الراصد القديم

2015/08/01

أنقرة وطهران تجدان في فوضى الشرق الأوسط حاضنة لأهدافهما التوسعية


محمد وديع
تواجه العديد من الدول العربية اليوم ما يمكن تسميته حالة “تحرش” إقليمي من دول الجوار الطامعة في توسيع نفوذها، مثل تركيا العثمانية وإيران الفارسية، اللتين قامتا وتقومان بأدوار مشبوهة كثيرة من أجل تعظيم دورهما في المنطقة على حساب تقزيم الدور العربي. وأكّد مراقبون لـ”العرب” أن الإيرانيين والأتراك يحملون في أعماقهم رواسب تاريخية تجاه العرب، فإيران، أو بلاد فارس، التي لم تنجح مظلة الخلافة الإسلامية في إعادة صهرها كجزء من المكون الحضاري الإسلامي، تحمل علاقتها مع العرب التباسا واضحا تغلب فيها السلبيات على الإيجابيات، وعقدا تاريخية تدفعها للتدخل في شؤون دول عربية وتصدير القلاقل إليها، كما حدث في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

أما الأتراك الذين جثموا على صدر المنطقة عدة قرون فهم يحملون ميراثا تاريخيا من الاستعلاء، يحاولون ممارسته على شعوب الجوار العربية من خلال دعم بعض الأقليات والجماعات الإرهابية ومدها بالمساعدات، فضلا عن تسهيل دخول التكفيريين إلى دوله، فماذا تفعل مصر والقوى العربية الإقليمية حيال هذه المناوشات؟

عبدالمنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة، قال إن وضع العالم العربي لا يبشر بخلاص قريب من الأزمات، بعد أن شهدت المنطقة زلزالا كبيرا تمثل في ثورات الربيع العربي وتوابعها التي لا تزال مستمرة، بالتالي أي حالة من نفاد الصبر غير مطلوبة خلال هذه المرحلة.

وأشار سعيد، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن الدول الإقليمية غير العربية تحاول الآن اختراق النظام العربي المهترئ، لأنها تجد في ضعفه فرصة تاريخية، لكنها سوف تجد في قوته وتصميمه تحديا أكبر. ولفت إلى أهمية القوة العربية المشتركة المزمع إنشاؤها والتي يمكن أن تحدث تغييرا نوعيا في نظرية الأمن الإقليمي العربي، إذا زوّدت بقدرات معلوماتية ومخابراتية أعلى مما عرفناه حتى الآن، وأن يكون لديها قدرات للانتشار السريع والإبرار الجوي والمائي، بحيث تستطيع المناورة السريعة لحماية دول العالم العربي، الأمر الذي تعول عليه كثيرا مصر لوقف التداعيات الحاصلة في جسد الأمن القومي العربي.



وطالب المفكر السياسي بإعلان سياسي واضح من الدول العشر المشاركة في القوة يؤكد على مجموعة من المبادئ الحاكمة للمستقبل يمكنها أن ترسي حدود النظام الإقليمي المستهدف الوصول إليه، والتأكيد على السلامة الإقليمية والوحدة الجغرافية للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، بما يردع الحركات الانفصالية عن اغتيال دول عربية معينة في لحظات ضعفها، ويرسل رسالة للرافضين للدولة العربية من الأصل مثل تنظيم داعش الإرهابي، مفادها أن الاستمرار في هدم الدول العربية سوف يعني حربا مستمرة تؤدي في النهاية إلى تدمير تلك الجماعات. وشدّد عبدالمنعم سعيد على ضرورة التعلم من التجارب السابقة ليعود النظام الإقليمي إلى طبيعته من خلال استراتيجية شاملة تحشد وتتجه نحو تحقيق أهداف الدول العربية، محذرا من تصرفات فردية من قبل دول عربية مدفوعة بحب الظهور والمغامرة.

مطامع تاريخية

يكشف تاريخ العلاقة بين تركيا وإيران صراعا طويلا لفرض النفوذ على المنطقة العربية. وتكثف الدولتان أنشطتهما فى الدول التي تشهد حالات من الفوضى والصراع المسلح باستغلال أطراف داخلية.

ولمواجهة مطامع الجيران التاريخية وتحديات الوضع الجيوسياسية، أكّد السفير هاني خلاف، مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون العربية، لـ”العرب” أن هناك تحالفا عسكريا قائما بالفعل بين مصر والسعودية والإمارات والأردن، والقوة العربية المشتركة ستكون خطوة كبيرة للأمام وتساهم في ردع من تسول له نفسه تهديد الأمن القومي العربي، لأنه سيكون لها أهداف محددة، منها حماية الأنظمة الشرعية في الدول العربية، وحماية حدود الدول العربية واستقرارها.

واعتبر خلاف أن ما صرحت به تركيا بشأن التدخل العسكري في سوريا ليس سوى بالون اختبار لقياس ردود الأفعال العربية، موضحا أنه لا يوجد قرار تركي لدخول سوريا حتى الآن والجيش التركي يضع جملة من الشروط للتدخل، أهمها تقديم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما يفيد تحمله لكامل نتائج العملية العسكرية هناك.

بدوره، أكّد السفير رضا شحاتة، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، أن المنطقة العربية على مشارف تغير ضخم في موازين القوى، مشيرا، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن سوريا، في غاية الأهمية بالنسبة إلى أمن مصر والسعودية والمنطقة العربية بشكل عام، ومن هنا يأتي حرص القاهرة أن يكون مفتاح الحل بيد القوى الوطنية السورية، مطالبا الدول العربية بإعلان رفضها التام لأي تدخل عسكري تركي في سوريا، وكذلك الحال بالنسبة إلى إيران في العراق.

وأضاف شحاتة أن العالم غير مستعد لهضم خارطة سياسية جديدة في الشرق الأوسط، خاصة أن تزايد النفوذ الإيراني في عدد من الدول يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية غير المتوازنة وغير المتكاملة، ما بين إيران والغرب والدول العربية التي تحاول الحفاظ على هويتها ووجودها.

استقواء إيران

أكد اللواء هشام الحلبي، الخبير الاستراتيجي، لـ”العرب”، أن حماية الأمن القومي العربي تحتاج إلى تعزيز التكاتف بين دوله في المرحلة الراهنة، والعمل على عودة الاستقرار للدول التي تعاني من الإرهاب والمواجهات المسلحة.

من جانبه، أوضح محمد عباس ناجي، رئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية، أن طهران تتدخل في معظم الأحيان، لكن بشكل غير مباشر من خلال تقديم قيادات وكوادر مثل قاسم سليماني ودعم قوات الحشد الشعبي في العراق وهو الأسلوب الذي تتبعه في سوريا.

وأضاف أن هذه السياسة قد تتغير في حالة وصول داعش لهذه الأماكن والمراقد الشيعية، ما يستوجب التدخل الإيراني المباشر لمحاربة المساس بمعتقداتها الدينية.

وتابع أن إيران استغلت غياب الدور العربي في العراق، وتباين المواقف العربية بشأنه لكي توسع نفوذها فيه، وأي محاولة لتحجيم هذا الدور حاليا تحتاج لتوحيد سياسات الدول العربية تجاه ما يحدث في العراق والتأكيد على وحدة الدولة ودعم الحكومة.

تركيا وداعش

أشار السفير رخا حسن، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إلى أن تركيا هي التي دعمت داعش ودورها في سوريا، من أجل تعزيز الفوضى هناك، لكنها بدأت تشعر بالقلق مؤخرا بعد اقتراب معارك الكر والفر بين القوات السورية وميليشيات داعش وجبهة النصرة من الحدود التركية.

ولفت رخا، في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن ما شجع على تزايد النفوذ التركي في سوريا تباين المواقف العربية مما يحدث هناك، فالمملكة العربية السعودية تعاونت مع تركيا لإسقاط نظام الأسد، بينما تبنت مصر موقفا يسعى للحفاظ على وحدة سوريا حتى لو كان الثمن بقاء الأسد لفترة من الوقت.

وقال إن الموقف المصري مع الحل السلمي والتسوية السلمية ووحدة الدولة والمحافظة على سلامة الأراضي السورية، وتدخلها قاصرا على الجانب السياسي فقط، مستبعدا إمكانية التدخل العسكري في الأزمة السورية.

وعن تهديد إيران المستمر بالتدخل على نطاق واسع لحماية المراقد الشيعية في العراق، قال رخا إنه رسالة تحذير للأتراك لتجنب التدخل المباشر في العراق حتى لا تتحول المعارك هناك إلى حرب إقليمية مكشوفة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر