كان عبد الناصر يختار القيادات 2


سامي شرف

لقد حرص جمال عبد الناصر في هذه المرحلة بألا يسمح للخلافات العقائدية أو السياسية بعرقلة سير الحركة وذلك عن طريق خلق قاسم مشترك بين الجميع يتمثل في توافق مواقفهم علي جعل مصر حرة. وعمل منذ البداية علي مقاومة فكرة عبادة الزعيم، وهي الصورة التي كانت منتشرة في أحزاب وجماعات ما قبل يوليو، مثل حسن البنا في جماعة الإخوان المسلمين، وأحمد حسين في حزب مصر الفتاة، ومصطفي النحاس في داخل حزب الوفد. وكان عبد الناصر اتساقا مع نفس هذه المواقف صاحب ترجيح فكرة اختيار محمد نجيب كقائد للثورة، بترشيح من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ـ وكان هناك مرشح آخر هو اللواء أحمد فؤاد صادق الذي اعترض علي ترشيحه أنور السادات وهو موضوع سأتناوله تفصيلا في مكان آخر من هذه المذكرات ـ رغم أنه لم يشترك في التحرك أو ينضم لتنظيم الضباط الأحرار. لقد كان محمد نجيب وبحكم موقعه في الجيش وبحكم اتصالاته يعلم أو يري أن انقلابا سوف يقع، لكن ووفقا للخطة كان مقررا أن يظل في بيته بعيدا نظرا لأنه كان معروفا تماما للسلطة السياسية ولأجهزة الأمن، وقد يثير اشتراكه الفعلي في أي عمل شكوك هذه الجهات وقد يؤدي إلي إحباط التحرك في مهده، ومع أن الضباط من أعضاء التنظيم كانوا ينظرون إلي نجيب بتقدير واحترام إلا أنه لم ينضم لعضويته إلا بعد نجاح الثورة، وكان جمال عبد الناصر قد أجري معه أكثر من اتصال بطرق مباشرة أو غير مباشرة وكان أولها في ديسمبر1951 أثناء عملية انتخابات نادي ضباط الجيش.

هكذا كان اختيار جمال عبد الناصر لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار مرتبطا بمعيار أساسي هو الاستعداد للتضحية بالنفس، وتبني القضية الوطنية في إطارها العام أي القضاء علي الاستعمار والفساد في الداخل، والانتقال بالمجتمع من مرحلة التدهور في بنائه القيمي والأخلاقي إلي مرحلة جديدة تؤهله للبقاء والاستقرار.
من هنا أيضا جاء القرار الثاني الذي توافق عليه جميع عناصر الثورة حيث شهدت علاقاتهم جميعا تفاهما كبيرا حول القضية الوطنية، وقد طرحت في مرحلة التخطيط النهائي لتنفيذ الثورة قضية محورية هي اختيار آليات التنفيذ، وكان إصرار عبد الناصر علي أن تكون الثورة بيضاء، يتم في إطارها الابتعاد تماما عن الإقدام علي أية عمليات اغتيالات أو إهدار للدماء، وكان من رأيه عن اقتناع وهي مقولة كان يرددها باستمرار فيما بعد في كل الأزمات التي قابلت الثورة سواء في الداخل أو في الخارج ـ « أن الدم يؤدي إلي مزيد من الدم «، وقد تغرق البلاد في مواجهات دموية يصعب وقفها وتدفع إلي تأليب الرأي العام العالمي ضد الحركة الثورية في أيامها الأولي.

وكانت هناك آراء داخل تنظيم الضباط الأحرار تصر علي التخلص من الملك فاروق باعتباره رأس الفساد، ومنعا لأي تحرك مناصر له من الداخل أو من الخارج كما طرح البعض فكرة تقديمه للمحاكمة، لكن جمال عبد الناصر ـ الذي كان قد انتخب رئيسا للتنظيم لأكثر من مرة ـ عارض فكرة التخلص من الملك فاروق كما تحفظ علي محاكمته بالنظر لاحتمال استغراق المحاكمة وقتا طويلا يخشي خلاله أن يتحرك أنصار الملكية في الداخل للقيام بثورة مضادة، وقد تجر إلي تدخل خارجي لمساندة هذه الفئة ومن ثم فقد اتفق الجميع ـ برغم عدم تعاطفهم مع الملك ـ علي الصيغة التي نفذت بالفعل وهي توقيعه علي وثيقة التنازل عن العرش سلميا لصالح ابنه أحمد فؤاد كمرحلة انتقالية قبل إلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهوري بعد ذلك.

أما القرار الثالث الذي وافق عليه تنظيم الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر فقد تمثل في إغلاق الطريق أمام هيمنة أي من الأحزاب أو الحركات السياسية علي الثورة، والعمل علي احتوائها لصالح هذه التنظيمات.
لقد تملك جمال عبد الناصر منذ بداية الأربعينات الرغبة في التغيير بعد أن استوعب الظروف المعيشية والاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في مصر وقد تضاعفت هذه الرغبة لديه في عام 1948 بعد أن لمس الموقف داخل القوات المسلحة بصورة أكثر وضوحا وقال جملته المشهورة : « إن حربنا في الداخل وليس في الخارج».

بدأ جمال عبد الناصر نتيجة لذلك في الاتصال بالتيارات والعناصر الحزبية والسياسية المختلفة في الساحة المصرية وكان من بينها ثلاث تيارات أساسية هي : مصر الفتاة والشيوعيون والإخوان المسلمين وعدد من الأحزاب الأخري، ولم ينخرط عبد الناصر في عضوية أي من هذه التنظيمات لكن هدفه كان هو التعرف عليها من الداخل وجس نبضها ومدي قدرتها في إطار من السرية والانضباط، ولكنه اكتشف أن لا فائدة من هذه الاتصالات فلم يكن هدف هذه التنظيمات إحداث التغيير بقدر ما كان هو محاولة الاستفادة من الأوضاع القائمة واستثمارها.

كان لحزب مصر الفتاة علي سبيل المثال شعبية وقدرة علي الانتشار والتحرك في الأوساط المختلفة، فتم الاتصال بالعناصر التي كانت منتمية للحزب الوطني المصري الذي انبثق عنها وكان يمثله فتحي رضوان وأحمد حسين ومجموعة من الشخصيات السياسية، وقد أسفرت هذه الاتصالات عن تشكيل الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار التي كانت تضم الشيوعي والإخواني ومصر الفتاة وبعض القريبين من حزب الوفد أو عناصر كانت تستطيع أن تشكل قناة تفتح علي حزب الوفد. وكان ذلك قبل قيام الثورة بعام واحد، وبدأ الإخوان المسلمين في التحرك لمحاولة احتواء التنظيم والسيطرة علي توجهاته وهو ما كان يرفضه عبد الناصر وغالبية ضباط التنظيم ومن ثم فقد عقدت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار اجتماعا قررت فيه بالإجماع وضع عناصر الإخوان المسلمين أمام مسئولياتهم وخيّرتهم إما الانضمام تحت لواء تنظيم الضباط الأحرار الذي يمثل جميع المصريين أو أن تكون الهيئة التأسيسية في حل من تنفيذ القرار الذي اتخذته بالفعل وكان هو إبعاد جميع الضباط المنتمين إلي جماعة الإخوان المسلمين من عضوية التنظيم، ونفذ هذا القرار قبل قيام الثورة بستة أشهر، كما طبق نفس القرار بعد ذلك علي عدد من الأعضاء المنتمين للحزب الشيوعي المصري في الوقت الذي قبلت عناصر من « حدتو « الالتزام بالقرار.

هكذا كانت قرارات تنظيم الضباط الأحرار في تلك المرحلة مرتبطة بعدة أهداف أساسية تدور كلها في إطار إحداث التغيير المنشود بصورة سلمية بيضاء، وبما يؤكد استيعاب زعامة التنظيم لكل الظروف والمكونات الثقافية والاجتماعية التي تعيشها مصر، وتطلعت إلي توفير كامل الإرادة الحرة في اتخاذ القرارات بعيدا عن أية مؤثرات أو محاولات للاختراق سواء من الداخل أو من الخارج.
إن ذلك المنهج قد امتد تأثيره وتأكد في عديد من المناسبات علي مدي فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر بالكامل حيث تتمثل نقطة البداية في كل مرة في تحديد الهدف بوضوح، ولا شك أن أكثر ما يميز نهج عبد الناصر قبل الثورة أو بعدها هو وضوح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ثم يليها توفير كل المعلومات اللازمة من عديد من المصادر التقليدية وغير التقليدية، المنظورة وغير المنظورة، فكلما كانت كمية المعلومات كثيرة توفرت القدرة علي اتخاذ القرار الصحيح في التوقيت الملائم، ثم ينتقل بعد ذلك إلي حسابات النتائج المتوقعة الإيجابي منها والسلبي، فليس هناك قرار أو تصرف سياسي معين يحظي بإجماع شعب بأكمله، ولكن معيار النجاح يكمن دائما في تفوق قاعدة المستفيدين بصورة حاسمة علي عناصر المضارين من أي قرار. تلك قضايا ومعايير سوف أتعرض لها تفصيلا فيما بعد من خلال أمثلة عملية في اتخاذ القرارات الكبري أو في بعض الموضوعات التي سيفرد لها فصولا خاصة مستقلة كقضية الوحدة بين مصر وسوريا وقضية تأميم شركة قناة السويس وغيرها.

وبالطبع عندما نتحدث عن أسلوب الرئيس جمال عبد الناصر في اختيار معاونيه أو التعامل مع معا رضيه فلابد أن نتطرق لأسلوبه في اختيار العناصر الفنية للمناصب أو المواقع المختلفة في الدولة من خارج دائرة تنظيم الضباط الأحرار فقد ارتكز هذا الأسلوب علي كثير من المعايير الموضوعية وعناصر الكفاءة الشخصية بعيدا عن ما يميل البعض إلي تسميته « بأهل الثقة وأهل الخبرة « حيث اعتمد النظام السياسي في مختلف مراحله علي عدد لا يحصي من ذوي الخبرة والكفاءة الفنية في إنجاز أهداف الثورة في كل المجالات وكل المواقع، ويشهد علي ذلك برنامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية الذي توج بخطة التنمية الخمسية 1960ـ1965، والبرنامج النووي ـ، وإصلاح النظام التعليمي وتطوير الجهاز الإداري في مصر وغيرها من مختلف القطاعات.
وللحديث بقية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر