الراصد القديم

2015/10/01

كتاب المحن .. هوامش قومية معاصرة !!


اسماعيل أبو البندوره

إذا كان أبو العرب التميمي المتوفى عام 333 هجرية قد كتب عن محن وأهوال عصره كما عاينها وألقى الضوء عليها ، فهل يحق لنا أن نستكمل كتابه بهوامش معاصرة نستوحيها من المحنة – المأساة العربية الراهنة وأهوالها وبشاعاتها لكي يصبح لدينا ما يجدد الحديث عن المحن العتيقة والحديثة أو ما يستأنف طرحها ومعاينتها بصورها الجديدة ليكون ذلك نسقا وسياقا للتفكَر بالمحن وطرق مواجهتها وتجاوزها .

ولعل أول ما يلوح في الذهن العربي في المرحلة الراهنة من صور المحنة هو سؤال الهوية وطرق ومناهج تناولها في هذه اللحظة الانحطاطية ، وهو سؤال أصبح يعبر عن واقع جديد تغيب فيه التعريفات الواضحة للهوية وتلتبس ، وتضمر فيها المعاني الايجابية الحافزة ، وفي السؤال وأوجه طرحه استدخالات شائهة على ماهية الهوية والمواطنه بطريقة تحولها إلى هوية هشة ومأزومة ومبددة أو هوية ناقصة وقاصرة عن تجديد مضامينها وتفعيل إيحاءاتها ، إضافة إلى عملية تجري على قدم وساق لصناعة الأقليات وجعل مطالبها الهويتية في تناقض وتعارض وتشابك مع الهوية القومية العربية أو في صراع معها ليكون ذلك مدخلا للانتقاص من الهوية الجامعة وتمهيدا لتآكل الهوية القومية وقضم أطرافها بالاختراقات المتنوعة والانشطارات الأقلوية ليكون ذلك مسرحا جديدا تعاد فيه كل صور البلقنة والتفتيت والتوزيع الإثني والمذهبي وتكتمل فيه صورة المشهد التفتيتي الجديد والملون للعالم الاستعماري المعولم ( المؤمرك ) وتغلق صفحات تاريخ الأمم والشعوب وأشواق وأماني إنسانها الذي بقي طوال حياته ينافح من أجل تحقيق الحرية والسيادة والاستقلال ويحلم بالتعايش والعيش المشترك .

الهوية القومية تتعرض في المرحلة الراهنة إلى عملية إزاحة واستلاب وتشويه لمعناها وجوهرها اعتمادا على حالة الفراغ وغياب الرؤية والانشغال بالصراع والمقتلات الدموية الرهيبة ، وتلك حالة لم تشهدها الأمة من قبل وأصبحت بعض مجتمعات الأمة تراها ( مع فشوّ القشور والتلبيسات والضلالات والترهات عن معناها ) وجهة نظر مستجدة يمكن أن تخضع للجدل والمحاورة باعتبارها واقعا يتجسد بكل الصور والحيثيات ، ومشهدا جديدا للأمة وهي في حالة انحسارها وتراجعها .

أصبح الواقع الانحطاطي العربي الراهن ينتج ويطرح للتداول – على لسان بعض المثقفين والمسؤولين – تفسيرات هجينة وشاذة للجنسية والمواطنة تتساوق منطقيا مع عملية تبديد الهوية وتغيير ماهيتها وجوهرها ، ويتحرك مفهوم الجنسية والمواطنة لدى هؤلاء وفقا لرؤى وضرورات سياسية تستدعي الاجابة عن أسئلة جديدة وملحة أصبحت تطرح عليهم حكاما ومثقفين وهم يرون الأوطان تصبح مجرد بقع وأعلام والناس تفرّ من أوطانها وترحل الى البعيد وتموت غرقا وقهرا وهي تترك الديار بعد أن أصبحت هذه الديار جغرافيا موت محقق ومطلق دفعت مواطنها الى خيار الموت النسبي والمحتمل وتحت عنوان ” موت عن موت يفرق ! ” اشتقاقا من مقولة غسان كنفاني عن ” خيمة عن خيمة تفرق “.

وتلك مستجدات جديدة على الاستباحات المتنوعة التي تجري في وطننا العربي تدخلنا في صراع نوعي وخطير داخل المجتمعات وثنايا وجودها ، وداخل الأطر الفكرية والعقائد التي كانت أرضية تبنى عليها الأفكار النهضوية الوحدوية والعروبية وتتأسس على هديها رؤى التقدم والنهضة والاستقلال والحرية ، وهي من المحن الكارثية التي أصبحت تنتسج من حولنا وفي داخلنا وجعلتنا أو تكاد تجعلنا كالعهن المنفوش نفتقد الهوية والماهية ونعيد تعريف وجودنا قشريا بعيدا عن اللباب لكي نعود مجددا لسؤال النحن الغائب ؟ ومن نكون في هذا الزمن الخؤون حيث تغيب فلسطين ويقضم الأقصى رويدا رويدا ويعوم العرب في البحار والقفار ويموتون قهرا بحثا عن ملاذ ؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر