الراصد القديم

2015/07/01

أحكام إعدام لا تعدم أحدا

عبد الحليم قنديل

لا تبدو الضجة الكبرى المثارة حول أحكام إعدام قادة الإخوان في محلها، ولسبب غاية في البساطة، هو أنها أحكام إعدام لا تعدم أحدا، وجنازة حارة لميت حي، يأكل ويشرب وينام على سرير الزنزانة.

وقد أحاط القانون المصري أحكام الإعدام بضمانات غاية في التشدد، وألزم المعنيين بتدرج قضائي طويل المدى، ومن سبع خطوات، تستغرق في مجموعها ثلاث سنوات على أقل تقدير، فمن حق محاكم الجنايات أن تحيل أوراق من تشاء إلى فضيلة المفتي أولا، ثم لها أن تنتظر «الرأي الشرعي للمفتي» ثانيا، ثم يعرض حكم الإعدام على محكمة النقض ثالثا، التي غالبا ما تلغي الحكم، وتأمر بإعادة المحاكمة أمام دائرة جنايات أخرى رابعا، ثم يعرض حكم الإعدام لو جرى تأييده على محكمة النقض في خطوة خامسة، ولو قبلت محكمة النقض الطعن في الحكم الجديد، فسوف تباشر بنفسها نظر الدعوى من نقطة الصفر، وتتحول إلى محكمة موضوع في خطوة سادسة، وغالبا ما تلغى أحكام الإعدام، ولو حدث وأيدتها في أحوال نادرة جدا، فسوف تكون الأحكام في انتظار الخطوة الوجوبية السابعة، وهي حق رئيس الجمهورية في التصديق على التنفيذ، أو الامتناع وتخفيف الحكم إلى الدرجة الأدنى.

وقد يرى البعض عيبا هائلا في التدرج القضائي الطويل العريض، وأن العدالة البطيئة من صور ظلم الضحايا، وهذا مفهوم أخلاقيا، لكن إعدام شخص قضائيا ليس أمرا هينا، ونفاذ الإعدام لا يبقي من سبيل للمراجعة القانونية، وهو ما حرص المشرع المصري على تلافيه، وعلى توافر الثقة الكاملة الجامعة المانعة للشك في استحقاق متهم ما لحكم الإعدام، وعلى إلزام النيابة العامة وجوبيا بالطعن على أي حكم إعدام، وحتى لو لم يطعن المتهم الذي صدر ضده الحكم، وهو إجراء له حكمته الظاهرة، فأحكام محاكم الجنايات نهائية ولها قوة الأمر المقضى به، وتلقائية التنفيذ في العقوبات الأدنى من حكم الإعدام، فالمحكوم بسجنه من حقه أن يطعن مع قضائه للعقوبة، لكن المحكوم بإعدامه لن يبقى حيا لو نفذ الحكم، ولن يكون بوسعه الطعن ولا الاستفادة من الطعن أمام محكمة النقض، بل تنقضى الدعوى كلها بوفاته، وهو ما جعل الطعن إلزاميا للنيابة في حالة أحكام الإعدام، ومع تأجيل تنفيذها إلى حين استنفاد كافة درجات التقاضى، التي تجعل الحكم نهائيا وباتا وقابلا للتنفيذ، وفي انتظار تصديق رئيس الجمهورية الذي من حقه العفو.



ولسنا بصدد أحاديث أو افتراضات نظرية مرسلة، فهذه الضمانات تقيد أحكام الإعدام، وتنزل بعددها إلى أدنى حد، ويكفي أن تتابع ما جرى قضائيا خلال العام الأخير مثلا، فلم تنفذ أحكام الإعدام سوى في قضية التنظيم الإرهابي المعروفة إعلاميا باسم «عرب شركس»، وقد نظرت القضية أمام محكمة عسكرية بحكم طبيعة الجرائم فيها، والمحاكم العسكرية متعددة الدرجات، لكن أحكامها لا تعرض على محكمة النقض المدنية، بينما لم تؤيد محكمة النقض إلى الآن سوى حكم إعدام يتيم واحد في قضية إرهابي قتل طفلا في الإسكندرية، وهي جريمة موثقة بالفيديو، بينما رفضت محكمة النقض تأييد حكم إعدام الإرهابي الشهير عادل حبارة وجماعته، وأمرت بإعادة محاكمتهم من جديد، كما رفضت محكمة النقض أحكام الإعدام في قضية «العدوة» بالمنيا، وقد كانت بالمئات، وشملت محمد بديع مرشد الإخوان المحبوس، وأمرت بإعادة المحاكمة، وهو المتوقع له أن يجري في كل قضايا إعدام قادة الإخوان، بما فيها قضايا التخابر واقتحام السجون، التي تقرر فيها إعدام مرسي وبديع والشاطر مع أكثر من مئة آخرين، أغلبهم حوكموا غيابيا لكونهم من الهاربين، والأحكام الغيابية تسقط تلقائيا عند حضور المتهمين، حتى لو جرى تأييدها افتراضا من محكمة النقض نفسها. وقد لا ينازع أحد ـ خارج المجادلات الأوروبية ـ في قوة ردع أحكام الإعدام، وفي ضرورتها الشرعية والوضعية، وفي ضمانتها المؤكدة لحقوق القصاص وسلامة المجتمعات، سواء في جرائم القتل الجنائي، أو في جرائم القتل الإرهابي بالذات، لكن المشكلة تنشأ في سياق آخر، وبالذات مع التباس الإرهاب بالسياسة، ومع توجيه تهم لا ترقى إلى ارتكاب جرائم قتل مباشر بالذات لا بالواسطة، أو مع وجود جرائم قتل على الشيوع، لا يتوافر فيها شهود رؤية، ولا قرائن وأدلة جازمة، تتجاوز معاني التحريض والمشاركة في مؤامرة مفترضة، وفي مثل هذه الأحوال، قد لا تكون المجازفة بإصدار أحكام إعدام في محلها، وهو ما جعل المشرع المصري يضع الضمانات المذكورة كلها لتأجيل سريان حكم الإعدام، وتوفير درجات التقاضى، وإعادة النظر لسبع مرات، تستغرق أعواما طويلة، لا تجعل من محل لهذه الضجة الكبرى المثارة بصدد أحكام إعدام قادة الإخوان، فلسنا بصدد أحكام إعدام نافذة المفعول، وحتى يطالب البعض بوقف التنفيذ، ربما جهلا بطبائع ودرجات التقاضي في مصر، التي لا تحتاج إلى نصائح من أحد، لا من الخارجية الأمريكية، ولا من الاتحاد الأوروبي، ولا من «أردوغان» المصدوم انتخابيا، ولا من الممولين بمليارات البترودولار لدعاية بائسة، عبر منظمات وواجهات وأقنعة مريبة، دوافعها سياسية لا قانونية ولا إنسانية، «تسيس» ردود الأفعال المصطنعة، وتتوهم أن بوسعها إيذاء مصر، والنعي على أحكام الإعدام القضائية الابتدائية غير القابلة للتنفيذ، وادعاء غلبة السياسة على هذه الأحكام، وربما ادعاء الإيعاز للقضاة بإصدارها، وعلى ظن أن أحكام الإعدام تفيد النظام المصرى الحاكم، وهو ما لم يقم عليه دليل ولا شبهة دليل مرئي أو ظني، بل العكس هو الصحيح بالضبط، فأحكام الإعدام ـ بغير تنفيذ ـ لا تردع خصما سياسيا، ولا تفيد سياسيا سوى المحكوم بإعدامهم ابتدائيا، وتتيح المجال واسعا لافتعال حملات ضد النظام المصري في الدوائر الغربية بالذات، وحملات عنف وإرهاب انتقامي في الداخل المصري، فليس من مصلحة منظورة للنظام المصري في صدور أحكام إعدام لا تعدم أحدا، والحاصل أن القضاء هو الذي يورط السياسة لا العكس، ويحمل النظام المصري بانتقادات مضافة بسبب أحكام الإعدام إياها، وليس بوسع النظام أن يتدخل مباشرة، وإلا جرى اتهامه بالعدوان على القضاء، والمرة الوحيدة التي تدخل فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الآن، كانت لوقف سريان عقوبات سجن بحق صحافيين أجانب في القضية المعروفة باسم «خلية الماريوت»، وأصدر لذلك تشريعا خاصا، اعتبره البعض ـ عن حق ـ مخالفا لنصوص الدستور واستقلال المؤسسة القضائية.

لا يعني ذلك أن كل شيء على ما يرام في مصر الآن، لكنه يعني أن المصريين لا يحتاجون إلى نصيحة من أحد، وكل تحركات الاستقواء بالأجانب مصيرها معروف، وهو الذهاب إلى أقرب سلة مهملات، فالمصريون شعب عظيم، وقواهم الحية قادرة على تصحيح الخطى بإذن الله، وكفالة التوازن المفتقد في معادلة الأمن والحرية، فمصر بلد يخوض حربا منتصرة ضد جماعات الإرهاب، ومصر عصية على التفكيك، وحتى لو اجتمعت عليها الدنيا كلها، لكن المطلوب ـ ببساطة ـ فتح المجال العام واسعا لكل القوى والتيارات خارج دائرة الإرهاب، وخوض حرب موازية ضد الفساد الذي هو أخطر من الإرهاب، وتطبيق برامج «جبر الضرر» لكل أسر الضحايا بدون استثناء سياسي ولا تمييز عنصري، وتفكيك الجانب الأكبر من الاحتقان السياسي الحادث، وتعديل «قانون التظاهر» بما يوافق نص الدستور، وهو ما يتيح إخلاء سبيل فوريا لعشرات الآلاف من المحتجزين في السجون، وهم من غير المتهمين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، وقد جرى إطلاق سراح مئات تلو مئات، سواء بقرارات النائب العام، أو باستخدام الرئيس السيسي لسلطته في العفو العام، وهو ما قد يصح التوسع فيه إلى أبعد مدى، وبالتوازي مع التحسن الظاهر الملموس في حالة الأمن.
وقد يكون السعي بالسياسة ممكنا، ومع الأخذ في الاعتبار استحالة «المصالحة» مع الإخوان ودواعشهم في المدى المنظور، وتلك على أي حال قصة أخرى، لا يصح أن تؤجل إعادة النظر في دفاتر النظام القوي الحاكم في مصر الآن، وبما يرد الاعتبار للحقوق والدماء المحرمة، واعطاؤها الأولوية قبل وبعد اختلافات السياسة، وكل ذلك قد يكون أسهل من مهمة أخرى، تتعلق بإصلاح مطلوب للنظام القضائي المصري، وعبر تشريع جديد جامع لأحوال السلطة القضائية، يبني لها استقلالا حقيقيا مشفوعا بالكفاءة الواجبة، ويخلصها من عثرات بطء التقاضي، وتحكم وزارة العدل في التفتيش القضائي، ومضاعفات السماح لرجال الشرطة بتقلد وظائف القضاة، وحظر الوظائف نفسها على أبناء الفقراء والعمال والفلاحين، ومع تنفيذ نص الدستور بوقف انتداب القضاة لوظائف إدارية، وإلى غير ذلك من شواهد خلل أصابت نظامنا القضائي عبر عقود، وهو الخلل الذي يتجلى ظاهرا في أحكام محاكم الجنايات، بما فيها أحكام الإعدام الجماعية التي تصدرها تلقائيا على الإخوان وعلى غيرهم، والتي تبدو مجازفة وبلا تدقيق كاف، وقد تنطوي على شبهة طلب رضا في غير محل، فوق أنها توحي بنقص فادح في الكفاءة المهنية لقضاة بلغوا من السن عتيا، وبدليل أن غالب هذه الأحكام تلغيها محكمة النقض، ولأسباب مهنية بديهية، من نوع سوء الاستدلال أو فساد تطبيق القانون، وهذه قضية تثير فزعا أكبر مما تثيره أحكام الإعدام المشكوك في تنفيذها، فوق استنزافها للخزانة العامة في جلسات محاكمة تمتد إلى العام والعامين، ثم تصدر فيها أحكام تلغيها محكمة النقض، ثم يستمر استنزاف المال وسمعة القضاء في جلسات إعادة محاكمة أخرى طويلة المدى، ثم تكون النهاية المعروفة في أغلب الحالات، وتلغى أحكام الإعدام التي لا تعدم أحدا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر