الراصد القديم

2015/08/01

سيناء .. وداعش : حين ينتصر (الدم) على سيف الإرهاب !!


 رفعت سيد أحمد

دراسة فى خريطة الإرهاب ومستقبله فى سيناء بعد حادث الشيخ زويد

* الهدف الاستراتيجى لعمليات (داعش) وأخواتها فى سيناء هو استنزاف الجيش المصرى وتحويل البلاد إلى السيناريو الليبى أو السورى !!

* داعش ولاية سيناء تعمل بالوكالة لصالح الموساد ومخابرات قطر وتركيا ، وثمة توظيف سياسى من قبل التنظيم الدولى للإخوان ، لهذه الجماعات المسلحة

* لابد من تغيير (كامب ديفيد) لأنها تشل يد الجيش المصرى فى مواجهة الإرهاب ولابد من فتح ملف القوات متعددة الجنسيات التى يشتبه فى ارتباطها تنظيمياً مع جماعة داعش وأخواتها فى سيناء

* اشتراك عناصر خليجية وعراقية وفلسطينية سلفية فى بنية تنظيم داعش وفى عملياته المسلحة بات أمراً معلوماً وإن كنا ننصح بتحليل عينات من أجساد ومخلفات وأسلحة القتلة لمعرفة المزيد ولبناء استراتيجية خارجية للمواجهة قائمة على المعلومات وليس التخمين .

* سينتصر الجيش المصرى على سيف الإرهاب فقط يحتاج إلى استراتيجية شاملة للتنمية والمقاومة

* ما أن يقع حادث إرهابى كبير فى مصر ، إلا وتتبارى الأقلام والخبراء الذين نسميهم (الاستراتيجيين) فى التحليل ، وبدون أن يدرى (البعض) يتحولون إلى قضاة ، وجلادين ، سواء لأوطانهم أو لجيشهم أو حتى لأنفسهم ، ودائماً يقدمون الإجابات النهائية ، دون ذرة احتمال أن يكونوا مخطئين كما سبق أن أخطأوا فى تحليلات بائسة سابقة ، لكنهم هكذا صاروا جزءاً من الأزمة ، أزمة نخبة تجاوزتها الأحداث ، والحقائق على الأرض .

على أية حال ليسوا هؤلاء هم موضوعنا اليوم ، ولكن الموضوع هو (سيناء وداعش) بعد حادث الشيخ زويد ، وما ذكرنا لهؤلاء الخبراء وإعلامهم ، سوى إشارة سريعة لأحد (أعراض) المشكلة ، والتى تساهم فى استمرار (المرض) وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، بهذه المعالجات السطحية ، والمرضية ، والتى نحتاج اليوم إلى غيرها ، عمقاً ، وتحليلاً ، فالوطن فى أزمة ، والإرهاب الملتحف بالدين ، والمتحالف مع إسرائيل – سراً أو علناً – يطرق أبواب الجغرافيا (فى سيناء والسلوم) ليغير من خلالها (التاريخ) .

إن ما نريد أن نحلل اليوم بعد أن هدأت قليلاً هوجة الإدانة وا لمعالجات السطحية لإرهاب داعش نمحوره فى النقاط التالية :

أولاً : قلنا من قبل ، ونكرر اليوم ، أن الهدف من هذا الإرهاب (لداعشى) الذى بات يتحصن فى مثلث (رفح – الشيخ زويد – العريش) هو الاستنزاف التدريجى للجيش المصرى ، وإشغاله عن مهامه الرئيسية فى حماية أمن البلاد ، هذا الهدف قديم ، قدم نشأة تنظيم (أنصار بيت المقدس) (المنشأ عام 2011) الذى تحول إلى (تنظيم داعش ولاية سيناء) وهو يتحين ومعه قرابة (الـ10 تنظيمات تحت مسميات مختلفة) الفرصة ، ولحظات الاسترخاء ليضرب ضربات موجعة تحدث نوعاً من التأثير الإعلامى والنفسى واسع النطاق ، هكذا تقول عملياته منذ (رفح) الأولى عام 2012 حتى كرم القواديس 2014 والكتيبة 101 فى 2015 وأخيراً الشيخ زويد فى يونيو 2015 ، والتى وفق الله جيش مصر فى إجهاضها قبل أن تكتمل !! .

* إن هدف استنزاف الجيش وإشغاله هو الهدف الثابت ، ومن ثم يكون الرد هو حماية الشعب لهذا الجيش من خلال الالتفاف حوله ومؤازرته فى معركته ، ومن خلال مشاركة النخب الإعلامية والسياسية الجادة فى الحرب على الإرهاب بالرؤى الصحيحة غير المرتعشة، وليس إسداء النصائح الخائبة له من قبل قوى وأحزاب أو خبراء سياسيين واستراتيجيين وإعلاميين يفتقدون ليس فحسب للعمق الفكرى بل وغالباً للحس الوطنى السليم .

البيئة الحاضنة ***

ثانياً : تنظيمات الإرهاب فى شمال سيناء ، وداخل المثلث (رفح – الشيخ زويد – العريش) تمتلك بيئة قبلية حاضنة ، ومن المهم تفكيك هذه البيئة ليس أمنياً فحسب بل واجتماعياً وسياسياً من خلال سياسات الاندماج والاحتواء الاستراتيجى لأهالى سيناء ولمطالبهم العادلة ، وهو ما ينقص الإدارة المصرية ككل منذ الإرث الثقيل الذى ورثناه عن فترة حكم حسنى مبارك والذى نسى سيناء وأهلها عمداً منذ 1982 وحتى ما قبل ثورة يناير 2011 ، نسيان ولد فراغاً استراتيجياً ودينياً وسياسياً ، ملئه الإرهاب وتمويله الخارجى ، ومن المهم عند المعالجة الصحيحة لما جرى أن يتم تفكيك هذه البيئة الحاضنة وملء الفراغ الاستراتيجى والمبادرة باقتحامه عبر مشاريع تنموية ودعوية (أزهرية تحديداً) وسياسية واسعة وعامة .

داعش: ارهابيون بالوكالة ***

ثالثاً : من المؤكد بعد عملية الشيخ زويد (1/7/2015) أننا سنكتشف معلومات جديدة تؤكد التواصل التنظيمى لهذا التنظيم الإرهابى (داعش) وإخواته فى سيناء بأجهزة مخابرات عربية وغربية وهناك احتمال أن تكون هذه الأجهزة – كما تسرب من معلومات وليس من تحليلات خائبة لخبراء استراتيجيين أو إعلاميين – هى الموساد الإسرائيلى ، ومخابرات كل من قطر وتركيا، مع تداخل وتواصل واسع مع جماعات الإرهاب فى كل من العراق وسوريا وبعض سلفيى قطاع غزة (وهنا ينبغى التفرقة بوضوح بين الشعب الفلسطينى المناضل وبين العناصر والتنظيمات المتشددة التى حرفت بوصلة نضالها بعيداً عن القدس ووجهتها إلى الشعب والجيش فى مصر!!) .

* إن البعد التمويلى والتنظيمى الخارجى (لداعش ولاية سيناء) بات واضحاً ، واشتراك عناصر عراقية وسعودية وفلسطينية سلفية فى عملياته وتدريبه بات معلوماً ، وإن كنا نقترح هنا بضرورة تحليل المخلفات المادية لمجرمى حادث الشيخ زويد الأخير (تحليل عينات من أجساد ومتعلقات القتلة مثلاً) لكى نعلم جيداً من هم ومن أين أتوا ثم نحاسب عن بينة وليس عن ظن وتخمين ، المسئولين عنهم سواء داخل قبائل سيناء أو خارجها ، إن امتلاك هؤلاء المجرمين القتلة لسيارات ومتفجرات وأسلحة حديثة متطورة بعضها مضاد للطائرات ، وبعضها الآخر لا تملكه سوى جيوش معروفة فى المنطقة (قيل أن الصواريخ والقنابل التى أطلقت كانت صناعة إسرائيلية وأن السيارات تم استيرادها من قطر والمتفجرات من ليبيا!!) . إن امتلاك معلومات صحيحة سوف يؤدى إلى بناء استراتيجية عسكرية وسياسية خارجية صحيحة للتعامل مع ممولى ومدربى تنظيم داعش ، ومن المهم هنا إعلام الرأى العام بنتائج هذه التحقيقات أولاً بأول حتى لا يترك نهباً لإعلام قطر والإخوان ومن لف لفهم من مساندى هذا الإرهاب وداعميه !! .

*** الاخوان والتوظيف السياسى للارهاب

رابعاً : إن الربط التنظيمى بين أحداث الإرهاب الصغيرة المتفرقة فى (الوادى) أو حتى بين عملية اغتيال النائب العام هشام بركات ، وبين مجرمى سيناء ، والقول أن الراعى العام لهم هم الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولى ، يعد فى تقديرى تحليل غير دقيق وقد يوصلنا لنتائج فى العمل غير سليمة ، ولكن من المهم أيضاً أن نشير إلى احتمالات التعاون السياسى والإعلامى على الأقل بينهم ، وإلى التوظيف السياسى الواسع الذى يقوم به التنظيم الدولى للإخوان لهذه الأحداث الإرهابية وخاصة لدى المخابرات الأمريكية وصناع السياسة فى الغرب ، وأن نشير أيضاً إلى الترابط العضوى بين كل من قطر وتركيا بالإخوان ودفعهم المستمر للصدام مع الدولة المصرية ، والدور الإعلامى المخابراتى لكلتا الدولتين فى مساندة الإخوان وتبنى مطالبهم ضد الدولة والجيش فى مصر ، حتى لو تعارض مع رأى أغلبية شعبية لا تريد حكم الإخوان (!!) ، ومن المهم هنا أيضاً الانتباه إلى أن (تنظيم الإخوان) داخل مصر قد يتجه مستقبلاً إلى العنف المسلح بعد أن فقد الحاضنة الشعبية الواسعة له ، وهنا قد يلتقى تنظيمياً مع داعش وأخواتها فى سيناء والوادى ، أما الآن فإننا أميل إلى أن اللقاء بين الإخوان وتلك التنظيمات الإرهابية فى سيناء وعلى الحدود مع ليبيا وأحياناً فى القاهرة هو لقاء سياسى وهو مصلحة سياسية وتوظيف سياسى أكثر منه لقاء تنظيمى دقيق ! .

*** داعش وكامب ديفيد

خامساً : إذا ما سلمنا بأن ما يجرى ضد الجيش والشرطة والدولة المصرية منذ 30/6/2013 وحتى اليوم هو مؤامرة إقليمية ودولية بأدوات ووكلاء داخليين ، فإن المواجهة لها لابد وأن تتوقف بانتباه واهتمام كبير إلى القيود التى تفرضها معاهدة السلام مع الكيان الصهيونى (الشهيرة شعبياً باسم معاهدة كامب ديفيد 1979) والتى تقيد فاعلية الجيش المصرى فى الحماية الاستراتيجية الواسعة لكامل سيناء (61 ألف كم2 و26 قبيلة وعدد سكان يقترب من 400 ألف نسمة) وهى معاهدة تقسم سيناء إلى ثلاث مناطق ، مجمل الوجود العسكرى بها حوالى 22 ألف جندى مع بعض الأسلحة غير المؤثرة فى إطار معركة الإرهاب القائم على حرب عصابات يتمتع فيها العدو بحرية الحركة والدعم اللوجستى والقدرة على الاختفاء فى كهوف جبل الحلال والوديان والقرى المنتشرة مع القدرة على الاختراقات المخابراتية (ثمة نقص ملحوظ فى أعمال الاستخبارات المصرية داخل تجمعات القبائل والبدو فى كافة العمليات التى قام بها داعش) .

وإذا ما تأملنا البعد المتعلق باتفاقية كامب ديفيد ، فسنجد أن ثمة حتمية لتغييره ، لأن يد الجيش وقدراته لاتزال مغلولة بحكم هذه الاتفاقية ولنتأمل أن جيش عديده يقترب من المليون فرد وترتيبه هو الـ14 بين جيوش العالم ومع ذلك لا يستطيع أن يهزم جماعة صغيرة مثل داعش(خمسة الاف عنصر على اقصى تقدير) ، ويتضح السبب المباشر عند قراءة الملحق الأول من الاتفاقية (معاهدة السلام 1979 - الملحق الامنى) والذى فيه وردت القيود الآتية على حجم وتوزيع القوات المصرية فى سيناء :

(1) تم لاول مرة تحديد خطين حدودين دوليين بين مصر وفلسطين ، وليس خطا واحدا ، الاول يمثل الحدود السياسية الدولية المعروفة وهو الخط الواصل بين مدينتى رفح وطابا ، اما خط الحدود الدولى الثانى فهو الخط العسكرى او الامنى وهو الخط الواقع على بعد 58 كم شرق قناة السويس والمسمى بالخط (أ).

(2) ولقد قسمت سيناء من الناحية الامنية الى ثلاثة شرائح طولية سميت من الغرب الى الشرق بالمناطق ( أ ) و ( ب ) و ( ج ) .

(3) أما المنطقة (أ) فهى المنطقة المحصورة بين قناة السويس والخط (أ) المذكور عاليه بعرض 58 كم ، وفيها سمح لمصر بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة تتكون من 22 ألف جندى مشاة مصرى مع تسليح يقتصر على 230دبابة و126 مدفع ميدانى و126 مدفع مضاد للطائرات عيار 37مم و480 مركبة .

(4) ثم المنطقة (ب) وعرضها 109 كم الواقعة شرق المنطقة (أ) وتقتصر على 4000 جندى من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة .

(5) ثم المنطقة (ج) وعرضها 33 كم وتنحصر بين الحدود الدولية من الشرق والمنطقة (ب) من الغرب و لا يسمح فيها باى تواجد للقوات المسلحة المصرية وتقتصر على قوات من الشرطة ( البوليس) ، ويحظر انشاء اى مطارات او موانى عسكرية فى كل سيناء .

(6) فى مقابل هذه التدابيرفى مصر قيدت الاتفاقية اسرائيل فقط فى المنطقة (د) التى تقع غرب الحدود الدولية وعرضها 4 كم فقط ، وحدد فيها عدد القوات بـ 4000 جندى .

وإذا ما قورن ذلك بحرب 1973 فإن عدد الجيش المصرى شرق القناة وقتها قد اقترب من 100 ألف والدبابات 1200 مما يعنى أن يد الجيش اليوم مغلولة وأنه لابد وأن يستأذن أو ينسق مع إسرائيل إذا أراد استخدام الطائرات أو الدبابات بشكل موسع فى المنطقة القلقة (المنطقة جـ) والتى يتواجد بها (داعش) وأخواتها من الجماعات الإرهابية والتى اخترقها أصلاً الموساد الإسرائيلى من خلال ما سمى (بوحدة الجهاديين) المنشأة بداخله منذ العام 2011 !! .

*** القوات متعددة الجنسيات تترابط مع الارهابيين

سادساً : أيضاً من المحاور التى بحاجة إلى تعديل محور القوات متعددة الجنسيات والتى تمتلك صلاحيات خطيرة وفق الاتفاقية الموقعة فى 3/8/1981 ، وهذه القوات وفقاً للتقرير المهم الذى نشرته صحيفة الصباح المصرية فى عددها الصادر يوم 6/7/2015 والمتضمن معلومات مهمة عن تعاون وتآمر هذه القوات متعددة الجنسيات مع الجماعات الإرهابية فى سيناء وهى قوات تعدادها (حوالى 2000 عنصر) أغلبهم من الأمريكيين ورغم تواجدها فى مناطق العمليات الإرهابية إلا أن (داعش وأخواتها) لم تمسها بسوء ، بل تحميها وتحافظ عليها وتلتقط الصور مع قادتها ، هذا البعد الغائب فى المقاربة الاستراتيجية لعمل الجماعات الإرهابية فى سيناء يحتاج إلى رصد وتحليل ومن ثم إلى مواجهة جادة على الأرض ، والملفت للانتباه والتأمل هنا أنه وفقاً لنصوص معاهدة كامب ديفيد أو اتفاقية القوات المتعددة الجنسية، يجوز لمصر إلغائها أو تعديلها – على الأقل – وفقاً لأوضاعها الأمنية الحالية ، فلماذا لا تسعى الإدارة المصرية الحالية إلى تعديلها ؟! .

***

وفى الختام .. لابد أن تعلم النخبة الحاكمة وكذلك النخب السياسية والإعلامية أن أهل سيناء ليسوا هم هؤلاء الإرهابيين ، ومن الواجب التفرقة بينهما ، وأن يتم التعامل مع سيناء كجزء من الوطن وليس كعبء على الوطن ، وأنها البوابة الشرقية الحقيقية لأمننا القومى ، وأن التهديد القادم من تلك الجماعات الإرهابية ومن يقف خلفها من قوى ومخابرات إقليمية ودولية؛ يستهدف الأمن القومى المصرى ككل وبخاصة قناة السويس (القديمة والجديدة) ؛ ومن ثم هو خطر يحتاج إلى استراتيجية للمواجهة قائمة على الحقائق وليس على تخمينات خبراء منتصف الليل فى الفضائيات ، وهى استراتيجية سياسية قبل أن تكون عسكرية ، ودعوية قبل أن تكون إعلامية ، واقتصادية تنموية قبل أى شئ آخر . مطلوب أن نسترد سيناء ثانية بعد أن ضاعت منا طيلة الـ33 عاماً الماضية (منذ تحريرها عام 1982) ، وهذا أمر ليس صعباً إذا ما خلصت النوايا ، وتقدم الصفوف المخلصين من ساسة وعسكريين وخبراء حقيقيين . لدينا يقين بأن جيش مصر وشعبها سينتصر على هذا (الإرهاب) وسيفه الغارق فى الدم ، فقط نحتاج إلى استراتيجية شاملة للتنمية (المقاتلة) ، أى للتنمية القائمة على منهج المقاومة وغير المنفصلة عن مواجهة مشاريع التفكيك فى المنطقة التى تقودها واشنطن وتل أبيب . وحفظ الله مصر من كل سوء .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر