الراصد القديم

2015/08/01

عبد الناصر هو الحل



عبد الحليم قنديل

بالطبع، لايتصور أحد أن عبد الناصر سيعود من موته، ولا أن ظروف ومعادلات الخمسينيات والستينيات هي ذاتها اليوم.

وقد رحل جمال عبد الناصر إلى جوار ربه كما هو معروف في 28 سبتمبر 1970، مات وهو في الثانية والخمسين، مات وهو في أوج عطائه ونضجه وتألقه، مات في وسط معارك وتحديات صعبة فريدة، مات مبكرا، وقبل أن تكتمل تجربته، وبدت وفاته المفاجئة كقوس مفتوح على عقود وعهود تلت، وهو ما يفسر ضراوة وصخب الهجوم عليه وعلى عصره، تماما كما يفسر رسوخ صورته وإلهامه في وجدان نخب ثورية وقواعد جماهيرية واسعة، وإلى حد يبدو معه الصراع حول اسم عبد الناصر مرادفا لجوهر الصراعات الاجتماعية في المنطقة العربية، ومرادفا لأحلام نهوض وئدت بعد سنوات على رحيله.

نعم، يبدو الصراع حول اسم عبد الناصر حارا فوارا، وكأن الرجل مات لتوه بالأمس، أو كأنه لم يمت بعد، فلم يكن عبد الناصر من العابرين في الكلام العابر، ولم يكن مجرد زعيم أو قائد نتذكر أيامه، بل امتزج اسمه بصلب معارك أمة عربية واسعة مطحونة، حلمت بمجدها مع الرجل، وذهبت ريحها بعد عصره، وتحولت إلى فتات منثور، وحروب طوائف وقبائل وممالك، وميدان رماية ومهالك دموية، تفكك المفكك، وتنزل بحالة الوجود العربي إلى ما تحت الحد الإنساني، وتتصارع على جثة الأمة رايات رجعية صفيقة، إدعت أنها تتجاوز عبد الناصر، فإذا بها تتجاوز الوجود العربي نفسه، وتحول خرائط الأمة إلى حدائق حيوانات، وتحول شريعة الإسلام إلى شرائع غاب، وتقيم حفلات لقطع الرؤوس وإهلاك الحرث والنسل بالجملة.

وفي قلب الأمة المعذبة، كانت مصر تذوى وتضعف، وتتراجع بسرعة الصوت بعد سنوات من وفاة عبد الناصر، كانت قوة اندفاع النهوض الناصري تقاوم بفيزياء القصور الذاتي، وتكمل نصف الدورة إلى غايتها بالنصر المخطوف في حرب أكتوبر 1973، بعدها بدأ الانكسار والانهيار، بخيانة الذين «هبروا» للذين عبروا، وبخيانة السياسة لنصر السلاح، وبانفتاح «السداح مداح»، وبإخراج مصر عن ملتها القيادية في أمتها العربية، وبإعادتها إلى القيد الاستعماري «الاحتلالي» من جديد، وباستبدال الاحتلال الأمريكي السياسي الزاحف بالاستعمار البريطاني القديم، وبنقل دار «المندوب السامي» البريطاني إلى مقر السفارة الأمريكية المتضخمة المحصنة بجاردن سيتي، وبوضع اقتصاد مصر تحت وصاية المعونة الأمريكية وصندوق النقد والبنك الدوليين، وبالخصخصة التي تحولت إلى «مصمصة»، وبعهود نهب عام لم تشهد مصر له مثيلا في تاريخها الألفي، وبتفكيك الركائز الانتاجية الكبرى في الصناعات العسكرية والمدنية، وبإحلال النفوذ الطاغي لرأسمالية المحاسيب محل الحضور المضئ لقوى الشعب العاملة المنتجة، وبنزع سلاح سيناء الذي انتهى إلى نزع سيادة قرار السياسة والاقتصاد في القاهرة، وبتحويل النظام الجمهوري من داخله إلى نظام ملكي مقنع، تحولت فيه عائلة الحكم إلى مركز للكون المصري المتداعي، شفطت الثروة والسلطة إلى حلوقها وجيوبها، وجعلت مصر حكرا و»عزبة» للعائلة وحوارييها من المليارديرات الجدد، فيما لم تترك للمجتمع بسواده الأعظم سوى حق الهجرة والهروب، وحولت المجتمع المصري إلى غبار بشري بائس يائس، كانت الدولة تتحطم من داخلها، وينكسر عمودها الفقري، وتتحول إلى كائن رخو يشبه الأميبا البدائية، وكانت عائلة السلطان وبيته على رأس كرسي السلطة الخائنة الناهــــبة، فيما كان المجتمع يجري تحطيمه بالمقابل، ويموت حس السياسة فــــيه، وتسيطر عليه أطياف اليمين الديني الرجعي المتخـــلف، تستــثمر وتتغذى على بؤس ويأس ما كان مجتمعا ناهضا مع عبد الناصر، فقد خاطب اليمين الديني يأس المجتمع كجمعية دينية، ثم خاطب بؤس المجتمع كجمعية خيرية، ومع ضعف الطلب على السياسة في مجتمع مهاجر من التاريخ والجغرافيا، وتائه على أرصفة التسول والاستجداء، تفشت سطوة اليمين الديني، وتشارك مع سلطة النهب في عناوين السيطرة المزدوجة، كانت عائلة النهب تحكم في قصر السلطة، وكانت عوائل اليمين الديني تحكم في المجتمع، كان اليمين الديني هو «القرين» الملازم لسلطة النهب والتفكيك العام، وجمعتهما معا رغبة الانتقام وتصفية الحساب مع عبد الناصر وعصره ومجتمعه، والتنافس على قيادة عصر الانحطاط التاريخي الطويل بعد حرب أكتوبر 1973.

وفي نفق الانحطاط الطويل المرير، كانت آلاف التفاصيل تتوالى وتجتمع، المخابرات الأمريكية تخطط لحملة التكفير بعصر عبد الناصر ومشروعه، وسلطة السادات ـ فمبارك ـ تنفذ، وفوائض البترو ـ دولار الرجعية تدفع وتدعم، وتنشئ مئات المؤسسات والمنابر والأقنعة السياسية والدينية والإعلامية، وتبذل غاية جهدها وملياراتها في تغذية طفح اليمين الديني، ولفت النظر عن حقيقة وجود الأمة العربية، وآمالها في النهوض والتوحيد والتقدم، وتحل أوهاما من نوع «الخلافة»، تضل بها الناس عن سواء السبيل، وتفكك العروة الوثقى بين العروبة والإسلام، وبين أولوية التوحيد العربي وكفالة تضامن أمم العالم الإسلامي، وتضرب الوحدة الوطنية لكل بلد عربي في مقتل، وتحل الهوية الطائفية محل الهوية القومية، وتحول الوجود العربي إلى أعراق وطوائف متنازعة متحاربة إلى يوم يبعثون، وهــــو ما كشــــف زيف مفهوم الخلافة المدعاة، وكشف أثرها الفعلي المدمر كأداة تفكــــيك لا كسبيل توحيد، وإشغال الناس بحروب «اللات والعــــزى»، وصرف أبصارهم عن واجب الوقت في الاستقلال الوطني والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية والتوحيد القومي، والانحطاط بالمجتمعات إلى عصور الرعايا والسبايا وملك اليمين، وتدمير مصر بالذات، وعن وعي بكونها قاعدة التكوين العربي الحديث، وقد كان المطلوب تفكيك القاعدة المركزية، وفتح الطريق لانهيارات توالت في أقطار الأمة كلها، وكانت كلمة السر هي دفن مشروع عبد الناصر واجتثاث سيرته، وعدم السماح بإحياء ركائز حلمه من جديد، وتحويل الشعب المصري إلى أمة من عبيد.

وفي لحظة الارتطام بالقاع الذي ليس بعده قاع، كانت صورة عبد الناصر تحارب من جديد، وكان الشعب المصري ينهض بعد أن احتفلوا بموته، وكانت صورة عبد الناصر هي الوحيدة التي ترفع في ميادين وشوارع الثورة المصرية الجديدة، وكانت أغاني عصره هي العنوان والوجدان في ميدان التحرير، كانت الحشود تجتمع على إيقاع «كلنا كده عايزين صورة»، وعلى إيقاع «اللي ح يهرب م الميدان/عمره ما حيبان في الصــــورة»، ولم يرفع في ميادين الثورة أي شعار ديني ولا شبه ديني، فالمصـــريون بطبيعتهــــم أكثر شعوب العالم تدينا، ولم يكن ينقصهم دين، بل انشدت أرواحهم وأشواقهم إلى معانـــى العـــدل والنـــهوض، وهو ما يفسر اختيار الناس الغريزي التلـــقائى لصورة عبد الناصر بالذات، فهي ـ أي الصورة ـ اختصار رمزي بليغ مكثف لأشواق مصر المكـــنونة، وهو ما بدا ظاهرا متحديا مع حكم اليمين الديني «القرين» المنافس لحكم جماعة النهـــب، فتحولت آلاف صــور عبد الناصـــر التي رفعـــت في ميادين ثورة 25 يناير 2011، تحــولت آلاف الصور إلى ملايين في ميادين الموجـــة الثـــورية الأعظـــم في 30 يونيو 2013، كان الاختـــيار الغـــريزي لصور عـــبد الناصر معبرا عن حقيـــقة ومغـــزى ثــورات مصر الجـــديدة، فقد كان الشعب المصري يريد وصل ما انقطع مع الثورة الأم في 23 يوليو 1952، كان الشعب المصري يقرر طلاقه البائن مع جماعات المنتقمين من عبد الناصر وعصره، وسواء كانوا حكاما في السلطة انقلبوا على مشروع عبد الناصر، أو جماعات يمين ديني خلفتهم في الحكم، وجمعها دين الانتقام من عبد الناصر وعصره، كان قرار الشعب المصري أن ثوراته واحدة متصلة، وأن ثورة 25 يناير و30 يونيو هي التجـــديد بموازين اللحظة لثورة 23 يوليو 1952، وأن ثورة الناس الأحرار هي التطور العصري لثورة الضباط الأحرار، فقد جرى الانقلاب بسهولة على ثورة عبد الناصر لسبب ظاهر جدا، هو أنها كانت ثورة للناس، لكنها لم تكـــن بالناس، وكان الناس هذه المرة جاهزين لترجــــمة ايقاع «ملايين الشـعب تدق الكعب»، كانت المشاهد المليونيـــة تستعـــيد صــــور هبة 9و10يونيو 1967، وصور جنازة عبد الناصر التي لا مثيل لها في مطلق التاريخ الإنساني، وتثبت رغبة الأمة الكامنة في استعادة الحلم وابتعاثه من جديد، وتجديده وتطويره بمقاييس عصر مختلف، وفي ظروف متغيرة عما كانت عليه في الخمسينيات والستينيات وصولا لحرب أكتوبر 1973.

كانت شعارات الناس التلقائية ظاهرة في ثوراتهم الجديدة، وكانت مطالب العيش والحرية والعدالة والكرامة والاستقلال هي جوهر القصة الثورية، فهذه المطالب التلقائية هي جوهـــــر مشروع عبد الناصر، فجوهر ما تبقى من عبد الناصر هو مشروعه للنهوض، وبركائزه السبع (الاستقلال الوطنى ـ التوحيد العربي ـ الديمقراطية للشعب ـ الكفاية والعدل ـ أولوية العلم والتكنولوجيا والتصنيع ـ التجديد الحضاري ـ عولمة الضد أو باندونج الجديدة)، هذه هي المبادئ والقيم السبع لمشروع عبد الناصر مجددا، والتي لا يقوم بدونها نهوض لمصر ولا لأمتها العربية، وهذا هو المعنى الذي نقصده حين نقول أن عبد الناصر هو الحل، فقد مات الرجل دون مشروعه وحلمه، وترك الحلم لأمته التي ضاعت بعده في الزحام، وتعيش في الركام، وعلى رجاء اليقظة الآتية من مصر مجددا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر