الراصد القديم

2015/11/30

مستقبل التعليم الجامعي في لبنان والعالم العربي


أسعد أبو خليل

من النتائج العديدة للعولمة بأشكالها كافة تعميم المعايير والقيم والمفاهيم. والعولمة أخلاقيّة بمعنى أن أخلاق الرأسماليّة العالميّة الرثّة تُعمَّم بالقوّة المسلّحة والدبلوماسيّة والتضليل في كل بلاد العالم خصوصاً في تلك البلاد التي لا تؤمن بالحدود أمام الغزوات الغربيّة. وهذا التعميم يسمح بِـ - أو يحتّم - الترحيب بالبضائع والمصالح الاقتصاديّة الغربيّة ولو على حساب المصالح الاقتصاديّة المحليّة. وتعميم أخلاقيّات الرأسماليّة العالميّة يجري أيضاً عبر مصارف عالميّة ومؤسّسات نقديّة وتسليفيّة دوليّة.

وسن القوانين في الدول النامية يُفرض غالباً من قبل السفارات الأميركيّة لضمان المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة الأميركيّة (ليست الحرب على «القرصنة» - وهي في صالح الشعوب الفقيرة - والحرب على المخدّرات إلّا مشاريع أميركيّة لا تمت بصلة إلى مصالح الشعوب العربيّة والشعوب الفقيرة حول العالم). ومن جوانب العولمة تعميم التعليم الجامعي الغربي - في أنساقه التجاريّة الربحيّة السيّئة - في بلادنا.

لم يكن التعليم الجامعي في بلادنا يستهدف العامّة. كان منذ البداية يستهدف النخبة الطبقيّة في البلاد. والتعلم الجامعي في لبنان مثلاً بدأ بأهداف تبشيريّة محضة. من يراجع كتابات المُبشّرين الأميركيّين الأوائل يتيقّن ان الأهداف والمقاصد لم تكن تعليميّة أبداً، بل انصبّت حول ضرورة تنصير المُسلمين في لبنان (حاربت المؤسّسة الثقافيّة اللبنانيّة كتاب «التبشير والاستعمار في البلاد العربيّة» لمصطفى خالدي وعمر فرّوخ لما تضمّنه الكتاب من معلومات في هذا الصدد — على علاّت الكتاب). لكن أهداف التبشير لم تُطمَس إلا بعد ان لاقى التبشير المسيحي في بلادنا فشلاً ذريعاً: نجح التبشير المسيحي الأميركي في تحويل موارنة إلى بروتستانت أكثر من نجاحهم في تنصير مسلمين: وكتاب واحد من مؤسّسي الجامعة الأميركيّة في بيروت، هنري جيسب، بعنوان «غروب الهلال وصعود الصليب» المنشور (بالإنكليزيّة فقط طبعاً) في عام ١٨٩٨ يفضح النوايا الحقيقيّة لهؤلاء المُبشّرين التي لا تزال شوارع رأس بيروت (وأبنية الجامعة الأميركيّة) تزخر بأسمائهم. الصراع كان عند هؤلاء هو صراع بين الخير والشرّ، الإسلام كان هو الشرّ. كما أن جيسب هذا نشر كتاباً لاقى رواجاً بين المبشّرين حينها وبعدها بعنوان: «كامل: مُسلم تنصّر». هو يصف قضيّة كامل عيتاني اللبناني الذي نجح المُبشّرون في تنصيره. (كان كامل هذا، التي لا تزال قصته غير معروفة، يرجو المُبشّرين في رسائله الذليلة لهم - وكان يبدأ الرسائل وينهيها بتقبيل أيديهم تقديراً منه لخدماتهم له بإنقاذه من الضلال الإسلامي - بتخفيف الضغط عليه إذ كانوا يطلبون منه ان يقصد المقاهي الشعبيّة في شهر رمضان للتبشير بالمسيحيّة. ويزعم جيسب من دون إعطاء دليل أنه مات مسموماً. لكن التعصّب الطائفي البغيض لجيسب يبرز أكثر في كتابه عن «وضع المرأة المسلمة»).

ولم يكن تأخير إنشاء الجامعة اللبنانيّة حتى الخمسينيات إلّا هدفاً مقصوداً من النخبة الطائفيّة الحاكمة التي حاربت تعميم التعليم بين الطوائف والطبقات كافّة، وبقي حزب الكتائب حتى السيتنيات يحارب بقوّة لمنع معادلة شهادة «التوجيهيّة» بالشهادة اللبنانيّة كي لا تزداد نسبة التعلّم بين المسلمين والمسلمات. وانتشار التعليم الجامعي المُتخصّص في جنوب لبنان والبقاع والجبل والشوف كان بفضل المنح التعليميّة من الدول الاشتراكيّة لا بفضل الدولة اللبنانيّة. لكن تعميم ما يُسمّى غرباً بـ»التعليم الجماهيري» (أي تحرير التعليم من سيطرة طبقة الأثرياء) لم يحصل إلّا بعد وصول النظم الاشتراكيّة إلى السلطة (ومسألة تسلّط تلك النظم مسألة أخرى هنا، كأن النظم الرجعيّة الملكيّة والأميريّة كانت ولا تزال عنوان الديمقراطيّة والصلاح). وفكرة تعميم التعليم التي أطلقها النظام الناصري قضت على احتكار التعليم من قبل عائلات النخبة في جامعة القاهرة. لا بل ان النظام الناصري أنشأ الجامعة العربيّة في بيروت التي كان يمكن لها، لو لم تحارب انظمة الخليج الرجعيّة كل أشكال الفكر التقدّمي والوحدوي العربي، ان تكون نموذجاً لفكرة الجامعة في العالم العربي: جامعة مركزيّة مع فروع تخصيصيّة قُطريّة تتكيّف مع الشروط الاقتصاديّة والنفعيّة لكل بلد عربي على ان تتكامل معاً. لكن فكر التأميم (أي تعميم المنافع الاقتصاديّة خارج النطاق الضيّق للطبقة السائدة ولدول الغرب) حورب على نطاق عالمي، كما ان مخابرات الدول الغربيّة شاركت مبكّراً في تقويض فكر التأميم قبل تأميم قناة السويس وبعدها. لكن الفساد الذي عمّ في النظم البعثيّة القمعيّة والتطبيق الاعتباطي للفكر الاشتراكي أفسد في أذهان العامّة فهم طبيعة الفكر الاشتراكي في بعض الدول الديمقراطيّة (مثل الدول الاسكندنافيّة حيث يعمّ التعليم الرسمي لا الخاص). لكن فكرة التعليم الرسمي لم تلقَ دعماً حقيقيّاً من معظم الدول العربيّة كما ان الدول الغربيّة تحرص حتى الساعة على تمويل المدارس والجامعات الخاصّة في البلدان العربيّة (لا تزال مدرسة «آي. سي» النخبويّة الطبقيّة في بيروت تتلقّى - وفق آخر بيان مالي منها - تمويلاً من الاتحاد الأوروبي والحكومة الأميركيّة ومن وليد جنبلاط ونادر الحريري ونجيب ميقاتي وعصام فارس، كما ان رفيق الحريري الذي درس في الجامعة العربيّة في بيروت أغدق الملايين من الدولات على الجامعة الأميركيّة في بيروت وعلى جامعة جورجتاون (الخاصّة)، والأخيرة كافأته بقبول ابنه سعد فيها).

لكن التعليم الجامعي يواجه أخطاراً جديدة. فقد برزت في أواخر القرن العشرين في أميركا وفي غيرها من دول الغرب ما يُسمّى بالجامعات ذات الهدف الربحي، او الجامعات الربحيّة (وهي تتميّز عن الجامعات التقليديّة، الرسميّة والخاصّة، التي لا تسعى إلى الربح). ومن أشهر تلك الجامعات «جامعة فينيكس» في الولايات المتحدة، وهذه الجامعات هي خارج نطاق الجامعات الأكاديميّة التي ترتبط بمواثيق ومعايير تنظم عملها وتُخضعه لحسابات وكشوفات ومراقبة وتدقيق دوري، وهي تتخصّص بشهادات في اختصاصات جذّابة، مثل الكومبيوتر وإن لم يكن حامل الشهادة متحضّراً أو متخصّصاً بالفعل. لكن الجامعات الخاصة ذات الهدف الربحي تنتشر في بلادنا، لا بل في لبنان ليس هناك من تمييز بين جامعات الهدف الربحي والجامعات التقليديّة الخاصّة لا بل ان فكرة «الجامعة الخاصّة»، تحمل عنوان الربح في بلادنا، ولا تخضع بالضرورة لروابط أكاديميّة إقليميّة أو عالميّة ذات معايير وضوابط مفروضة.
ومثل «جامعة فينيكس»، تنتشر جامعات خاصّة في مختلف الأنحاء في لبنان، وهي تكون عبارة عن منزل أو شقّة في مبنى أو مبنى في حالات توافر تمويل سخي. وقد زاد عدد الجامعات الخاصّة إلى أكثر من أربعين في غضون عقديْن من الزمن فقط، في مرحلة الحريريّة المُتوحّشة (وباتفاق بين ضفتيْ الحكم كي يعمّ الربح على كل كل قادة الطوائف). وفي العالم العربي زادت نسبة الجامعات الخاصّة بأكثر من عشرة مرّات في العقديْن الماضيّين إلى أكثر من ٤٠٠ جامعة خاصّة. لكن ما هي مشكلة هذا النوع من الجامعات؟ المشكلة ان الهدف هو غير تعليمي، مثل ان تملك شركات تجاريّة وأنظمة وسائل إعلام. وعندما تسعى جامعة إلى الربح فإن المعايير الأكاديميّة تنتفي أو تضمحلّ، أو تصبح غير ذات شأن. وفلتان إطلاق الجامعات الخاصّة جزء من ثقافة «الانفتاح» الساداتيّة التي عمّت العالم العربي في الحقبة السعوديّة، والتي قوّضت كل دعائم ثقافة دعم الفقراء ومساعدتهم. وبريق التعليم الخاص والاتصال الخاص والخصخصة (أو «تحرير» الاقتصاد بلغة فؤاد السنيورة الصفيقة والتي تتعامل مع رأسماليّة الرعاية الاجتماعيّة على أنها أثقال تعيق الطبقة الحاكمة - أو «الشعب»، لأن الرأسماليّة تساوي بين مصلحة الطبقة الثريّة الحاكمة ومصلحة «الشعب» التي تنطق باسمه رغماً عن أنفه، وتقنعه ان قمعه وإفقاره في صالحه، وبعضه يصدّق ذلك كما نرى في ظاهرة الحريريّة في لبنان) جزء من الثقافة المُهيمِنة.

والتجربة الأميركيّة مع الجامعات الربحيّة ذات دلالة تفيد العالم العربي. المشكلة تكمن في سعي البعض إلى شهادة بصرف النظر عن مضمونها. وكانت أميركا وإسبانيا مُصدّرتين لشهادات البيْع بالمراسلة مقابل مبلغ من المال، والماجستير أرخص من الدكتوراه والدكتوراه أغلى ثمناً من الماجستير (ويحمل إلياس الرحباني وعدد من ساسة لبنان بعضاً من هذه الشهادات ذات القيمة الفارغة). لكن أميركا تنبّهت متأخرّة إلى ظاهرة تصدير الشهادات مقابل أثمان ماليّة فأغلقتها لكن عدداً منها لا يزال يعمل في إسبانيا وعدد من دول أوروبا. أما ظاهرة الجامعات الربحيّة فقد تفلّتت في أواخر القرن الماضي، ولم تتنبه أجهزة الرقابة الحكوميّة إلى ضرورة دراسة ظاهرة هذه الجامعات إلاّ مؤخّراً لتشديد الرقابة الماليّة (فقط) على أعمالها. وتتفق دراسة الجامعات الربحيّة على أمور عدة: أن الطلاّب يراكمون قروضاً دراسيّة (وهي متوفّرة هنا وغير متوفّرة في معظم البلدان العربيّة، وهي تدعم الدراسة الخاصّة لكنها باتت ضروريّة أيضاً في حالات الدراسة في الجامعات الحكوميّة - مثل كل فروع جامعات كاليفورنيا في حلقاتها الثلاث، أي، الكليّات الابتدائيّة، والجامعات ثم جامعات الأبحاث التي تحتوي على كل شهادات الدكتوراه). وتراكم القروض الدراسيّة يصيب كل الطلاب لكن الطلاّب المتخرّجين من الجامعات الربحيّة أقل قدرة على سداد قروضهم من خريجي الجامعات الأخرى لأن فرص أعمالهم المستقبليّة أضعف وأقل. كما ان نسبة البطالة بين خرّيجي هذه الجامعات أعلى من خرّيجي باقي الجامعات، وقدرة (أو رغبة) خرّيجي الجامعات الربحيّة على خوض مجال الدراسات الجامعيّة العليا هو أقل من باقي الخرّيجين والخريّجات.
وهذا النوع من الجامعات هو واحد من اخطر الجامعات الخاصّة. وهي خلافاً للجامعات الأكاديميّة لا تحتاج إلى ضبط معايير (من نوع نسبة حملة الدكتوراه — ونوعيّتها — بين الأساتذة وحجم المكتبة ونسبة الأساتذة إلى الطلبة ونوع وتنوّع الشهادات وطريقة التعليم واختيار الأساتذة وتنوّع الاختصاصات وإدارة الجامعة والعلاقة بين الإدارة وبين الهيئة التعليميّة والعلاقة بين الطلبة والأساتذة وطرق ووسائل تقييم الطلبة، الخ). وهذا النوع من الجامعات هو أقرب إلى الدكاكين التي تبيع شهادات لا تستحق اسعارها. وفي لبنان والبلدان العربيّة نفتقر إلى القروض المُيسّرة المتوّفرة للطلبة هنا (لمساعدتهم في تحصيل العلم في الجامعات الخاصّة في زمن كان فيه التعليم مجانيّاً بحق — كما هو في أوروبا حيث تكون الرسوم الجامعيّة في الجامعات الرسميّة رمزيّة فيما هي بآلاف الدولارات في فروع جامعة كاليفورنيا حيث يُفترض ان يكون التعليم فيه مجانيّاً، ما يدفع الطلبة إلى الحصول على قروض وعلى وظيفة في آن ما يزيد من الحظوة الطبقيّة للميسورين الذين لا يحتاجون إلى قروض أو وظائف ما يساعد في حصولهم على علامات أعلى، وهي ضروريّة في الدراسات العليا أو الاختصاصيّة في المرحلة التي تتعدّى مرحلة البكالوريوس).

وفي غياب القروض المُيسّرة، فإن العائلات في بلادنا تتولّى تحمّل أعباء نفقات دراسة الأولاد الجامعيّة، وفي الاستثمار في هذا النوع من الجامعات إهدار لأموال عائلات غير ميسورة. في السبعينيات والثمانينيات كانت العائلات في الجنوب اللبناني تبيع أراضي من أجل سداد نفقات تعليم الأولاد في مهن الطب والهندسة لطلاب من عائلات مزارعة فقيرة، وكانت فرص التعلّم في هذه الاختصاصات في لبنان من دون منح من المستحيلات. لهذا، فإن النسيج الاجتماعي في الجنوب اللبناني وفي البقاع والشمال تأثّر وتغيّر بسبب المنح الجامعيّة في الدول الاشتراكيّة. (والطريف ان بعض خرّيجي هذه الجامعات من ناكري فضل الاشتراكيّة على حياتهم بات من أنصار اليمينيّة الحريريّة).

ولا تتغيّر الظاهرة في دول الخليج. على العكس. هناك طفرة في ظهور الجامعات الخاصّة، ومنها مَن يكتسب صفة «الجامعة الأميركيّة»، تشبّهاً بالجامعتيْن بالاسم نفسه في القاهرة وبيروت ولأن الصفة الأميركيّة تُعتبر باهرة. لكن الجامعة الأميركيّة في العراق (في السليمانيّة) هي مثل ساطع: تأسّست عام ٢٠٠٧ بقرار من الإدارة الأميركيّة كي تتعامل مع مترتّبات الاحتلال الأميركي وضمّ مجلس إدارتها صهاينة اميركا من شلّة المحافظين الجدد (من فؤاد عجمي إلى بول وولفويتز إلى دوف زاخيم إلى كنعان مكيّة) وترأسها برهم صالح. ويتحف الخرّيجين كل سنة أمثال توماس فريدمان وأمثاله، كما ان حليف بوش يديرها فعليّاً (تم نشر مقالات في الإعلام الأميركي عن الإدارة السياسيّة للجامعة وعن الفساد فيها). هذه من جملة الدكاكين التي تُشرف الحكومة الأميركيّة على مناهجها الدراسيّة. لن تجد تدريساً للفكر الشيوعي او اليساري في الجامعة، أو فكر الثورات (إلّا بتعريف وكالة التنمية الأميركيّة). والاستعانة بالخبرات الأميركيّة في تصميم المناهج والجامعات باتت سياسة متّبعة في دول الخليج (تُشرف شركة «راند» على تغيير كل المناهج الدراسيّة في قطر، مع ان لا عهد للشركة بموضوع المناهج في الدول العربيّة).

وهناك ظاهرة ما يُسمّى بفروع الجامعات الأميركيّة والفرنسيّة والبريطانيّة في دول الخليج، وهي تدرّ أموالاً هائلة على الجامعات تلك، وتزيد من التبرّعات الماليّة لفروع الجامعة الأم من طغاة النفط والغاز. لكن الشهادة من فرع جامعة نيويورك في أبو ظبي لا تعادل بتاتاً الشهادة من الجامعة الأم لأن المتطلّبات الأكاديميّة والإعداد ليست نفسها، كما ان الحصص الدراسيّة تأخذ في عين الاعتبار حساسيّة الطغيان في دول الخليج (تعرّض زميل أميركي للطرد لأن محاضراً زائراً دعاه، وجّه نقداً لأنظمة القمع الإقليميّة).
والحصص الدراسيّة لا تأخذ في عين الاعتبار ضرورة توافر شروط من حريّة التعبير الأكاديمي الذي لم يعد منه مناص في التعليم الجامعي في القرن الواحد والعشرين. كما ان دول الخليج غير جادّة في دعم التعليم الجامعي الرسمي: إذ انها تشجّع على افتتاح الإعلام الخاص (خصوصاً إذا كان ذا أسماء غربيّة) وتموّل دراسة الطلاّب في الغرب تلبية لحاجات الجامعات الغربيّة الماليّة.
أما في لبنان فهناك الآفة الطائفيّة التي تولّد جامعات على عدد الطوائف من دون أي تنسيق أو مركزيّة في الترخيص للجامعات التجاريّة والطائفيّة. ولكل طائفة جامعة في لبنان ومن دون توفّر حد أدنى من الرقابة على مستوى التعليم. في لبنان كل مذيع أخبار ومُقدَّم برامج أصبح أستاذاً في هذه الجامعة أو تلك، وهذا لا يوفّر المضمون الضروري لشهادة في الإعلام. إن نقل تجربة برامج الحوار السياسي الفاسدة إلى مقاعد الجامعة يضمن إعداداً مُفسداً للطلبة. وقد انضمّت حركة أمل وحزب الله مؤخراً إلى جوقة الجامعات الطائفيّة. لكن ماذا يعرف حزب الله عن إنشاء الجامعات وشروطه؟ هل يفرّق الحزب بين الحوزة الدينيّة وبين الجامعة؟ هل سيحصل الطالب والطالبة على مستوى تعليم اكاديمي؟ كيف ستُدار الدراسات الإسلاميّة في الجامعة؟ هل ستكون على شاكلة الدراسات الإسلاميّة في دول الخليج حيث تنحصر الأطروحات الجامعيّة في «تحقيق» مخطوطات (لا يتوفّر فيها شروط التحقيق العلمي المُتعارف عليه)؟ هل ستسمح الجامعة بحد من النقد في دراسة الدين والنصوص الإسلاميّة ام ان كل ذلك من المحرّمات؟ كيف ستتعاطى الجامعة مع الأديان الأخرى؟ إن تجربة الجامعة اليسوعيّة وجامعة الروح القدس- الكسليك في التعاطي مع الأمور الإسلاميّة وفي إنتاج الاستشراق الغربي المسيحي التقليدي لا يبشّر بالخير عن تجربة الجامعات الطائفيّة. لا، يجب ان يخرج التعليم الجامعي من أيدي كل أحزاب الطوائف وحتى الأحزاب السياسيّة لأن التعليم يحتاج إلى اختصاص. ولماذا لا تعمد كل هذه الأحزاب إلى توفير أموالها لدعم الجامعة اللبنانيّة وإصلاحها وتحريرها (ليس على طريقة السنيورة ومروان حمادة في «تحرير الرغيف» - من فم الفقير) من سيطرة زعماء الطوائف والمحسوبيّة وسيطرة مجلس الوزراء على تعيين الأساتذة والعمداء كان مجلس الوزراء اللبناني هو مجمع أكاديمي وفيه مَن تعصى عليه القراءة.

لقد تحوّل التعليم الجامعي إلى «بزنس»، وأصبح إنشاء الجامعات مثل إنشاء الشركات التجاريّة، وعبد الرحيم مراد الذي انضمّ إلى «بزنس» الجامعات طار إلى المملكة السعوديّة - ربما لافتتاح فرع لجامعته هناك، بعد ان سرّها تضامنه معها في عدوانها على اليمن. وكما ان زعماء الطوائف أنشأوا لأنفسهم فضائيّات خاصّة تصدح بدعايتهم، فسيكون لكل منهم جامعة خاصّة به تعجّ إدارتها بالأصحاب والأقارب. وأنظمة النفط تستجلب أسماء — لا مضامين — جامعات الغرب التي تتعامل مع افتتاح فروع رمزيّة لها في دول الخليج كاستثمار مالي مربح ولو على حساب الحريّات الأكاديميّة التي تتشدّق بها في المواسم.

إن التعامل مع أزمة البطالة الشبابيّة التي تزداد في العالم العربي بنسب تفوق بلدان اخرى في العالم، يتطلّب سياسة جامعيّة موَحِّدة وموحَّدَة على نطاق العالم العربي. لكن القطريّة والتجزئة والشرذمة هي السياسة الرسميّة لدول الغرب ودول الخليج. كان يمكن لفكرة الجامعة العربيّة الموّحدة بفروع متعدّدة في الأقطار العربيّة (كما فكرة الجامعة العربيّة في بيروت الرائدة)، ووفق اختصاصات تتلاءم مع ظروف كل منطقة عربيّة ان تساهم في حل مشاكل اقتصاديّة وفي بلورة ثقافة جامعة. لكن هذا عصر الإلحاق والعولمة، ومن وظائفها الأساسيّة محاربة كل ما يخدم العالم العربي وشعوبه. وكما ان الوجبات السريعة تغزو أمعاءنا وتضرّ بصحتنا فإن الجامعات السريعة تغزو تعليمنا وتضرّ بعقولنا. إنها «عاصفة الحزم» التعليميّة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر