الراصد القديم

2015/06/01

المستعربون: البداية من دمشق وبيروت

 أنس أبو عرقوب
 
 باكراً، أدركت الحركة الصهيونية أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قوية. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية. وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي"، جهاز مخابرات "الهاغاناة"، تليه في هذا العدد وحدة "المستعربون". وبعده، سنتطرق لمخابرات "الأرغون"، ثم ننتقل للحديث عن "الشاباك" و "الموساد" و "أمان"، وهي أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الاستخباري.



شكّلت "الهاغاناة" في صيف العام 1941 ست كتائب صاعقة، "البلماخ"، ضمت ستة الآف عنصر عالي التدريب. وبالتعاون بين القسم السياسي في الوكالة اليهودية و"الهاغاناة" من جهة وإدارة العمليات الخاصة البريطانية (بالانكليزية: Special Operations Executive) من جهة أخرى، تم تشكيل "القسم السوري" الذي يُعتبر أول "وحدة مستعربين" تنشئها "الهاغاناة". وكانت حينها جزءاً من "البلماخ".

"القسم السوري"

زودت بريطانيا "البلماخ" بأسلحة حديثة، تمهيدًا لاستخدامها ضد القوات الفرنسية في سوريا. وتسلل عناصر "القسم السوري" إلى داخل سوريا ولبنان، وتصرّفوا كعرب. نقلوا المعلومات إلى جيوش الحلفاء عبر أجهزة اتصال لا سلكية كانت بحوزتهم. استمر عمل "القسم السوري" الذي غطى كامل الأراضي اللبنانية والسورية لثلاثة أعوام، نفذ خلالها اعتداءات إرهابية بالمتفجرات، إلى جانب مهمة التجسس.
مع نهاية مهمة "القسم السوري" في يونيو/حزيران 1943، وبعد عودة عناصره، قرر قائد "البلماخ" اسحاق ساديه، بالاعتماد على الخبرات التي تراكمت لدى "القسم السوري"، إقامة "وحدة المستعربين" في إطار "البلماخ". إذ أدركت قيادة "الهاغاناة" آنذاك حاجتها إلى إقامة جهاز استخبارات عسكرية عشية الصدام الذي يلوح في الأفق مع الدول العربية.

"القسم العربي"

تم تشكيل "القسم العربي" الذي كان يُطلق عليه اسم "شاحر" والذي ذاعت شهرته باسم "المستعربون". تم تجنيد أعضائه من "عناصر القسم السوري"، والمهاجرين اليهود الوافدين من الدول العربية، والشبان اليهود الذين يسكنون في المدن المشتركة وأتاح لهم احتكاكهم بالسكان الأصليين تعلّم اللغة العربية. وكان من بين هولاء يهود غربيون أشكناز شغلوا مناصب إدارية وقيادية وتدريبة، ولم ينفذوا عمليات "تنكر كعرب".
منذ شهر يونيو/حزيران 1943، بدأت تدريبات دؤوبة في القدس وحيفا وفي مناطق أخرى، لتأهيل "المستعربون"، شملت استخدام السلاح الناري والأبيض. وتجهّزوا بالمهارات اللازمة لاختراق قرى فلسطينية وعربية، والإقامة فيها لفترات طويلة، وذلك تميهداً لـ "زرعهم خلف خطوط العدو".
العقيدة القتالية لـ "المستعربون" قامت على على "التنكّر بصفة العدو، والتماهي داخله، ثم مفاجأته من مسافة صفر، بعد روية بؤبؤ عينه". ولتأدية هذه المهمة، أجرى "المستعربون" تمرينات عملية، مثل الحياة بين العرب والفلسطينيين، وجمع المعلومات، والمشاركة في الصلوات، خصوصاً صلاة الجمعة، لرصد توجهات الرأي العام وتشخيص "القادة والأئمة المتطرفين".

من أبرز مهامهم: ملف القرى

عمل "المستعربون" كعمّال عرب خلال فترة الانتداب في مصانع البحر الميت وميناء حيفا، ومارسوا التجارة في مدن وقرى فلسطينية مثل يافا والرملة. ونفذ "المستعربون" أيضًا عمليات تجسس في شرقي الأردن وسوريا، بالإضافة إلى عمليات اغتيال وأخرى تخربية في حيفا ومدن أخرى. وقد ضُبط اثنان من عناصر الوحدة في أثناء محاولتهم تسميم آبار مياه، وتم إعدامهم في غزة نهاية شهر مايو/أيار 1948.
من أهم المهام التي نفذها "المستعربون" كانت المشاركة في تجهيز "ملف القرى" الذي أشرف على إعداده "مكتب التخطيط" التابع لـ "الهاغاناة". في البداية، كُلف طيارو "قسم الطيران" في "البلماخ" بالتقاط سلسلة صور جوية لأهداف إستراتيجية (قرى ومدن فلسطينية). الصور الجوية نُقلت الى كشافة "البلماخ"، الذين جمعوا معلومات كاملة حول مخارج القرى الفلسطنيية المستهدفة ومداخلها وجغرافيتها.
الجزء الثالث من إعداد "ملفات القرى" نفذه "المستعربون" الذين دخلوا إلى القرى منتحلين صفات متعددة، سواء بالادِّعاء أنهم فلسطينيون أو باحثون أجانب. وشمل هذا الجزء من العمل جمع معلومات تفصيلية وإحصائية، مثل تعداد سكان القرى، والشخصيات والعائلات المؤثرة، وتعداد الثروة الحيوانية، وهوية إمام المسجد أو كاهن الكنيسة، وتوجهاته السياسية، وإعداد قائمة بأسماء الاشخاص الذين شاركوا بالثوارت. وقد ساعدت "ملفات القرى" قادة "الهاغاناة" في تنفيذ التطهير العرقي في العام 1948، كما تُظهر شهادة قائد وحدة "المستعربين" يروحام كوهين.

"خطة بروباغندا الهمس"

في حالات كثيرة، عمل "المستعربون" كقوة مساندة لوحدات "الهاغاناة" و"البلماخ" في جمع المعلومات، وإجراء جولات الاستطلاع، وتخطيط عمليات اغتيال قادة فلسطينيين معادين للصهيونية، وتنفيذ هجمات انتقامية ضد مقاومين.
كذلك، تم تكليف "المستعربون" بتنفيذ مهام دعائية في ما يُعرف "خطة بروباغندا الهمس"، ضمن الحرب النفسية التي شنتها "الهاغاناة" ضد الفلسطينيين. واعتمدت هذه الخطة على نشر الشائعات. وبحسب شهادة يائير هراري، وهو "مستعرب" يهودي من أصول سورية، كلفه قادته بالمشاركة في صلاة الجمعة، وإعداد تقارير مضامين خُطب الجمعة لأئمة مهمين، ودارسة توجهات الفلسطينيين.
وتسلل هراري ضمن "عملية الجار" إلى قرية سورية محاذية للجولان، منتحلاً صفة لاجئ فلسطيني. وعمل كأستاذ بمدرسة. وكانت مهمته نقل معلومات استخبارية عبر جهاز لاسلكي الى قيادته حول تحركات الجيش السوري.
بعد إنشاء جيش الاحتلال، تم دمج "المستعربون" في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، وأطلق عليها اسم "وحدة 18". تم تكريس جهود أعضائها للتجسس على الدول العربية، وعلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر.

حلّها.. والعودة إليها:
"أم 16 بدلاً من أف 16"


في مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حُلت الوحدة بعدما بلغ عدد عناصرها حوالي 40 شخصاً، وكان ذلك بعد اكتمال تشكيل جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية "الموساد" الذي تخصص بالتجسس في الخارج، وجهاز المخابرات "الشاباك" المكلف بالتجسس على الفلسطينيين. وشارك "المستعربون" بتدريس "الجيل الجديد" من رجال المخابرات اللغة العربية.
ولكن، بعد تصاعد الانتفاضة الأولى، قرر إيهود باراك، رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك، تشيكل وحدات سرية للعمل على "كسر التوازن مع الإرهاب". وكانت فكرة إقامة الوحدة تقوم على الأساس الذي أقيمت عليه وحدة المستعربين الأولى.
وصاغ غادي ايزنكوت، الذي يشغل حالياً منصب رئيس الأركان، وكان خلال الانتفاضة الأولى قائد المنطقة الوسطى التي كُلفت بسحق الانتفاضة، "العقيدة القتالية" لوحدة "المستعربون" الجديدة، التي حملت عنوان "بندقية أم 16 بدلاً من طائرة أف 16". وكان يقصد بذلك أن اغتيال قادة الانتفاضة عن طريق "المستعربون" بعد اختراق بيئتهم الطبيعية، سيشكّل ردعاً أقوى بكثير من قنبلة تطلقها طائرة من سلاح الجو.
وعن طريقة عمل الوحدة، قال أحد جنود الوحدة في فيلم "المستعربون" الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية في تاريخ 19‏/02‏/2015: "الفكرة بسيطة، وهي الوصول متنكرين، أحياناً، عن طريق لحية صناعية، وأحياناً بتقمص هوية امرأة. المسدس يتم إخفاؤه تحت الملابس، ويكون الانقضاض والانسحاب خلال ثانية واحدة".
وقد كشف ضابط في الوحدة أن "المستعربون" كلفوا "بتنفيذ ملفات اغتيال" وليس اعتقال. وأضاف آخر أن نسبة 90 في المئة من علميات الوحدة انتهت بمقتل المستهدفين. وعندما سُئل جندي آخر عن عدد من أطلق النار عليهم، نفى قدرته على إحصاء العدد بحجة أنه نفذ أحياناً أكثر من عملية في اليوم نفسه.
الجيل الثاني من "المستعربون" لم يتقن العربية كما أتقنها أسلافهم. فهم آلات قتل، كما وصفوا أنفسهم خلال الفيلم. ويشرح أخييه شاتس، وهو مستعرب عمل في الوحدة خلال الفترة الواقعة ما بين 2005 و2008، "علمونا العربية، ولكني أتذكر أنني انهيت النشاط الأول ولم اكن أعرف أي كلمة. ولم أعرف أن أقول كلمة شكراً بالعربية. وعندما سألتهم عنها، سخروا مني وقالوا لماذا تحتاج هذه الكلمات؟ لديك سلاح، تحدّث من خلال السلاح. إنه اللغة الأفضل".
ويختم شاتس شهادته عن تدريبات "المستعربون" بالقول: "كيف تتأكد من مقتل شخص ما؟ بإطلاق خمس رصاصات بالرأس. وكيف تؤكد ذلك؟ قالوا لنا إن تحقيق الشرطة العسكرية أثبت أنه قد تم فعلاً إطلاق أربع رصاصات على رأس أحدهم ولم يمت. إذاً، فإن إطلاق خمس رصاصات في الرأس سيؤدي كما يبدو إلى الموت".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر