الراصد القديم

2015/10/01

"سيريزا" وأوروبا وجهاً لوجه مجدداً



عبد النور بن عنتر
فاز حزب سيريزا عن اليسار في الانتخابات التشريعية المبكرة، الأسبوع الماضي، في اليونان. وعلى الرغم من حصوله على أقل من 36% من أصوات الناخبين، فإن الحزب ربح رهانه السياسي. وكان زعيمة أليكسي تسيبراس قد أعلن عن انتخابات مبكرة لتجديد شرعيته التي اهتزت، بعد أسابيع من الكر والفر والأخذ والرد، انتهت بتوقيعه مكرهاً، في يوليو/تموز الماضي، على اتفاق تضمن إجراءات تقشف أكثر شدة، مقابل خطة دعم مالية جديدة مع الاتحاد الأوروبي. وهي إجراءات وعد "سيريزا"، في حملته الانتخابية السابقة، برفضها، وبالعمل على عكس التيار. وبعد التوقيع على الاتفاق المثير للجدل محلياً، والاستفتاء الشعبي، راهن الحزب على شعبيته، وطرح مجدداً شرعيته على صناديق الاقتراع، وهي خطوة نادرة في أوروبا، إذ لا تتجرأ الأحزاب التقليدية على مثل هذه القرارات. ومن هذه الناحية، فهو لقّن أوروبا، وخصوصاً منتقديه، درساً في الديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، على الرغم من أن السياق السياسي ليس في صالحه.

ويمثل فوز "سيريزا"، في ثاني انتخابات تشريعية متتالية في اليونان، مشكلة للأحزاب التقليدية المعتدلة، اليسارية واليمينية، في أوروبا، لأنه لقنها درساً في المراهنة الديمقراطية، ولأنه فاز مرتين، وعلى التوالي، في انتخابات تشريعية، ما يعني أن خطاب اليسار المتطرف وتموقعه في أوروبا يجد آذانا صاغيةً، وحتى ترحيباً ودعماً لدى الناخبين. والشيء نفسه يقال تقريباً عن اليمين المتطرف. هكذا تواجه، اليوم، الأحزاب التقليدية المعتدلة أحزاباً راديكالية في السلطة (في اليونان)، فيما الوصول إليها بالنسبة لأخرى قاب قوسين أو أدنى. ومن منظور انتخابي بحت، تجد الأحزاب التقليدية المعتدلة صعوبة في مواجهة اليسار الراديكالي، عكس اليمين الراديكالي، لأن الأخير يحمل أفكاراً وطروحات عنصرية، تجعله مرفوضاً لدى أوساط معتبرة من الشعب. وبالتالي، تحدّ طبيعته العنصرية، بعض الشيء، من تصلب عوده، بينما لا يعاني اليسار الراديكالي من هذه العقبة.

ويعد هذا الفوز دلالة على تطبيع اليسار الراديكالي في المشهد السياسي اليوناني، والأوروبي عموماً، إذ في وسع حزب من هذا الطيف السياسي أن يفوز بانتخابات تشريعية، على الرغم من أنه لم يلتزم بوعوده في الانتخابات السابقة. وهذا حال الأحزاب التقليدية المعتدلة في أوروبا التي تحقق انتصاراتٍ تلو الأخرى، على الرغم من عدم إيفائها بوعودها. ومن ثم، يجعل هذا التطور النوعي في المشهد الانتخابي الأوروبي تربع الأحزاب التقليدية على الحكم على المحك.

لكن، لماذا صوت اليونانيون، من دون منحه الأغلبية، لحزب لميف بوعوده؟ يمكن أن نلخص الإجابة بالقول إنهم صوتوا للحزب الأقل سوءاً، فهم يعتقدون أنه الحزب الوحيد الذي سيتفاوض مع الاتحاد الأوروبي، للتخفيف من وطأة الاتفاق والأزمة، بالنظر لقناعاته الإيديولوجية. وعليه، هو سَيُطَالِب بتنازلاتٍ مقابل رضوخه للمطالب الأوروبية. أما الأحزاب الأخرى، لاسيما حزب المحافظين، فهو أصلاً مقتنع أيديولوجياً بوصفة العلاج التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان.

لم تكن الأحزاب التقليدية الحاكمة في الدول الأوروبية ومؤسسات الاتحاد تتوقع انتصار "سيريزا"، بل كانت تنتظر هزيمته، لتتنفس الصعداء، ولتطوي صفحة هذا الحزب المراجع للأيديولوجية الليبرالية، في زمن البقرات العجاف، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تحولت إلى أصولية ليبرالية. لكن، تجري الرياح اليونانية بما لا تشتهي السفن الاتحادية الأوروبية، فعلى الدول النافذة، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، التعامل مجدداً مع حزب راديكالي يساري، ذي شرعية متجددة. وسيجد الطرفان، "سيريزا" والاتحاد الأوروبي، نفسهما في جولات تفاوضية جديدة ومتعبة، يراهن فيها كل طرف على فرصه، لفرض تصوره على الطرف الآخر. يراهن "سيريزا" على عكس المسار الحالي، بالعدول عن سياسة التقشف، لأنها تقود بالضرورة حسبه إلى طريق مسدود، لتحل محلها سياسة دعم النمو. وتسانده، في هذا التوجه والمسعى، قطاعات واسعة من اليسارين، التقليدي والراديكالي الأوروبيين، حيث يراهن هؤلاء على قدرة "سيريزا" على تغيير وجهة أوروبا وإثبات أن أوروبا أخرى ممكنة، وأن التقشف ليس محتوماً للخروج من الأزمة، وإطلاق عجلة النمو مجدداً.

تلعب الشرعية السياسية المتجددة لحزب سيريزا دوراً أساسياً في هذه المواجهة الإيديولوجية على مستوى الاتحاد الأوروبي، فهو الحزب الذي وقع على اتفاق تقشف مكرهاً، وهو أيضاً من حاز على الشرعية مجدداً، لأداء مهمة في غاية التعقيد: التخفيف من وطـأة هذا الاتفاق. بعبارة أخرى، الالتفاف على بعض جوانبه، والحصول على مزيد من الدعم من أوروبا، خصوصاً أنه يعلم أن انهيار اليونان اقتصادياً يشكل كابوساً لمنطقة اليورو خصوصاً، والاتحاد الأوروبي عموماً. ومن ثم، فالمصالح المتبادلة، وكل طرف يحاول تغليب الكفة لصالحه، ولو إلى حين، حتى تمر السحابة المالية والاقتصادية بسلام. أي أن هناك حداً أدنى من العقلانية في سلوك الطرفين، لا يتجرأ أي منهما على تجازوه، خوفاً من انهيار العمران الأوروبي، أو على الأقل، اهتزازه بشكل يطيل من عمر الأزمة. وعليه، ستتواصل المواجهة بين تصورين لأوروبا؛ بين الاتحاد الأوروبي ودوله النافذة من جهة ويونان "سيريزا"، وإن كانت أوراق الطرف الأول أقوى وأثقل بكثير من أوراق الطرف الثاني. في انتظار استحقاقات انتخابية قادمة في دول أوروبية، قد تقود إلى تغيير المشهد الاتحادي من أسفل.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر