الراصد القديم

2015/10/01

كيف استفادت روسيا وإيران من الحرب الباردة وكيف فشلنا نحن ؟


ضيف حمزة ضيف

أخذت روسيا وريثة الإتحاد السوفيتي السابق، درساً كبيراً ومهماً من المعادلة غير المتكافئة التي حجز فيها الإتحاد قبل انهياره موقع الخاسر من دعم العرب جزئياً، اعتباراً من استفادة العرب والعالم الثالث منه أكثر من استفادته هومن دعمهم لقاء الولاء الإيديولوجي أيام الحرب الباردة .

لم تكن العمليّة مركبة أومعقدة إلى درجة استحالة فك رموزها ” الإنجيما”، بقدر ما كان الأمر كله بحاجة إلى تفكّر وتمعن، فالاتحاد الذي انهار لأسباب عدّة أهمها تصدير الثورة وشساعة المساحة .. لم يترك وريثته خاليّة من عقدتين ملازمتين : الجغرافيا والدبلوماسيّة، وقد عبرت الحدود الروسيّة عن قلق مديد حيال أي تمرد على التخوم، نجم عنه ضمّ القرم، ناهيك عن الاضطرابات التي شهدتها جورجيا (2008) وما ترتب عنه من صحوروسي مشوب بالحذر ومختوماً بالحسم الضروري، مستخدماً ورقة الأوسيتين .

وفي القطب الثاني من المراجعة التاريخيّة لأخطاء الاتحاد، هاهي روسيا تشتغل على الملف السوري بما يغذي هزالها الدبلوماسي السابق عبر دعم نظام الأسد، ظنّه البعض حباً وتماهياً في تركيبة النظام الحالي، وامتثالاً لايديولوجيّته، فيما هوفي واقع الحال والسياسة، ليس سوى مطيّة ناجحة جداً للعودة الكبرى إلى مسرحة العالم برواية غير أميركيّة هذه المرة، ضفّ إلى ذلك ما تمخّض عنه الإرهاب من سندات إضافيّة تقيّ روسيا اليوم من الإفلاس الدبلوماسي في حالة احتراق ورقة الأسد .
إنّها ” عودة يوليسيز ” على نحوما روت الأسطورة الإغريقية ، غير أن هذه المرة قد اختلف فيها الوضع العربي نسبياً، مثّلته القيادة السوريّة عندما تبادلت المنفعة الدبلوماسيّة مع روسيا، لا سيما بعد أن قدمت الصين أوراق الإنابة الدبلوماسيّة لروسيا، والتحفت بنفسها على جاري العادة .

لم يحتج الأمر إلى “سينيكيّة” أخلاقيّة حتى تتفقد إيران ما يدور من حيثيات سياسيّة وترتقي الموجة هي أيضاً، فقد دفعت بأكثر من ورقة، معبّرة للعالم عن امتلاكها لأكثر المفاتيح حساسيّة في الشرق الأوسط، من أجل الانخراط في التأكيد على أن الصف الأول في الشرق الملتهب لم يعد عمودياً كما تعرّف الفيزياء الحركة والمساحة، وإنما بات أفقياً يحتوي على أكثر من لاعب في المقدمة، وكانت المقايضة غاية في المصلحة الوطنيّة، عندما جاء ملفها النووي على رأس الملفات على طاولة التفاوض .
وما افترّ هذا الشرق المكلوم أبداً عن تململه تراءى العرب على السفح ينقلبون على جيرانهم بالحرب والدسيسة، متناسيين أنهم أصبحوا تجويفاً نحيفاً يفتح غيرهم به مصالحه عبر بطاقة ذكيّة وناجعة اسمها ” مكافحة الإرهاب” .
،،
لقد أسفر الاجتماع السنوي للأمم المتحدة هذه الأيام عن تفعيل حقيقي لجملة من الاستخدامات التي جرى العمل عليها في السنوات الأخيرة، وانطوى “البعث” الروسي على أيقونات مفيدة من قبيل : القلق والرعب والإرهاب .. وغيرها، عن تفجّر موهبة “يوليسيزَ ” بوتين ؛ الذي لم يكن يوماً خطيباً مفوّهاً بما تقتضيّه جعجعة المنابر، حدا بالأمر كله إلى اعتبار جريدة “التايم” بوتين صاحب المبادرة، فيما تقلّصت حظوظ الرئيس الأميركي في ” بهر” العالم و”دمغه” بخطاباته الذكية عادةً .

هنالك مثل فرنسي يقول : ” الحمقى وحدهم لا يتغيّرون”، وبتنا إلى رواية ميكيافيلي وبسمارك أقرب منّا إلى مثاليّة أفلاطون وسنيكا، وحيث أن العالم قد تماثل إلى الشفاء من البلاغة الباهظة، أصبح بموجب ذلك ينحوإلى الدسيسة والاستغلال ولعبة المحاور والأقطاب المتعددة، والعودة إلى الأحلاف بصيغة أكثر خفة وأقل ثقلاً من الحرب الباردة، أضحت الدول التي لا تتحالف مثل السعوديّة أقرب إلى الجملة السياسيّة الكلاسيكيّة والفارغة من أي معنى ذئبيّ ومصلحي .

التصالح مع الجبهة الوطنيّة أمر ضروريّ لأجل ترميم جدار البيت الخارجي، وإقامة الأحلاف والتخفّف من أثقال الغطرسة هوحجر الزاوية في الوصول إلى ” عنصر حسم” في المعادلة الدوليّة، بينما البقاء على حدة، والتصرّف بمنطق “كابر عن كابر” لم يعد له مكان في منطق اللحظة .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر