الراصد القديم

2015/11/30

البقية في ثورتكم


عبد الحليم قنديل
 
"ليس هذا نعيا للثورة، فالثورات لا تموت، والثورات الشعبية قد تتوه، لكنها لا تضيع أبدا، ودراما الثورات تنطوى على انتكاسات ونجاحات، وفي اللحظة التي يظن فيها أعداء الثورة أنها ماتت، تفاجئهم من جديد، وتقوم كالعنقاء من رماد الموت المخادع، وتعيد بناء جيشها القادر على العبور من النكسة إلى النصر".


وقد يتصور البعض أن الثورة المصرية ماتت مع انتخاب البرلمان الجديد، وهو برلمان يستحق أحط الأوصاف، فهو برلمان العار بامتياز، وبرلمان الفلول من الفرز الثالث، وقد توقعنا تشكيله المزري بالحرف والفاصلة والنقطة، وقبل أن تجرى الانتخابات الأخيرة بشهور طويلة، تماما كما توقعنا خلع مبارك قبل الثورة بسنوات، وكما توقعنا خلع حكم الإخوان بثورة شعبية، ولم نكن ـ في كل الأحوال ـ نقرأ الرمل ولا نضرب الودع، ولا تصدر عن رغبة في التفكير بالأماني، بل كنا نعايش الثورة منذ كانت جنينا، وفكرة نضعها فوق السطور، وخاطرا وخيالا واحتمالا ثم حلما تحقق، ولم نبال أبدا، لا بكلام العقول الصغيرة، ولا بضغوط المصالح الكبيرة، بل كنا نتسمع بإخلاص لنبض هذا البلد، و«نخاوي» مصر الحزينة في سكراتها وصبواتها وأشواقها وقدراتها الجبارة المكبوتة، ولم نركن في أي وقت إلى تفاؤل ساذج، ولا إلى تشاؤم يهد الحيل و«يقطع الخلف»، بل كنا ـ ولا نزال ـ نثق في انتصار قضية الثورة، وكنا نعرف في ما كتبنا نصا وفصا قبل الثورة، وتبشيرا بها ودعوة إليها، أن خلع مبارك لا يعني خلع نظامه على الفور، وأن القصة سوف تتوالى فصولها، وأن معاناة الثورة سوف تتصل لسنوات، وعلى طريقة «إيزيس» التي تجمع أشلاء «أوزوريس» في الأسطورة المصرية القديمة، ولسبب موضوعي غاية في البساطة، وهو أن الثورة ولدت بغير قيادة مطابقة، وبغير حزب سياسي مستعد، يقدر على نقلها من الميدان إلى البرلمان وسلطة الحكم.

ولم يكن ممكنا أن تولد الثورة على غير هذه الهيئة الفريدة، فنحن لا نشترى الثورات من «السوبر ماركت»، وكل ثورة هى بنت مجتمعها وأحواله، وقد تعرض المجتمع المصري لعملية تجريف وتحطيم شاملة عبر أربعين سنة تلت حرب أكتوبر 1973، والمجتمع الذي نعنيه هنا ليس السكان، فقد ظلت مصر تتضخم عدديا، إلى أن شارفت الآن على مئة مليون نسمة، لكن السكان لا يتحولون إلى مجتمع بغير مبدأ التنظيم وتوزيع الطبقات والفئات وتعارض المصالح، و»لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض»، وقد كانت مصر مجتمعا حقيقيا قبل حرب أكتوبر، ولعبت حركة التصنيع السريع في الخمسينيات والستينيات دورها.

وخلقت مجتمعا منتجا عاملا ومهنيا متطورا، كان يعاني من الاختناقات الأمنية ويتمرد عليها، وعلى نحو ما دلت عليه مظاهرات طلاب الجامعات بمئات الألوف، التي تدفقت إلى الشارع من عام 1968 إلى انتفاضة يناير 1977، وكانت الأخيرة آخر آهة غضب جماعي للمصريين، إلى أن قامت الثورة المتصلة فصولها وصنوف معاناتها، فقد جرى تفكيك التعبئة العامة بعد الحرب، وداس الذين «هبروا» فوق دم الذين «عبروا»، وبدأت عملية تفكيك الدولة والمجــــتمع معا، تفـــــكك بدن الدولة بإيدز انفتاح «السداح مداح»، وبإطلاق أوسع موجة نهب للموارد، وتصفـــية القـــلاع الإنتاجية الكبرى، وظل جسد الدولة يتضخم مرضـــيا، ولكن مع فقدان عمودها الفقري، وتفــشي الفساد الذي أكل حيويــــتها، وسهل خضوعـــها لدورة جديدة من الاحتلال الأجنــبي، عبر دار المندوب السامي «الأمريكي» هذه المرة، وعلى الخط الموازي، كان المجتمع يهاجر ويهجــــر صفته كمجتمع حي، كان زمن الهجرتين، الهجرة في الجغرافيا بحثا عن الرزق، والهجرة في التاريخ بظاهـــرة العودة الدينية المعممة، ولعبت فوائض «البترودولار» الخليجي ووهابيتها المتسلفـــة أدوارها المدمرة، وهو ما يفسر تضخم اليمين الديني الذي أنشأه السادات.

ورعته سلطته في حرب الانتقام من الناصرية، وكان هذا التضخم مرضا لا عافية، فقد سبح كخيمة نباتات سامة فوق بحر مجتمع فقد صفته وحيويته، وتحول بالشعب المصري إلى مجرد تجمع لسكان ومقيمين، ينتظر فرصة الهجرة إلى أحد الدارين، إما إلى دار الخارج الموعودة، أو إلى دار الآخرة البديلة، وتحول المصريون إلى أشباح وغبار بشري هائم، وجف نبع السياسة في أعماق ما كان مجتمعا، غير أن لعبة الهجرة والهروب لم يكن ممكنا لها أن تواصل الشوط إلى آخره، فقد كانت «المهارب» تسد باطراد، وهو ما زاد في منسوب القلق بأوساط المصريين المحتجزين في ديارهم، وهو القلق الذى تصاعدت أماراته في العقد الأول من القرن الجاري بعواصفه، وكان احتلال العراق هو النقطة المحورية في تصاعد سيرة القلق المصري، فقد كان العراق أوسع «مهارب» و»ملاذات» المصريين المفتوحة بلا قيود، وهو ما يفسر ما جرى بعد تاريخ 20 و21 مارس 2003، وهو تاريخ بدء الهجوم الأمريكي لاحتلال العراق، الذي تتابعت بعده حركات القلق السياسي والاجتماعي، وكان أظهرها حركة «كفاية»، وهي الأب والأم الروحية للثورة المصرية المعاصرة، فقد كانت «كفاية» تدق باب الصمت على نحو متصل ملح، ولعبت دورها التاريخي في استظهار القلق العام، وفي بث الثقة بالمقدرة على الفعل، إلى أن كانت الاستجابة المتزايدة على دفعات وصولا ليوم الثورة. 

كانت الاستجابة تلقائية غامرة، وكانت تعبيرا عن قلق رافض لما جرى، قلق لا يستريح إلى مقعده ومكانه، ولا إلى حاله، لكنه لا يعرف بالضبط ولا على وجه الإجمال، لا يعرف إلى أين يريد أن يذهب، ثم أنه لا يملك الوعي الاجتماعي الكافي، مع ما جرى من تحطيم لفكرة المجتمع، ولا يملك قوى سياسية ثورية مبلورة تقود بالأهداف والمراحل والبرامج، بينما كانت قوى الثورة المضادة بكامل عافيتها، وموزعة بين يمين «رأسمالية المحاسيب» الذي كان على كرسي الحكم، ويمين التيار الديني الذي كان على كرسي الشارع، وحول المجتمع إلى غبار بشري مهاجر، بين يمين نهب ثروة البلد ويمين «نهب» عقله، وهو ما يفسر تناوب الجماعتين على الحكم والبرلمان بعد الثورة، ويفسر حالة الإفاقة التدريجية لعموم المصريين من الغيبوبة التاريخية الثقيلة، وميلها الغريزي لاكتساب الوعي بالتجريب، ونقص المقدرة على التمييز بغير «كبش النار»، ومع معدلات إفاقة متسارعة طفريا بعد الثورة، كشفت خديعة اليمين الديني، وأسقطت حكمه العابر، ثم يأتي الدور هذه المرة على برلمان الفلول، وهو «شربة طين»، نثق أن الشعب المصري سوف يلفظها ويبصقها سريعا، فوق أنه حكم عليها بموت سريري وهي لا تزال في مهدها الأثيم.

نعم، حكم الشعب المصري على البرلمان الجديد قبل أن يتشكل، ونزع عنه شرعية تمثيل الناس، وكانت نسبة التصويت الهزيلة هي الفيصل، وقد توقعناها بالضبط كما جرت، وكأننا نقرأ من كتاب مفتوح، ولا تكاد تنافس هذه النسبة سوى سابقتها في انتخابات مجلس الشورى ذي الأكثرية الإخوانية، الذي ظل يحكم مع مرسي إلى يوم النهاية، كانت النسبة وقت انتخاب مجلس شورى الإخوان، لا تزيد في مرحلتها الأولى عن 5و12٪، وانخفضت إلى 5و7٪ في انتخابات المرحلة الثانية، وقد وصلت النسبة هذه المرة إلى ضعف ما كان في «شورى» الإخوان، وإن كانت لا تصل إلى نصف نسبة الإقبال في الاندفاعة التجريبية الأولى بعد الثورة، ولم تكن النسبة في كل الأحوال تعبيرا عن رغبة شعبية خالصة مبادرة، فصحيح أنه لم يعد بوسع أحد تزوير إجراءات التصويت، ولا العبث بالصناديق داخل اللجان الانتخابية، لكن العبث كله يجرى خارج اللجان، وبما سرى بعملية تزوير شاملة لإرادة واتجاهات التصويت، فوق اصطناع الذهاب إلى صناديق التصويت، رغم سلامة إجراءاته الصورية، كان الإخوان يستخدمون تكتيك الزيت والسكر والخدمات الشخصية فوق الوعد بالجنة، كان اليمين الديني يدفع بالتقسيط، بينما اليمين «الثروي» ـ إن صح التعبير ـ يدفع نقدا و»على عينك يا تاجر»، وهو ما يفسر عملية الشراء المحمومة التى سادت الانتخابات الأخيرة، والتي امتدت إلى شراء المرشحين قبل شراء الناخبين، وانحصار الاهتمام بالقصة كلها بين جماعة الأمن وجماعة البيزنس، وتحول المسابقة الانتخابية إلى مزايدة مالية، وسيادة فكرة المقاولة على حساب فكرة السياسة.

وتكاثر «أحزاب المقاولات» الشبيهة بسينما المقاولات، واصطناع أسماء لأحزاب بلا وجود فعلي في الشارع، وهو ما قد يكون زاد اصطناعيا من نسبة التصويت على هزالها الكلي، فنسبة التصويت الخالصة، لو استبعدنا آثار التصويت الجماعي والنقل الجماعي وشراء الأصوات بالجملة، لو استبعدنا المؤثرات اللحظية العابرة، فقد لا تصل نسبة التصويت الخالص إلى 5٪ من إجمالي الناخبين، أي أننا بصدد تمثيل صفري تقريبا مع كثرة الإعادات الانتخابية، وهو ما يعني حكما بالإعدام المبكر على «ميني برلمان» انتخبه «ميني شعب»، وربما على «ميكرو برلمان» انتخبه «ميكرو شعب»، فقد نظم الشعب المصري أوسع عملية عصيان مدني تلقائي على طريقة «خليك في البيت»، ولم تكن المقاطعة الغالبة عملا سلبيا، بل فعلا إيجابيا بديعا، تنتظر معه أن يتحول «الغضب الصامت» إلى «غضب ناطق» في زمن زاحف، هو أنسب الأوقات لبناء حزب للثورة اليتيمة، وانقاذ الثورة الكامنة وليس تقبل العزاء فيها، فقضية الثورة باقية وتتجدد 
.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر