أنس أبو عرقوب

باكراً، أدركت "الحركة الصهيونية" أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قوية. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية.
وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي" جهاز مخابرات "الهاغاناة"، ثم وحدة "المستعربون". في هذا العدد، سنتطرق لمخابرات "الأرغون"، ثم ننتقل للحديث في الأعداد اللاحقة عن "الشاباك" و "الموساد" و "أمان"، وهي أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الإستخباريّ.


الحجّة المركزية التي ساقها قادة فرع "الهاغاناة" في القدس لتبرير انشقاقهم وتأسيسهم لمنظمة "الأرغون" كانت فشل "الهاغاناة" في توقّع ثورة الشعب الفلسطيني، نهاية شهر آب من العام 1929. إلى ذلك، أضيف فشلها في التصدّي لهجمات الثوّار. خلالها، بلغت خسائر الفلسطينيين 110 شهداء، وجُرح 232 شخصاً، وقد سقطت غالبيتهم بنيران الانتداب البريطاني، فيما قتل الثوار 133 مستوطناً، وأصيب 339 بجراح، وتم تحرير عدد من المستوطنات، رغم أن الثورة دامت لعدّة شهور فقط.
خلفت الثورة شعوراً عميقاً بالمرارة لدى بعض قادة "الهاغاناة" في القدس. وسادت قناعة بأن "الهاغاناة" ليست مؤهلة لقمع ثورة بهذا الحجم، بسبب حالة الترهّل المستشرية في صفوف قادتها، وإفتقار عناصرها للتدريب العسكري، وغياب جهاز استخبارات قويّ، يرصد إرهاصات أيّ ثورة تلوح في الأفق، وقد يتسبب نجاحها باقتلاع المشروع الصهيوني من جذوره.


في العام 1931، تم إنشاء منظمة "الأرغون"، فكانت جسداً نما كثمرة لفشل "الهاغاناة". وقد حرصت المنظمة الوليدة على إخضاع عناصرها للتدريبات الشاقّة، وأشاعت أجواء الإنضباط العسكري في صفوفها. وفي العام 1937، أسّست "الأرغون" جهاز استخبارات أطلقت عليه اسم "ميشي"، وهي الأحرف الأولى من جملة "قسم خدمة المعلومات" باللغة العبرية.
تمحورت جهود "ميشي" الإستخبارية حول الفلسطينيين والعرب، وزرع الجهاز مخبريه في فلسطين وسوريا ولبنان، كما في الدوائر الحكومية التابعة لسلطة الانتداب البريطاني. وكرس جهوداً لكشف الجواسيس الألمان والإيطاليين، وامتلك خلية تخصّصت بالتنصّت على المكالمات الهاتفية.
وبعد اندلاع الصراع الدامي مع "الهاغاناة" الذي سقط خلاله قتلى من الطرفين، استعان "الأرغون" بجهاز مخابراته، وأصبح التجسس الداخلي جزءاً من عمل "ميشي". فأظهر براعة بجمع المعلومات عن خصومه من قادة "الهاغاناة"، نشرها في تقريرٍ أسبوعي وزّعه داخل "الأرغون"، ولكنه تقريرٌ لم يتضمن تحليلاً وتقييماً للمعلومات التي يرصدها. خضع "ميشي" من الناحية الإدارية للقيادة القطرية لـ "الأرغون" المكونة من ثلاثة أشخاص بينهم القائد العام للمنظمة. وخلال فترة تعاون "الأرغون" مع بريطانيا، سلّمت الأولى مخابرات الأخيرة قوائم بأسماء العناصر الذين شكّلوا منظمة "ليحي" المنشقة عن "الأرغون"، فقامت السلطات البريطانية بإعتقالهم.
ظلّ الفلسطينيون بؤرة اهتمام "ميشي" الأولى حتى اعترتهم بوادر الضعف مطلع الأربعينيات، فركزت مخابرات "الأرغون" جهودها على جمع المعلومات عن الإنتداب البريطاني، الذي كانت تخطّط لتصعيد استهدافه تمهيداً لدفعه إلى الإنسحاب من فلسطين ثم إقامة دولة إسرائيل. في العام 1944، اختار "الأرغون" اسماً جديدا لمخابراته هو "ديلك"، ويعني بالعربية "الوقود". وتم تفسير الإسم بأن المعلومات المسبقة التي تقدّمها المخابرات للمقاتلين هي في واقع الحال الوقود الذي تشغّل محرّكات المنظمة.


بخلاف "ميشي"، كرّس "ديلك" الجزء الأكبر من مجهوده الإستخباريّ للتجسّس على سلطات الإنتداب البريطانيّ كما التجسّس الداخليّ. ومع ذلك، فإن العمل ضد الفلسطينيين لم يتوقف بشكلٍ تام، رغم أن تراخياً ألمّ به. ولكن، هذا الوضع تغيّر بشكلٍ جذريّ مطلع العام 1947، إذ ضاعف "ديلك" جهوده الإستخبارية حول مدينة يافا تمهيداً لتطهيرها عرقياً.
زوّدت مخابرات "الأرغون" عناصرها المهاجمين الذين تجاوز عددهم ستمئة مقاتل بالمعلومات المسبقة، تمهيداً لعملية احتلال المدينة التي بدأت يوم الأحد الواقع في الخامس والعشرين من نيسان العام 1948، وانتهت بعد يومين من تاريخه بتهجير الغالبية العظمى من أهالي يافا من ديارهم، ليتبقى من أصل 85 ألف نسمة يقطنونها ثلاثة آلاف فقط لا غير.
منذ العام 1944، وحتى حلّه بعد تفكيك "الأرغون" مطلع شهر حزيران العام 1948 ودمجها بجيش الإحتلال، تشكّلت هيكلة جهاز "ديلك" من قائدٍ قُطريّ، ونائب، وسكرتير عام، ومبعوثين. وتكوّن الجهاز من عدّة أقسام ترأس كلّ قسم منها مسؤول عنه. وفي كلّ فرع لـ "الأرغون"، عيّن قائدٌ محليّ تابع لجهاز مخابرات المنظمة، يجتمع بوتيرة دائمة بشكل شهريّ مع قيادة "ديلك" القطريّة. ونظّم "ديلك" دوارت تدريبية لعناصره حول أساليب جمع المعلومات والتجسّس والشيفرة وتحليل المعلومات.


يتوزّع العمل في أقسام "ديلك" على نحو منظّم، وبالشكل التالي:
- القسم العربيّ: جمع المعلومات عن الفلسطينيين بواسطة عناصر "الأرغون" الذين سكنوا في المدن المختطلة - حيفا، يافا، القدس – أو في المستوطنات المحاذية للمدن والقرى الفلسطينية. وحصل القسم على معلومات حسّاسة من شرطة ومباحث الإنتداب البريطاني، ومن مصلحة السجون، ومن الدوائر الإنتدابية الأخرى. أيضاً، تزعم أدبيات "الأرغون" أن "ديلك" استعان بخونة عرب في إطار التجسّس على مجموعات الثوار المسلّحة.

- قسم الأمن: تخصّص بجمع المعلومات حول مؤسسات الإنتداب البريطانيّ والشرطة والجيش. نجح "ديلك" في جمع المعلومات عن طريق موظفين ورجال شرطة يهود عملوا ضمن مؤسسات الانتداب. وهذا القسم كان أيضاً مسؤولاً عن ترتيب العلاقات مع "مقر قيادة الشتات في الأرغون في العاصمة الفرنسية باريس"، الذي كان يستقي معلوماته من مصادر خارجية حول التطورات في العالم العربي. أما المعلومات المتعلقة بالشؤون الدولية فتمّ جمعها في بريطانيا.

- قسم التجمّعات السكنيّة اليهوديّة: هذا القسم جمع معلومات حول المؤسسات الصهيونية العامّة داخل المستوطنات، وعن منظمة "الهاغاناة"، وعن الأحزاب الصهيونية، وعن حركات الشبيبة اليهودية في فلسطين.

- قسم الصحافة: تخصّص بإدارة العلاقة مع الصحف العبرية والإنكليزية الصادرة في فلسطين، إلى جانب بناء العلاقات مع صحف أجنبية في الخارج. العلاقة مع الصحافة كانت تبادلية، فقدم "ديلك" معلومات وأخباراً للنشر، واستعان بالمقابل بالصحافة لجمع المعلومات. أيضاً، وكحال "شاي" - جهاز مخابرات "الهاغاناة" - كان "ديلك" مرتبطاً بعلاقةٍ وثيقة باليهودي اريه زيف، وهو رئيس "جهاز الرقابة العسكرية الانتدابية على النشر"، الذي قدّم لـ "ديلك" كلّ الأنباء التي تحظر سلطات الإنتداب نشرها، سواءّ في الصحف العربية أو الصادرة باللغتين الإنكليزية والعبرية. تلك الأنباء كانت هامة لتشخيص توجّهات سلطات الإنتداب والرأي العام الفلسطيني.

- قسم الترجمة: أعدّ مواد دعائية نشرت بلغاتٍ متعدّدة. وقام بصياغة منشورات باللغة العربية، جرى توزيعها في سياق الحرب النفسية التي شنّها "الأرغون" ضد الفلسطينيين بالتوازي مع الهجمات الإرهابية الدامية. وأرسلت الكتيبات والمنشورات الدعائية التي أعدّها القسم إلى الخارج، ووزّعت على جهات صحافية في العالم وفي أوساط اليهود، بهدف جمع التبرعات.

- قسم الأمن الخارجيّ: نظّم لقاءات مع المراسلين الصحافيين الغربيّين وممثلي المؤسسات الأجنبية لتحقيق أهداف دعائية وإظهار "الأرغون" كمنظمة تقاتل الإستعمار. وهدف ذلك إلى إيجاد رأي عامٍ دوليّ مساند للهجمات التي يشنّها ضد الإنتداب، بإغفال حقيقة أن المنظمة تستهدف أيضاً وأساساً أهل البلد الأصليين.

"الأرغون"، خلال مسيرته، هاجم الفلسطينيين والبريطانيين، وحتى خصومه الصهاينة في "الهاغاناة" و "ليحي". وأدّى "ديلك" دوراً محورياً في الحفاظ على بقاء "الأرغون" كمنظمة عسكرية سريّة حتى إنشاء دولة إسرائيل. ومع ذلك، فإن "ديلك" فشل بحسب المؤرخين الصهاينة بكشف حجم إختراق "الهاغاناة" لصفوفه المنظّمة. ما يفسّر الخسائر التي لحقت بـ "الأرغون" خلال الحرب التي درات رحاها بين الطرفين.