الراصد القديم

2015/08/31

الوحدة العربية… ولا غير الوحدة


علي محمد فخرو

أما وأن القوى الخارجية، وفي المقدمة الصهيونية العالمية، بتعاون وتناغم مع بعض القوى العربية الداخلية، استطاعت عبر العقود الأربعة الماضية، وليس السنوات الأربع الماضية، كما يظن البعض، إضعاف جسد الواقع العربي من خلال اختراق منظم تراكمي للكثير من أنظمة الحكم والاقتصاد والأمن والمجتمعات المدنية والمؤسسات الأقليمية، فإنها الآن تهيئ لنقلة خبيثة نوعية تصيب الجسد المعنوي العربي، فكرا وثقافة وأحلاما كبرى.

وإلى حد ما هناك نجاحات محدودة لتلك المساعي الخبيثة. في قلب تلك المساعي زرع الشكوك في واليأس من فكر ومشاعر هوية العروبة، وبالتالي إضعاف الإيمان بضرورة الوحدة العربية والعمل من أجل تحقيقها، ومن ثم إقناع شعوب الأمة العربية بأن كل من آمن ولايزال يؤمن بالفكر والنضال القومي العروبي الوحدوي، هم من الحالمين المراهقين في الحياة السياسية العربية، وبالطبع فالمراهقون تنقصهم الرزانة والحكمة والموضوعية والواقعية، لكن دعنا نتوجه إلى شعوب الأمة العربية جميعها، وبالأخص شبابها وشاباتها، لنرد على ذلك السخف الخبيث بطرح أسئلة بشأن الواقع المأساوي الذي تعيشه جميع أقطار الوطن العربي في اللحظة الراهنة. دعنا نضع جانبا الردود الفكرية النظرية والدروس المستقاه من تجارب الأمم الأخرى، مع أن فيها الكثير مما يفنُد تلك المقولات التي يطرحها أعداء الوحدة في الداخل والخارج ولنركز الأنظار على الوقائع.

السؤال الأول: لو أن الوحدة المصرية السورية، ممثلة في الجمهورية العربية المتحدة، بقيت صامدة حتى يومنا هذا ولم تتساقط أمام رشاوى بعض المال العربي المتعاون مع قوى التآمر الخارجية، وأمام أخطاء الداخل وخطاياه، فهل كان باستطاعة أحد أن يستبيح القطر السوري ويمزق أوصاله ويجعله ألعوبة مفجعة في يد الدول الكبرى كما نراه اليوم؟

السؤال الثاني: وحتى بعد فاجعة تهاوي تلك الوحدة، لو أن حزب البعث وحّد القطر السوري مع القطر العراقي في دولة واحدة، عندما حكم القطرين في الفترة نفسها حزب واحد، ولم يسمح للصراعات بين بعض قادته تعلو فوق مصالح الأمة العربية الكبرى، فهل كان سيجرؤ الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبمساعدة، مع الأسف، من بعض الجهات العربية، على أن يكتسح العراق ويمزق أوصاله ويشعل نيران الطائفية فيه ويدوس على شرف جيشه ويجعله لقمة سائغة لنفوذ إيران وتركيا ودول الغرب، وللوجود الصهيوني العلني في شماله؟ ومرة أخرى هل كان باستطاعة أحد أن يمس سوريا لو كانت جزءا من دولة وحدة عراقية – سورية؟

السؤال الثالث: لو أن مجلس التعاون الخليجي لم يسمح لنفسه بأن يقع في إشكالية فقر اليمن، ويعتبره تعارضاَ مع غنى دوله، وأن يتبنى الفكر القائل بعدم قدرة الأنظمة الملكية وأنظمة الإمارات في دوله التعايش مع النظام الجمهوري في اليمن. فهل كان بالإمكان تجنيب اليمن الشقيق الدخول في المتاهات القبلية والطائفية والصراعات المناطقية والاستباحات الأمريكية التي دخل فيها، والتي اوصلته إلى الحالة المأساوية التي يعيشها الآن؟

السؤال الرابع: لو أن دول المغرب العربي الخمس غلبت العقل ومنطق الأخوة والمستقبل الوحدوي الزاهر المشترك ونبذت الخلافات العبثية في ما بينها. من مثل موضوع النزاع المغربي – الجزائري بشأن مستقبل الصحراء المغربية. فهل كان سيجرؤ الغرب الاستعماري، وبمباركة من الجامعة العربية مع الأسف والأسى. على استباحة القطر الليبي وإدخاله في الجحيم الذي يعيشه الآن من صراعات قبلية وجهوية؟

وفي جميع أحوال تلك الأقطار العربية المنكوبة، هل كان باستطاعة شتى الاستخبارات الدولية والصهيونية والأقليمية أن تجند شراذم الجهاديين التكفيريين ليفعلوا ما يفعلونه بساكني وتراث ومستقبل هذا القطر أو ذاك؟

إذا كانت هذه الصورة المليئة بالبؤس والأخطار، التي كان أحد أسبابها تجزُؤ هذه الأمة إلى وحدات قابلة للاستباحة، وإضاعة فرص قيام وحدات أكبر وأقوى، لا تقنعنا بأهمية الرجوع إلى محاولة بناء وحدات عربية أكبر من الحاضر، تمهيدا لنوع من الوحدة العربية الشاملة في المستقبل، لدرء الأخطار المتعاظمة وإيقاف الضباع التي تنهش في جثة هذه الأمة… إذا كان كل ذلك ايضا لا ينقل الجامعة العربية من كونها نظاما إقليميا ضعيفا مكتوف اليدين إلى أن تصبح نظاما عربيا قوميا متماسكا في القريب العاجل… إذا كان كل ذلك لا يقنعنا بفشل الدولة العربية القطرية في أن تحمي نفسها من تدخلات الخارج وانفجارات الداخل، فضلا عن فشلها في التنمية والسباحة بجدارة في نهر حضارة العصر الذي نعيش .. إذا كان كل ذلك لا يقود إلى الرجوع لبناء تيار قومي عروبي يضغط نحو الخروج من الجحيم الذي نعيش ومن الهوان الذي نشاهد ومن الدخول في القبر الذي نجلس على حافته، فإننا أمة لا تستحق الحديث عن تاريخ لها كان ملء العين والسمع، ولا تستحق أن تحلم بدخول العصر من أبوابه الواسعة.

لا نبالغ إن قلنا، إما الوحدة العربية أو خروج الأمة، قطرا بعد قطر، من قلب ساحات حضارة العصر، والاكتفاء بالعيش في ذل التهميش والتبعية.

كل خطوة نحو توحيد هذه الأمة سيدق مسمارا في نعش التدخلات الاستعمارية الخارجية، في نعش التكفيريين، وفي نعش قوى المصالح الداخلية التي لا تستطيع العيش إلا في أجواء التجزئة العفنة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر