الراصد القديم

2015/09/01

أفارقة القدس القديمة في جيلهم الثالث:يحرسونها، بأمر الحاج أمين

 
عبد الرؤوف أرناؤوط

عندما استشعر الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس آنذاك، خطراً يتهدد المسجد الاقصى في العام 1918، أمر بأن يتولى أفارقة مسلمون مسؤولية حراسة المسجد، ومكّنهم من الإقامة على مقربة منه.
 
علي جدة هو سليل هؤلاء الأفارقة. عمره 65 عاماً، وينظر إليه الكثيرون كمؤرّخ الجالية الأفريقية في فلسطين. وهو مصدر هذه الواقعة: "العامل الأساسي في إسكان أهلينا هنا هو الحاج أمين الحسيني، الذي قال أن الافارقة متديّنون وأشدّاء، ولذلك، يجب أن نجد لهم موقعا قريبا من المسجد الأقصى".

يتحدّث جدة لـ "السفير" من منزله الملاصق للمسجد الأقصى، في ما يطلق عليه الآن اسم "مقر الجالية الأفريقية" داخل البلدة القديمة في القدس. يشرح: "لفترةٍ طويلة، كان معظم العاملين في المسجد الاقصى من الجالية الأفريقية، وكانوا متشدّدين دينياً. فإذا لم تكن مسلماً، لم تكن تتوفر لديك أيّ فرصة للدخول إلى المسجد. ويقال أنه، في يومٍ من الأيام، أراد الدون البلجيكي بارا بانت أن يزور المسجد الأقصى، فأصدر المسؤول عن إدارة المسجد آنذاك أوامره بمنح الأفارقة إجازة في ذلك اليوم، لأنه لو جاء بينما هم متواجدون لما تمكّن أبداً من الدخول".

في كتابه "موجز تاريخ القدس"، يذكر المؤرخ الفلسطيني عارف العارف هذه الحادثة بقوله أن "متصرف القدس غيّبهم عن الحراسة كي يتسنى للدون بارا بانت البلجيكي وعقيلته النمساوية الأصل زيارة الحرم بإذن السلطان".
يعتبر جدّة من الجيل الثاني من الأفارقة الذين جاء أوائلهم إلى القدس على دفعتين: الأولى لأسبابٍ دينية، والثانية لأسبابٍ جهادية. وقد قصدوها من أربع دول أفريقية هي: السودان، السنغال، نيجيريا، وتشاد.
ويروي جدة: "اباؤنا وأجدادنا جاؤوا على مجموعتين وعلى خلفيتين، مجموعة أتت لأسبابٍ دينية بحتة، إذ كانوا في مكّة المكرمة وقدموا إلى الأراضي الفلسطينية ومكثوا في فلسطين. أما المجموعة الثانية فقد جاءت إبان حرب 1948 برفقة الجيش المصري، ومنهم من استشهد، والآخرون مكثوا أيضاً في البلاد".

أما الأصول القبلية لهؤلاء الوافدين فتعود، بحسب تأريخ الجالية الأفريقية، إلى تسع قبائل أفريقية، هي: أولاً، السلامات، قبيلةٌ عربية ممتدة من آسيا إلى قلب افريقيا. وثانياً، هوسا، التي تعدّ من أهم المجموعات البشرية في غرب أفريقيا. وثالثاً، الفلاتة، وهي قبيلة سودانية من أصول نيجيرية. ورابعاً، الكانوري، وهي مجموعة عرقية تقطن ولاية بورنو، شمال شرق نيجيريا. وخامساً، البلالة التي تحيا على الساحل الشرقي لبحيرة تشاد. وسادساً، كانبمو، الآتية من شرق النيجر. وسابعاً، الفولا، وهي من أكبر القبائل في دارفور. وثامناً، البرقو، وهي من القبائل الوافدة إلى دارفور. وتاسعاً، الزغازة، من عرب الجنوب: "منهم من مكثوا في المدينة وتزوجوا من فلسطينيات. واليوم، نحن نحكي عن الجيلين الثاني والثالث. أنا، على سبيل المثال، من الجيل الثاني. أبنائي ينتمون إلى الجيل الثالث".
بحسب جدّة، فإن عدد أبناء الجالية يتراوح اليوم ما بين 280 و300 شخص.

الرباطان، المنصوري والبصيري
تعيش الجالية أوضاعاً اقتصادية صعبة، وتجد نفسها أيضاً مظلومة، وأحياناً منسية. فعندما يتمّ الحديث عن البلدة القديمة، يقال "الحيّ الإسلاميّ" و "الحيّ المسيحيّ" و "الحي الأرمنيّ" و "الحيّ اليهوديّ"، من دون ذكر لهذه الجالية.

وليس من السهل على غير أبناء البلدة القديمة في القدس معرفة مكان إقامة أفراد الجالية، التي ربما كانت من أكبر الجاليات المقيمة في المدينة. ففي الطريق المؤدي إلى باب المجلس، وهو أحد بوابات المسجد الأقصى الرئيسة، يقع مبنيان كبيران متقابلان، يفصل بينهما شارع يسمى "شارع علاء الدين البصيري"، أحدهما يسمى "رباط المنصوري" والأخر "رباط البصيري". لكلّ من الرباطين بابٌ حديديّ كبير، يؤدي إلى ساحةٍ كبيرة محاطة بالغرف السكنية المتلاصقة. وهما لا يبعدان سوى أمتار قليلة عن المسجد الاقصى، من جهته الغربية.

يقيم جدّة في الرباط المنصوري، ويقول أن السلطان قلاوون بناه في العام 1276. أما الرباط الآخر فقد بناه علاء الدين البصيري، بعد ارتفاع الرباط الأول بعشرات السنوات. يذكر هنا أن علاء الدين البصيري هو العالم الفقيه الأمير علاء الدين آيد غدي بن على بن عبد الله البصير، ناظر الحرمين الشريفين في عهد السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس، وقد فقد نظره فأطلق عليه لقب البصيري.

وما زال بعض المقدسيين يطلقون حتى الآن اسم باب الناظر على باب المجلس، نسبةً إلى الفقيه الناظر أو البصيري، الذي يتواجد قبره داخل الرباط. وكان الرباطان يستخدمان لسنوات طويلة في استقبال المتصوفين والمتعبدين والفقراء والحجاج المسلمين الوافدين إلى القدس. ولكن المبنيين يحملان أيضاً اسم "سجن الدم" و "سجن الرباط"، ولذلك سبب أيضاً.

يروي جدّة: "في الحقبة العثمانية، تم تحويل الموقعين إلى سجن. في أحدهما حيث أقيم (الرباط المنصوري)، كان يتم وضع المحكوم عليهم في السجن لفترات أكبر من 10 سنوات. وفي الحبس الآخر (الرباط البصيري)، كان يتم سجن المحكوم عليهم بالإعدام. وعليه، يسمى القسم الآخر بحبس الدم، بينما هذا يسمى حبس الرباط".

بقي الوضع على هذه الحال حتى العام 1918، لما أقام فيهما الأفارقة الذين أطلق عليهم آنذاك لقب "المجاورين"، أيّ المجاورين للمسجد الأقصى. وحاز الأفارقة على مفاتيح المسجد الأقصى، وعملوا حراساً أشدّاء له.
وكان الحاج أمين الحسيني هو من وطّن الأفارقة في المبنيين بأجرةٍ رمزية لإبقائهم على مقربة من المسجد الاقصى، بصفته مفتي البلاد وبالتالي المسؤول عن إدارة الأوقاف الاسلامية في القدس.

فاطمة، والمناضلون حتى اليوم
يتكلم الأفارقة الفلسطينيون اللغة العربية، وعاداتهم هي عادات سكان القدس ذاتها. رجالهم يتزوجون من الفلسطينيات، ونساؤهم يتزوجن من فلسطينيين. ويقول جدة: "نحن نتكلم عن جذور من 4 دول أفريقية، ولكن اليوم، عندما تتكلم مع أبناء الجالية، فإنهم يقولون بصريح العبارة: نحن فلسطينيون. صحيحٌ أن جذورنا أفريقية، ولكننا فلسطينيون. وأنا غالباً ما أقول في أحاديثي أننا فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين".

وأكمل شارحاً: "حالياً، كأفارقة فلسطينيين، فإن وضعنا جيد. وعلاقاتنا طيبة مع المجموعات الأخرى من الشعب الفلسطيني، حتى أنني لا أبالغ لمّا أقول أننا الأكثر انفتاحا في المجتمع الفلسطيني. فعلاقاتنا متشعبة وممتدة على كل المجموعات، وإذا جلت في الجالية، فانك ستجد فتيات من الجالية متزوجات من فلسطينيين، وشبابا من الجالية متزوجين من فلسطينيات، وهو وضع مميز".

ولأقوال جدة ما يسندها على أرض الواقع. فأول معتقلة فلسطينية بعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 كانت، بحسب جدّة، فاطمة البرناوي: "أبناء الجالية كانوا دائماً في الطليعة، وأكبر دليل على ذلك هو أن اول فتاة فلسطينية اعتقلت في العام 1967 كانت من الجالية الأفريقية، وهي فاطمة برناوي، التي حكم عليها في العام 1967 بالسجن 11 سنة، وتم ابعادها، وعادت إلى الوطن في العام 1994 برفقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي الآن مسؤولة الشرطة النسائية الفلسطينية".

برناوي هي ابنة أب نيجيري، زرعت قنبلة في مسرح يهوديّ في القدس الغربية في نهاية العام 1967، وحكم عليها بالسجن لمدة 30 عاماً امضت منها 10 سنوات في السجون الإسرائيلية قبل أن يتم ابعادها.

وليس علي نفسه ببعيد عن ذلك، ففي العام 1968 قام بزرع 4 قنابل يدوية في وسط القدس الغربية، ما أدى إلى إصابة 9 اسرائيليين. أمضى على إثر ذلك 17 عاماً في السجون الإسرائيلية، قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى في العام 1985.
وعلي جدّة المولود لأب من تشاد، عمل بعد خروجه من السجن صحافياً، قبل أن يصبح الآن دليلاً سياحياً في القدس، يقدّم المدينة للسياح الأجانب بالرواية الفلسطينية التي تتناقض تماماَ مع الرواية الإسرائيلية.

وقد ضمّت الجالية الأفريقية العديد من الشهداء، والجرحى، والمعتقلين، والناشطين السياسيين. من بين هؤلاء ناصر قوس، الذي كان مرافقاً شخصياً للشهيد فيصل الحسيني حتى رحيله في الكويت منتصف العام 2001.

الآن، يتولى قوس الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين من سكان مدينة القدس، من خلال موقعه كمدير لـ "نادي الأسير الفلسطيني" في المدينة. ويقول أبناء الجالية انهم لا يشتكون من تمييزٍ في أوساط المجتمع الفلسطيني بسبب لون البشرة.

مساع إسرائيلية لاستمالة الجالية.. فشلت

سعت إسرائيل إلى استمالة الجالية الآفريقية إلى جانبها مراراً، غير أن محاولاتها هذه انتهت دوماً إلى فشلٍ جعل أبناء الجالية يدفعون ثمنه باهظاً.

يشرح جدة: "علاقتنا مع الجانب الإسرائيلي واضحة منذ البداية، وهي أنه محتل، وإننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، نعيش تحت الاحتلال، ونعاني من هذا الاحتلال.. هو موقفٌ أعتز وأفتخر به"، مشيرا إلى أنه "كانت هناك محاولات عديدة من جانب الإحتلال هدفها الوصول إلى الجالية، من خلال إغراءات عديدة. ولكن الناس كانوا يرفضون". وأضاف علي شارحاً: "هناك أيضاً الجانب الأيديولوجي في التعامل معنا. وكما تعلم، في المجتمع الإسرائيلي توجد عنصرية في التعامل. فعندما اقول أن الفلسطينيين مقموعون منهم، فإن قمعنا كجالية أفريقية فلسطينية سيكون مضاعفاً، أولاً لأننا فلسطينيون، وثانياً بسبب بشرتنا. وإذا ما نظرت إلى إسرائيل، ستجد أنه على صعيد التعامل مع المجموعات المختلفة في الكيان الصهيوني، أكثر المجموعات قمعا وتهميشاً هي مجموعة الأثيوبيين بسبب بشرتهم".

وتابع جدة: "كما أن المساهمة الوطنية من أبناء الجالية الأفريقية جعلت الاحتلال يتعامل معنا دائماً بقسوة. فعندما يحدث توتر سياسي، تكون أولى المجموعات التي يتم استهدافها أبناء الجالية الأفريقية، وذلك بالطرد من العمل. وعليه، فهناك عدد لا بأس به من الشبان والفتيات الذين كانوا يعملون في إسرائيل، تم طردهم من أماكن عملهم كإجراء عقابي".

لقد دفعت الجالية نتيجة مواقفها السياسية الكثير، لا سيما اقتصادياً. ما جعلها الآن من الطبقات الاشد فقراً في المجتمع الفلسطيني، ما انعكس على المستوى التعليميّ لأبناء الجالية.

في هذا الصدد، يقول علي جدة: "نعاني اقتصادياً. فالكثير من الشباب والشابات يضطرون إلى ترك المقاعد الدراسية للالتحاق بعجلة العمل، لأن أوضاعهم الإقتصادية صعبة. ولكن الجميل في الجالية هو عنصر التضامن والترابط بين أفرادها. يواجهون الصعوبات بتضامنٍ لافت. فعلى سبيل المثال، عندما تحدث حالة وفاة، تتجمّع العائلات، وتجمع المال، بحيث لا تشعر العائلة بأنها هي فقط المفجوعة، وانما تتشارك مصابها مع الجميع".

ويشير إلى أن التركيز الآن ينصب على الجيل الجديد: "تركيزنا واستثمارنا في الجيل الجديد. وهو الجيل الثالث. نريد أن نوفر لهم ما لم يتوفر لنا. فلدينا جمعية الجالية الأفريقية التي تقوم بنشاطات مختلفة تركز على الجيل الثالث. وكذلك، يتم التركيز على النساء. فهناك مثلاً دورات خياطة وغيرها التي تساعد المرأة على توفير حياة كريمة لها".

وكسواهم من الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية، فإن أبناء الجالية يواجهون إشكالية نقص المساكن وارتفاع إيجارات المساكن في المدينة: "نواجه مشكلة الحيّز نفسه، وهو ضيق، مع الارتفاع في تعداد السكان.. وعليه، فإن الشباب المتزوجين حديثاً يضطرون للخروج، لأن البناء هنا فيه مخاطرة. اذ أن أحد الاخوة قام ببناء غرفة واحدة على سطح بيت أهله ليعيش فيها مع زوجته و5 أبناء، فصدرت عليه غرامة بقيمة 30 ألف شيكل (7900 دولار)، واضطر لأن يهدم الغرفة بيده، إذ بغير ذلك، كانت السلطات ستهدم وتجبره على دفع نفقات الهدم".

وخلافاً لغيرهم من سكان القدس الشرقية، فإن الحكومة الأردنية لا تعترف بأبناء الجالية كأردنيين. في وثائق السفر التي تصدرها وزارة الداخلية الإسرائيلية لسكّان القدس الشرقية الفلسطينيين، تسجّل في خانة الجنسية "أردني/ة"، على اعتبار أن اسرائيل احتلت المدينة من الأردن. ولكن، في حين أن الأردن يصدر جوازات سفر مؤقتة لجميع سكان القدس الشرقية غير الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية، فإنها لا تصدرها للجالية الأفريقية باعتبارهم "وافدين" على مدينة القدس. وبالتالي، لا تمنحهم جوازات السفر الأردنية. 
 
وبموجب اتفاق اوسلو، فإن سكان القدس الفلسطينيين لا يجوز لهم الحصول على جوازات السفر الفلسطينية. لذلك، تستخدم غالبية أبناء الجالية وثائق السفر الإسرائيلية للتنقل في الدول غير العربية، ويعارضون، كما الغالبية من أبناء القدس الشرقية، الحصول على جنسية إسرائيلية.

لربما كان من حظّ علي جدة أن والده، الوافد من تشاد، كان حاصلاً على الجنسية الفرنسية. ولكن، تراه يصرّ على عدم الحصول على هذه الجنسية: "أبي كان يحمل جواز سفر فرنسيا، ما يعني انه يمكنني تلقائياً أن أحصل على جواز السفر. ولكن، تكمن في ذلك مخاطرة! هناك خطر أن يتم شطب إقامتي في القدس من قبل السلطات الإسرائيلية. ولهذا، لا افكر بالحصول على جواز سفر فرنسي". فيحمل علي وثيقة السفر التي تصدرها وزارة الداخلية الإسرائيلية لسكان القدس الشرقية الفلسطينيين، والمتعارف عليها باسم: "ليسيه باسيه"، أي "وثيقة سماح بالمرور" باللغة الفرنسية.

يختم علي جدة حديثه مع "السفير" بالقول: "نحن نراهن على مستقبل القضية، على أمل أن تكون لنا دولة.. أذكر أنه في إحدى المرات، سافرت إلى هامبورغ في ألمانيا للمشاركة في مؤتمرٍ للتضامن مع الشعب الفلسطيني. استغرب الشرطي على الحدود ان وثيقة السفر تفيد بأن مكان الولادة هو إسرائيل، بينما خانة الجنسية تشير إلى أنها أردنية. فكان ردّي أننا من دون دولة حتى الآن، وبالتالي، مشكلتنا مرتبطة بحلّ القضية".
 

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر