الراصد القديم

2015/11/01

اضحكوا مع السياسيين لهذه الأسباب لم ندفع الفاتورة


راجانا حمية

ذات صيف، أقفل وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر أبواب بيته البيروتي، حسبما يروي، ولجأ إلى بيت الضيعة، مصطافاً... وباحثاً عن «المفاتيح» التي ستأتيه بالأصوات التي ستحمله إلى مقعده النيابي. حدث ذلك عام 1996، في أول موسم نيابي لزعيتر. يومذاك، فتح المرشّح «عزبته» لقاصديه، مستمعاً إلى همومهم ومطالبهم.

في ذلك الوقت الذي كان فيه «البيك»، كما يناديه أبناء الضيعة هناك، يغدق خدماته، كان عدّاد الكهرباء في المنزل البيروتي يكمل عمله. يحتسب «الكيلواط» المصروفة، التي بلغت قيمتها أحد عشر مليون ليرة. لم يسدّدها النائب ــ الفائز بثلاث دورات انتخابية وتمديد ــ بل تركها معلّقة في فاتورة. لا لأنه لا يملك المال، بل لأنه «صاحب حصانة»، كما بقية غيره، منهم عاصم قانصو وعبد اللطيف الزين وكريم الراسي وناصر قنديل (مع حفظ الألقاب) وآخرون لا تزال أسماؤهم طيّ الكتمان.

خمسة عشر عاماً، و«الفواتير» بلا حساب. لم يدفعها هؤلاء. بقيت كذلك، حتى تسلّم المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم لائحة تضمّ أسماء ثلاثة عشر سياسياً لم يسدّدوا فواتير الكهرباء، تعود بمعظمها إلى ما قبل العام 2001. كان يمكن أن تبقى هذه الفواتير معلّقة لو لم يطلب القاضي ابراهيم من مؤسسة كهرباء لبنان قطع التيار الكهربائي عن منازل المعنيين، مستنداً إلى «الإخبار» الذي تقدّم به وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس بشأن الهدر الحاصل في مؤسسة كهرباء لبنان وسرقة الأموال العامة. يومها، طلب ابراهيم من المؤسسة مجموعة من الاستفسارات، «من بينها لائحة بأسماء المتخلّفين عن الدفع»، بحسب ما تشير مصادر المؤسسة.
هذا الإخبار كانت نتيجته لائحتين من المتخلفين حتى الآن. الدفعة الأولى تضمّ ثلاثة عشر سياسياً (قيمة فواتيرهم غير المسددة تقدّر بنحو مليار و200 مليون ليرة)، فيما تضمّ الثانية ستة وعشرين سياسياً وحوالى ستة وثلاثين «رئيس بلدية وفاعليات ومنتجعات سياحية وشركات تجارية وعقارية ومصارف»، بحسب المؤسسة أيضاً.

تسعة وثلاثون سياسياً، إذاً في اللائحتين. لا يهمّ إن كانت ثمة دفعة ثالثة ورابعة. المهم الآن، هو الإجابة عن السؤال: ما الذي حصل لتحمل ذمّة هؤلاء مالاً عاماً؟ يبدو أن لا أحد يملك جرأة الجواب، فمؤسسة كهرباء لبنان تتحفّظ عن الإجابة، لأن المتخلفين يتمتعون بحصانة تحميهم من المحاسبة. هذه المؤسسة هي نفسها التي تقطع التيار عن منازل الفقراء، بمخالفة أو من دونها.

أما الآن، وقد تسرّبت بعض الأسماء، بات السؤال مغرياً لمعرفة من الذي سدّد فاتورته منهم، وما كانت أسباب التخلّف عن السداد. المضحك هنا أن لا أحد من السياسيين الذين تحدّثنا إليهم اعترف بديونه، فيما أبدى البعض دهشته، سائلاً «أنا؟ مش مظبوط هالحكي. ما معي خبر». أما من اعترف، فقد تصرّف على قاعدة «إنو هاي القصة صار إلها زمان» (لربما اعتقد أنها تسقط بالتقادم)، على أنه يؤكّد أن ذمّته «نضيفة»، مع إضافة «بتحداكي إذا عليي شي لمؤسسة الكهرباء». لكن، متى أصبحت هذه الذمّة بيضاء؟ قبل استدعاء النائب العام المالي أم بعده؟

قبل أن نبدأ بحكايا المخالفين «الظرفاء»، يمكن حسم أمر اللائحة الأولى التي تضم ثلاثة عشر سياسياً «مكسورين» على فاتورة الكهرباء، استناداً إلى مصادر قضائية. فقد اعتبرت الأخيرة أن اثني عشر سياسياً دفعوا مستحقاتهم للمؤسسة بعد الاستدعاء. فيما بقي سياسي واحد، وهو النائب عاصم قانصو صاحب الفاتورة الأشهر، الذي «طلب مهلة لتسوية ملفه». أما اللائحة الثانية، فلم «يحن دورها بعد ولم يدفع أحد بعد»، وإن كان القاضي ابراهيم يتخوّف من «قصة الحصانة». يعني ماذا لو لم يدفع أحد المخالفين، وهو نائب، كيف سيتصرّف القاضي حينها في ظل وجود الحصانة؟

أطرف تعليق كان عندما سألنا النائب عبد اللطيف الزين، صاحب فاتورة الـ«21 مليون ليرة»، عما إذا كان قد سدّد أم لا، فكان جوابه «مين أنا؟ عبد اللطيف الزين عليي لمؤسسة الكهربا؟ ما معي خبر. وأصلاً لا استحقاق للمؤسسة عليّ». أما النائب كامل الرفاعي، فقد كان جوابه جاهزاً بسرعة البرق، فلم يكد السؤال ينتهي حتى بادر بالقول «أنا محمد كامل محمد الرفاعي، والفاتورة هي باسم محمد علي محمد الرفاعي، اسألوا مؤسسة الكهرباء عن هذا اللغط».

من جهته، بادر النائب عاصم قانصو إلى تصحيح قيمة الفاتورة. يعني «مش 671 مليون ليرة، إنما 276 مليون ليرة، وعامل مخالصات من إيام عبدالله معوّض (مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان سابقاً)». يستغرب وجود اسمه في اللائحة، وخصوصاً في «ظلّ وجود الشيكات اللي دافعهن»، وهو يعتزم «رفع دعوى على المؤسسة». وأكثر ما يضحك صاحب الملايين أن هناك «فاتورة قيمتها 51 مليون ليرة، من وقت ما شفتها وبسأل حالي إذا كاين عندي مصنع نووي وناسي أمرو».

أما الوزير غازي زعيتر، فقد دفع مبلغ الـ11 مليون ليرة «من زمان، وخصوصاً أنها قصة قديمة من إيام انتخابات العام 1996». وإذ ينفي الوزير أن يكون قد دفع «الآن»، إلا أنه لا يزال مستغرباً قيمة الفاتورة عن ثلاثة أشهرٍ فقط، مرجّحاً أن يكون البعض «علّق على الخط» في حينها.

بالنسبة للنائب السابق ناصر قنديل، فقد دسّ اسمه «بالغلط»، فالمبلغ المتراكم «هو بحق شخص كان قد استأجر بيتي، وهي فواتير قديمة وقد سوّينا الأمور... ويطعمكن الحج والناس راجعة».

تبقى قصّة النائب محمد قباني، وهي التي تتعلّق بقصة المستأجر الشهير في أرضه والذي تظاهر إحدى المرات بالموت، من أجل التخلّص من الفاتورة العالية القيمة. وهي القصة التي تخللها رفع قضايا والتي انتهت منذ فترة طويلة، بحسب قوله، «من دون ما إدفع ولا قرش لأنو ما عليي شي». ويعتبر قباني أن إيراد اسمه في اللائحة «مش مظبوط»، وهو فعل مؤامرة. دسّوا اسمه لأنه يستلم لجنة الأشغال العامة والطاقة النيابية. مع ذلك، «رح ضلني راقب». ولئن لم يكن اسم النائب قباني قد ورد فعلاً في اللائحة، إلا أن من المفيد الإشارة إلى أنه دفع ما في ذمته قبل شهرٍ واحدٍ فقط. أي أنه بقي خمسة عشر عاماً، مستلقياً على «حصانته»، ولم يدفع مستحقاته إلا عندما «هفّت الريحة».

هؤلاء كانوا مجموعة من السياسيين الذين تمكنت «الأخبار» من التحدّث إليهم، فيما لم تستطع التحدّث إلى البقية، لتعذّر الاتصال ببعضهم ولعدم التمكن من الحصول على أسماء أخرى، وتحديداً من اللائحة الثانية. مع ذلك، يبقى هؤلاء مديونين للدولة أولاً، ومخالفين ثانياً، مهما بقيت أسماؤهم مكتومة في ورقة النائب العام المالي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر