الراصد القديم

2015/11/01

الأيديولوجية الناصرية

 
محمد السعيد إدريس

يقصد بالأيديولوجيـة السياسيـة أو المذهـب السيـاسي في هـذا المقام تلك المجموعة المنسقة من الأفكـار التي تتعلـق بشكل النظام الاجتماعي وغايته . ومن ثم فإنها تشمل عنصرين: الغاية أو الهدف الذي ينبغي للمجتمع أن يتطلع إليه ، والوسائل التي تمكن من الوصول إلى هذا الهدف . فالأيديولوجية تتضمـن إذن الهــدف والـوسيلـة ، الغايـــة والأسلـوب، الأيديولوجية ببساطة هي "نسق محدد من القيم يحدد أهداف التطور الاجتماعي" . والأيـديـولـوجيــة.

بالضرورة - نتاج اجتماعي، فليس ثمة " تاريخ للفكر " يستقل عن الأوضاع المادية للحياة الاجتماعية ، ذلك لأن الأيديولوجية هي على الدوام المحصلة الفكرية لأناس بعينهم ، يعيشون في ظروف معينة ويعتمدون في معيشتهم على أسلوب إنتاج مقرر ، 

ويترابطون بعلاقات اجتماعية ثابتة ، ويؤدون أعمالاً محددة ، تحكمها أهداف ورغبات مؤكدة ، ومن ثم فإن نظامهم المذهبي يتشكل من خضم حياتهم المادية ، ويتطور بتطور مكونات هذه الحياة المادية . فارتقاء الإنتاج وما يترتب عليه من امتداد لعلاقاته، وتوسع نطاق الصلات الاجتماعية القائمة على تلك العلاقات هي التي تهيئ ظروف صياغة الأفكار التجريدية ، وتبرز الحاجة إلى التطوير المذهبي لمثل تلك الأفكار.

وتؤكد دراسة تاريخ الفكر السياسي هذه الحقيقة ، فقد كان ظهور الأفكار والمذاهب السياسية المختلفة تعبيراً عن تغيرات لحقت بالظروف الاجتماعية القائمة ، وبروز الحاجة إلى تطوير الأفكار بما يتلاءم مع التغيرات المادية الجديدة ، فظهر المذهب الفردي، على سبيل المثال ، انعكاساً لصعود الطبقة البرجوازية على حساب الطبقة الإقطاعية التي سبق لها أن سادت على أنقاض عصر العبودية ، ثم ظهرت الأفكار الاشتراكية فيما بعد تعبيراً عن التغيرات التي استجدت على نمط الإنتاج وعلى علاقات الإنتاج على أثر الثورة الصناعية ، وما أحدثته على صعيد الطبقة العاملة من مظالم وما حققته من مكاسب وأرباح للطبقة البرجوازية على حساب الطبقة العاملة في معظم الدول الصناعية الغربية .

والناصرية ، وفقاً لذلك تعتبر انعكاساً وتعبيراً عن التطورات المادية التي لحقت بالمجتمعات العربية منذ بداية القرن العشرين ، وللظروف السياسية التي عاشتها تلك المجتمعات في ظل الحقبة الاستعمارية وحتى فترة ما بعد الاستقلال ، وهي بذلك تعبر عن تطلعات الشعوب العربية وآمالها في مستقبل أكثر إشراقاً تستطيع فيه أن تتخلص من الأزمات والمشكلات السياسية ، والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها في ظل الأوضاع الراهنة . فالناصرية ، كما صاغها جمال عبد الناصر ، هي بلورة لخبرة النضال العربي ، وتجسيد للآمال والأهداف التي تتطلع إليها الشعوب العربية ، ومن ثم فهي إيديولوجية الثورة العربية التي تسعى في الأساس إلى تحقيق الغاية العربية الكبرى ألا وهي "إقامة الدولة العربية الواحدة ذات البناء الاشتراكي والديمقراطي" كما تجسدها دعوة الحرية والاشتراكية والوحدة .

والناصرية بهذا المعنى تستمد أصالتها كإيديولوجية للثورة العربية بكونها النتاج الفكري للتغيرات التي لحقت بالأوضاع المادية للحياة الاجتماعية في الوطن العربي ، فهي خلاصة الممارسات العملية لتجربة ثورة 23 يوليو 1952 مع واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي قائم وله سماته المحددة التي مازالت قائمة ومستمرة حتى الآن ، كما أنها تعبير عن الدروس المستفادة من خبرة نضال الشعب العربي في سبيل التخلص من الاستعمار السياسي والاقتصادي والتخلف الاجتماعي طوال السنوات الممتدة منذ بداية هذا القرن وحتى الآن، حيث تتجدد حتمية هذه المواجهة مع أنماط استعمارية جديدة لا تقل ضراوة عن الأنماط الاستعمارية المنصرمة، إن لم تكن أفدح في عنفها وسطوتها حيث تميل إلى انتهاج أساليب إمبراطورية كما هو حال المسعى الإمبراطوري الأمريكي .

فالحقيقة المؤكدة أن عبد الناصر عندما قام بالثورة في 23 يوليو 1952 لم تكن لديه إيديولوجية سياسية جاهزة ، ولم يكن لديه تصور شامل عن الكيفية التي يمكن بها إدارة شئون الحكم ، فقد اعترف عبد الناصر بوضوح بأن قادة الثورة لم يكن لديهم فكرة واضحة عما يجب أن يفعلوه عندما وجدوا أنفسهم فجأة في مقاعد السلطة، واتبع عبد الناصر منهج التجريب والممارسة العملية ، ورفض الالتزام بعقيدة جامدة ، فلم ينهمك في النظريات – كما قال في الميثاق – بحثاً عن الواقع ، ولكنه انهمك في الواقع بحثاً عن النظرية ، ومن ثم جاءت النظرية تعبيراً حقيقياً عن ظروف هذا الواقع ومكوناته ، وتكريساً للدروس المستفادة من خبرة النضال الثوري . ففي خطابه الافتتاحي للجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية في 25 نوفمبر 1961 نجده يقول : " فرضت ظروفنا أن يسبق تطبيقنا الثوري النظرية . ولكن ما هي النظرية؟ إنها دليل العمل .. وما هو مصدر دليل العمل ؟ ! هو الممارسة ودراسة المشكلات التي يواجهها المجتمع " .

ولقد أفرزت الممارسة العملية ومواجهة المشكلات اليومية التي واجهت العمل الثوري صياغة نظرية اختلفت وتمايزت عن كثير من الصياغات النظرية التي تضمنتها إيديولوجيات ونظريات سياسية أخرى ، لا لشيء إلا لكونها تعبير عن واقع معين هو واقع المجتمع العربي بمشاكله وقضاياه وفي فترة زمنية محددة تمثل العمر الزمني لثورة 23 يوليو بما صاحبها من تطورات داخلية وقومية ودولية ، وتكون الأيديولوجيات الأخرى تعبيراً عن ظروف وأوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة في بيئات اجتماعية أخرى غير البيئة العربية ، وفي عصر زمني مختلف ، ولذلك فإن الانطباع الذي أخذه بعض الباحثين عن تمايز الصياغة النظرية للناصرية عن غيرها من الصياغات الإيديولوجية الأخرى على أساس أن الصياغة الناصرية اتسمت بالانتقائية والتلفيق بين مدارس واتجاهات وتيارات فكرية متباينة والجمع بين آراء غير متناسقة في منطلقاتها ، أو فيما تقود إليه من نتائج هو انطباع يفتقر إلى الدقة العلمية والإدراك السليم للحقائق التي ارتبطت بها صياغة الإيديولوجية الناصرية .

فالقول بأن الناصرية جمع بين مجموعة من الآراء غير المتناسقة بطريقة ميكانيكية دون محاولة الوصول إلى صيغة تلخيصية أو تركيبية تعلو هذه الآراء وتتسامى عليها ، الأمر الذي قاد إلى عدم القدرة على الحسم الفكري ، والاتجاه نحو " الحلول الوسط " ، قول فيه تجنٍ شديد على الناصرية.

فالالتزام المسبق بإيديولوجية سياسية رغم أهميته بالنسبة للعمل السياسي والممارسة السياسية فإنه ، يمكن أن يؤدى ، في حالة عدم ملاءمته للأوضاع والظروف القائمة ، إلى مشاكل خطيرة تضر بسلامة الممارسة وتهدد التجربة ككل . كما أن عدم الالتزام بإيديولوجية محددة سلفاً خصوصاً في المراحل الأولى من العمل أمر له بعض الفوائد والمميزات ، فهو يمكن أن يسمح للتجربة بحرية الحركة والتطور بسرعة أكبر مما لو كان هناك التزام جبري مسبق بمبادئ نظرية تقصى ظروف المجتمع بضرورة الخروج عليها ، كما أنه يمكن أن يسمح للتجربة بقدر أكبر من حرية اختلاف الرأي والديمقراطية طالما كانت هذه الحرية ليس فيها ضرر للأهداف الأساسية للمجتمع . لكن أهم هذه النتائج لعدم الالتزام المسبق بمبادئ نظرية هو إتاحة الفرصة للمجتمع كي يتمكن من إفراز الصيغة النظرية المعبرة عن واقعه ، والنابعة من قيمه وتراثه ، والتي تعكس آمال وطموحات القطاعات العريضة من أبناء الشعب .

وإذا كانت الناصرية قد انتهجت منهج التجربة والخطأ طوال الفترة الممتدة من قيام الثورة في 23 يوليو 1952 وحتى صدور الميثاق في مايو 1962 ، الذي وصفه عبد الناصر في الاجتماع الثاني للجنة التحضيرية بأنه "دليل عملنا الوطني " ، ثم وصفه في 9 مايو 1968 عند وضع القانون الأساسي للاتحاد الاشتراكي العربي بأنه " بالنسبة لثورتنا نظريتها السياسية ، وبالنسبة لاشتراكيتنا فكرها الثوري " فإن حركة الثورة وممارساتها العملية طوال تلك الفترة لم تكن حركة عشوائية أو ممارسة اعتباطية ، ولكنها كانت محكومة بمجموعة من الاعتبارات أهمها :
1-
الالتزام بالأهداف الستة التي وضعتها الثورة عند قيامها ، والعمل من خلالها ، ففي مواجهة جيوش الاحتلال الرابضة في منطقة قناة السويس دعت الثورة إلى القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين ، وفي مواجهة تحكم الإقطاع الذي يستبد بالأرض ومن عليها عملت على القضاء على الإقطاع ، وفي مواجهة الاستغلال والاستبداد استهدفت الثورة إقامة عدالة اجتماعية ، وفي مواجهة تسخير موارد الثروة لخدمة مصالح مجموعة من الرأسماليين المستغِلين (بكسر الغين)، عملت على القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، كما استهدفت إقامة جيش وطني قوى وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. ولقد كانت هذه الأهداف الستة بمثابة خطوط عريضة لأهداف عامة تعبيراً عن أزمات وأوضاع المجتمع الذي نشبت فيه الثورة، وكانت حصيلة مشاعر وطنية قوية إزاء مفاسد الحكم الملكي وفشله المزمن في مواجهة مشكلات مصر ، وكانت انعكاساً أميناً لمقتضيات الثورة الوطنية في مصر لكنها لم تكن تمثل برنامج عمل ثوري. ولذلك، وكما يقول الميثاق مضى الشعب منطلقاً من المبادئ الستة إلى تعميق نضاله وتوسيع مضمون هذا النضال عن طريق عمليتين تاريخيتين لهما أثارهما الضخمة : إن الشعب المعلم راح أولاً يطور المبادئ الستة ويحركها بالتجربة والممارسة ، وبالتفاعل الحي مع التاريخ القومي ، تأثراً به وتأثيراً فيه ، نحو برنامج تفصيلي يفتح طريق الثورة إلى أهدافها اللامتناهية ، وأن الشعب المعلم راح ثانياً يطور هذه الآمال ويحركها بالتجربة والممارسة ويربطها دائماً بهذه الآمال ويوسع دائرتها

2-
القيام بدراسة التاريخ دراسة علمية تعتمد على التأمل في الماضي بما يمثل من حلقات في سلسلة التطور ، ويمثل حصيلة الجهد الإنساني في التقدم ، على أساس الوعي بأن التاريخ يسجل بحق تجارب الشعوب ، ويقدم منهجاً صحيحاً أمام الأمم التي تسعى لبناء نفسها لكي " تتأمل تاريخها وأن تنظر إلى واقع عالمها ثم تقدم على صنع مستقبلها واقفة في ثبات على أرضها". ولم تعتمد الناصرية على دراسة التاريخ لكي تحبس نفسها في إطار الماضي ، ولكنها كانت في الوقت نفسه مثلاً حياً للانفتاح على التجارب التي بلورها النضال الإنساني طول مراحله المختلفة

3-
اعتماد النظرة الشاملة في معالجة قضايا التطور ، والأخذ بمنطق القياس الموضوعي للأمور ، وقد ساعد ذلك على الوصول إلى بعض القواعد المنهجية، واعتمادها ضمن المنهج الناصري ، فقد توصلت على سبيل المثال إلى أن تطور المجتمعات لا يتم بشكل عشوائي ، أو دون ضوابط ولكن التطور تحكمه قوانين عامة ، كما تواصلت إلى أن التفاعل بين الإرادة الإنسانية من جانب ، والواقع المادي القائم في المجتمع من جانب آخر هو المسئول عن التطور وتحديد اتجاهه ، فكل من الإرادة الإنسانية بقدراتها الإبداعية والواقع المادي بظروفه ومكوناته يؤثر في الآخر ويتأثر به ، وليس في مقدور أي منهما أن يدفع التطور الإنساني قدماً دون مساهمة فعالة من الأخر . وبهذه القاعدة تكون الناصرية قد حلت المشكلة الخلافية بين كل من " هيجل " و " ماركس " ، فلم ترجع التطور إلى الإنسان وأرادته فحسب ، ولكنها عندما أكدت الدور الإنساني في التطور لم تنكر دور العامل المادي الحاسم في خلق واقع التطور ذاته . وعلى ذلك أكدت الناصرية على أن التاريخ في تطوره لا يرجع إلى الوراء ، ولكنه في حركة صاعدة ، وبالتالي تكون الأزمات مجرد عوارض وقتية لا تؤثر في اتجاه حركة التاريخ العام نحو التقدم ، ومن خلال هذا الاعتقاد عملت الناصرية على تطوير البنية التحتية للمجتمع بما يتلاءم مع متطلبات القاعدة العريضة من أبناء الشعب ، والاعتماد على الإنسان وإبداعه في دفع التقدم المادي إلى الأمام وتوجيهه الوجهة الصحيحة التي تخدم مصالح الشعب وتحقق أهدافه

4-
الاعتماد على العلم في دراسة الواقع ، ومحاولة تجاوز الواقع المتخلف إلى واقع أكثر تقدماً عن طريق الوعي القائم على الاقتناع العلمي النابع من الفكر المستنير والناتج من المناقشة الحرة التي تتمرد على سياط التعصب والإرهاب . فقد أكدت الناصرية على أنها ليست " يوتوبيا " جديدة تحاول أن تحلق من خلال أحلامها إلى السماء بعيداً عن أرض الواقع ، وإنما اعتبرت أن العلم ، والمنهج العلمي هما الأساس في الممارسة الثورية، ولعل هذا ما دفع عبد الناصر ليؤكد في الميثاق على أن الانفتاح على التجارب الإنسانية بوعي واستنارة ، والاستفادة من هذه التجارب ضرورة هامة لسلامة الممارسة الثورية .

ولقد كانت هذه الاعتبارات في مجملها ركائز أساسية استندت عليها الممارسة النضالية لثورة 23 يوليو منذ قيامها ، وكان لها الفضل في ترشيد تلك الممارسة وفق مصالح الشعب وأهدافه ، وساهمت من خلال ترشيد الممارسة في صياغة وبلورة كثير من أفكار عبد الناصر والمبادئ التي صاغها في الميثاق وباقي مواثيق الثورة وفي خطبه وأحاديثه والتي شكلت في مجملها العناصر والمبادئ المكونة للناصرية كإيديولوجية سياسية . وعلى ذلك يمكن القول أن الناصرية لم تكن خلال الفترة الممتدة من 1952 وحتى عام 1962 حركة برجماتية أو تجريبية خالصة ، ولم يكن مسارها مراحل متقطعة وتحولات مفاجئة ، بل كانت تتحرك باستمرار وفق مبادئ وأهداف وضعتها لنفسها منذ البداية ، وأخذت تعالج تنفيذها بالمحاولة والخطأ . ومنذ عام 1962 أصبحت الناصرية تمتلك الأيديولوجية الثورية التي أفرزها الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في مصر ، وهو الواقع الذي يماثل واقع غالبية المجتمعات العربية الأخرى ، وبالتالي جاءت هذه الأيديولوجية معبرة عن خصائص وظروف هذا الواقع ، ومتضمنة الأهداف والمصالح التي تسعى جماهير الشعب العربي إلى تحقيقها باعتبارها أيديولوجية الثورة العربية وبسعيها إلى إقامة الدولة العربية الواحدة ذات البناء الاشتراكي والديمقراطي.

فالوحدة عند جمال عبد الناصر "ثورة"، وهي ليست مجرد إدماج دولتين عربيتين أو أكثر، لكنها تطور قومي اجتماعي اقتصادي سياسي، وهما معاً: الوحدة والثورة ليسا مجموعة من المغامرات أو الانقلابات، ولكنهما الحركة التاريخية لجماهير الأمة العربية "للقفز عبر التخلف.. إلى التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مستندة على القيم الحضارية للأمة العربية محققة بالنضال الثوري أهدافها" .

بهذا الفهم نستطيع القول أن الأيديولوجية الناصرية، كما عرفها جمال عبد الناصر، وكما يفهمها الناصريون، هي مجموعة القيم والمبادئ والأفكار الكفيلة بتحقيق أمل الأمة العربية في الوحدة الاشتراكية الديمقراطية ووسائل تحقيقها، وفي مقدمتها النضال الثوري الذي تخوضه القوى الثورية العربية .

وبهذا الفهم أيضاً نستطيع أن نحدد ثلاثة معارك مترابطة في وقت واحد هي : معركة الحرية ومعركة الاشتراكية ومعركة الوحدة التي هي محصلة المعركتين السابقتين من أجل الحرية ومن أجل الاشتراكية، وهي معارك مازالت تفرض نفسها بقوة في ظل الواقع العربي الراهن بظروفه القطرية والعالمية .

فمعركة حرية الوطن بتأمين استقلاله وتحرير إرادته وكسب الحرب ضد التبعية والتخلف ومعركة حرية المواطن بتأمين حقوقه في المشاركة والتعبير وغيرها من الحقوق هي في الأصل معركة من أجل الوحدة، فالوحدة لا يمكن أن تتحقق في ظل التبعية واستلاب الإرادة الوطنية واحتكار السلطة والثروة داخل الأقطار العربية بعيداً عن مشاركة الجماهير وسيطرتها على القرار السياسي داخل أقطارها.

ومعركة الاشتراكية هي معركة تحرير الوطن من الاستغلال وتحرير الإنسان العربي من عبودية الخضوع لاحتكارات رأس المال وسيطرته على السلطة. وبدون بناء المجتمع الاشتراكي يصعب بناء الوحدة. فكما أن الترابط كبير بين الحرية والوحدة فالترابط كبير بين الاشتراكية والوحدة. لكن الكفاح من أجل الحرية والاشتراكية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الكفاح من أجل الوحدة في نضال ثوري شامل من أجل الأهداف الثلاث أو الهدف الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي. معارك ثلاث خاضها جمال عبد الناصر ويخوضها الناصريون الآن على امتداد الوطن العربي .

أولاً : معركة الحرية
تنظر الأيديولوجية الناصرية إلى الحرية باعتبارها معركة نضال واحدة من أجل حرية الوطن واستقلاله وحرية المواطن وعزته وكرامته داخل وطن حر ينعم بالكرامة. فلا حرية لأوطان في ظل عبودية المواطنين ، ولا حرية للمواطنين في ظل عبودية الأوطان . معركة الحرية هي معركة العزة والكرامة، عزة الوطن باستقلاله الحقيقي وانتصاره على كل أشكال التبعية (السياسية والاقتصادية والعسكرية)، وكرامة المواطن بالقضاء على كل أشكال الاستغلال والاستبداد والشمولية وامتلاك القدرة والإرادة على توجيه القرار الوطني بما يخدم مصالح الشعب وأهدافه .

حرية الوطن لا تعنى فقط القضاء على الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني، وتحرير الإرادة الوطنية من كل أشكال التبعية، لكنها تعنى أيضاً النضال من أجل جعل الوطن غير قابل للاستعمار وغير قابل للتبعية، والنضال ضد الاستعمار والتبعية كظاهرة عالمية من أجل حرية الشعوب وكرامتها. هذا النضال ضد الاستعمار عالمياً هو في الوقت ذاته، معركة من أجل تأمين الاستقلال الوطني .

وهنا يقول عبد الناصر :
"
إن أي فعالية لدور مصر الخارجي لا يمكن لها أن تتم إلا بالعمل الداخلي المصري" ، و"إننا لا نستطيع أن نعمد لمسؤولية الحرية عالمياً، إلا إذا كانت الحرية مصونة على أرضنا، ولا نستطيع أن نقاوم الاستعمار دولياً إذا تخاذلنا أمامه .. ولا نستطيع أن ندعو إلى عدم الانحياز إذا مسخنا مفهومه في ممارساتنا وفرّطنا في معاييره . إن الذين يجعلون سياستهم الخارجية ألفاظاً مرصوصة ومستعارة منقطعة الصلة بما يجرى داخل أوطانهم، ومنقطعة الصلة بممارستهم العملية لوجودهم الدولي يفقدون احترامهم، ويضيعون أي تأثير يمكن أن يكون لهم، ويعجزون عجزاً كاملاً حتى عن مجرد إثبات شخصيتهم في الميدان الدولي الواسع والحافل" .

والدرس الذي صاغه عبد الناصر من هذا الفهم هو :
"
إن معركة الحرية في العالم واحدة، وإن خطر الاستعمار على الشعوب واحد، وإن مصر الثورة تتعهد بشن الحرب ، بكل ما لديها ، على الاستعمار والسيطرة الأجنبية " .

من هنا كانت معركته في قيادة حركة عدم الانحياز مرتبطة بمعركته في محاربة الاستعمار، ليس فقط على الأرض العربية ولكن في كل مكان في العالم، وعياً بأن الانتصار على الاستعمار في أي مكان في العالم هو انتصار للثورة العربية، وأي انتصار للثورة العربية هو انتصار لحركة التحرر الوطني في العالم .

ومن هنا كانت معركة الناصرية مع العدو الصهيوني معركة من أجل الانتصار للحرية على الأرض العربية وفي أي مكان في العالم، والانتصار في معركة الحرية على الأرض العربية هو انتصار لمعركة وحدة الأمة العربية . فهدف تحرير فلسطين هو الشرط الحاكم لنجاح المشروع القومي الناصري في الحرية والاشتراكية والوحدة .

فقضية فلسطين هي من ناحية قضية استقلال قومي، باعتبار أن إسرائيل دولة احتلال استيطاني عميل للإمبريالية الغربية ( الأوروبية والأمريكية) وبدون تحرير فلسطين يبقى الاستقلال العربي منقوصاً .

وبقاء الكيان الصهيوني في فلسطين يعتبر حائلاً دون وحدة الوطن العربي وعزله بين مشرق ومغرب . وبدون تحرير فلسطين يستحيل تحقيق هدف الوحدة، ومن ثم فإن النضال من أجل تحرير فلسطين هو نضال من أجل الوحدة .

ولأن تحرير فلسطين مشروط ببناء القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية العربية، فإن النضال من أجل بناء "الإقليم – القاعدة" في مصر القادرة على أن تقوم بدور الرائد في خوض معركة التحرير والاستقلال العربية، والدعوة للوحدة العربية هو نضال من أجل تحرير فلسطين، والانخراط في معركة تحرير فلسطين هو انخراط في معركة بناء الإقليم -القاعدة ومعركة الاستقلال والتحرر العربي ومعركة الأمة من أجل وحدتها، وهكذا تترابط معارك النضال العربي من أجل الحرية والاستقلال ومن أجل الاشتراكية التي هي شرط بناء القوة الاقتصادية والعسكرية العربية اللازمة لبناء الإقليم - القاعدة القادر على القيام بدوره القومي في تحرير فلسطين والعمل من أجل الوحدة العربية .

هذا النضال من أجل حرية الوطن العربي واستقلاله لا يمكن أن يكتمل دون تأمين حرية الإنسان العربي وانتصاره في معركته ضد الاستبداد والاستغلال معاً في الداخل من أجل تحقيق الديمقراطية السليمة ، التي معناها تأكيد سيادة الشعب ووضع السلطة في يده وتكريسها لخدمة أهدافه، وهذا لن يتحقق إلا بتوفير الحرية السياسية والحرية الاجتماعية معاً .

وإذا كانت أولوية النضال من أجل الحرية الاجتماعية باعتبارها شرطاً لتحقيق الحرية السياسية قد طغت ، لدرجة ما على أولوية الحرية السياسية في ظل الحكم الناصري بسبب عنف وتشعب المعارك التي خاضها عبد الناصر في تلك السنوات، فمن الضروري أن تعود للحرية السياسية أولويتها هي الأخرى في هذه السنوات بعد أن أصبحت الحرية السياسية شرطاً لتحقيق الحرية الاجتماعية بسبب غياب القوى الثورية عن السلطة . فقد أصبح النضال الآن من أجل الحرية السياسية نضالاً من أجل الحرية الاجتماعية ومن أجل الوحدة معاً .

ثانياً : معركة الاشتراكية  
يمكن القول أن التجربة الناصرية طوال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1962 التي تبلور خلالها الحل الاشتراكي كاختيار حتمي قد مرت بمرحلتين تميزت كل منهما عن الأخرى وإن كانتا متكاملتين ؛ المرحلة الأولى هي مرحلة التردد في حسم الاختيار الاشتراكي وتمتد من 1952 وحتى 1956 ، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الوعي التي برزت خلالها ملامح ومؤشرات التغير الجذري في الفكر الناصري نحو الاختيار الاشتراكي ، حتى جاء عام 1962 فأصبح الاختيار الاشتراكي أمراً حتمياً ، وأصبحت الاشتراكية العلمية هي القاعدة التي أقامت عليها الناصرية نظامها في مصر وعملت على تحقيقها وبدأت فعلاً في التحول نحو الاشتراكية.

ولم يكن الحل الاشتراكي لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وصولاً ثورياً إلى التقدم – كما أكد عبد الناصر في الميثاق– افتراضاً قائماً على الانتقاء الاختياري، وإنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية فرضها الواقع ، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير، كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم في النصف الثاني من القرن العشرين . وجدير بالذكر أن وعى عبد الناصر بحتمية الحل الاشتراكي لم يكن قاصراً فقط على وعيه بالظروف والمتغيرات المحلية المتعلقة بضرورات التنمية وموقف الطبقات الاجتماعية في مصر منها ودورها في العملية الإنتاجية ، ولكنه كان واعياً أيضاً بأن التخلف الذي تعيشه مصر لا يرجع فقط إلى أمور وراثية خاصة أو بظروفها الذاتية وفق ما تروج نظريات "التحديث" الغربية في تفسيرها لأسباب التخلف، ولكنها متخلفة كغيرها مـن الـدول المستقلة حديثاً – دول العالم الثالث– لوقوع هذه الدول ومنها مصر في دائرة الاستغلال الاقتصادي على مستوى العالم وتبعيتها للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي الذي تهيمن على مقدراته الدول الغربية الرأسمالية الصناعية .

ولقد كان إدراك عبد الناصر لقضية التبعية وعلاقتها بالتخلف السائد في دول العالم الثالث سابقاً لمعظم زعماء العالم الثالث ولكثير من علماء الاقتصاد والاجتماع البارزين الذين انتهجوا فيما بعد منهج " التبعية " في تفسير التخلف ، ففي مؤتمر القمة الأول لدول عدم الانحياز الذي عقد في بلجراد ( سبتمبر 1961 ) ، الذي كان محور اهتمامه مسألة الحرب الباردة في الأساس والمواجهة بين الدولتين العملاقتين بعد فشل دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت على مستوى رؤساء الدول في حل هذه المسألة ، ورغم سيطرة هذه القضية طرح عبد الناصر موضوع التنمية ، وفجر فيه مسألة التبعية وعلاقتها بتخلف الدول النامية فقال:

" إنه من المحتم الآن إتاحة أكبر فرصة للتقدم أمام الشعوب التي لم تستكمل نموها الاقتصادي والاجتماعي وينبغي لنا أن نذكر أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار في عالم تتفاوت فيه مستويات الحياة بين الشعوب على هذا النحو الفاضح الذي نراه الآن ، ومع أنى لا أريد أن أثير أحقاداً قديمة ، فإن التقدم الصناعي ، على سبيل المثال ، في عدد كبير من بلدان أوروبا كان قائماً على الثروات التي جرى نزحها بطريقة منظمة من آسيا وأفريقيا " .

وبالفعل تبنى مؤتمر القمة هذه الدعوة إلى مؤتمر لقضايا التنمية انعقد في القاهرة فيما بين 9 – 18 يوليو 1962 ، وأنهي أعماله بوثيقة سميت "إعلان القاهرة " تقع في 69 مادة تعبر عن تصور الوفود المجتمعة لقضية التنمية ومقتضياتها ، وتركز على أهمية التجارة المتكافئة لزيادة موارد دول العالم الثالث عن طريق التصدير إلى جانب زيادة معونات التنمية .

ولقد أدرك عبد الناصر " أن نمو الاحتكارات العالمية الضخم لم يترك إلا سبيلين للرأسمالية المحلية في البلاد المتطلعة إلى التقدم : أولهما أنها لم تعد قادرة على المنافسة إلا من وراء أسوار الحمايات الجمركية العالية التي تدفعها الجماهير ، وثانيهما أن الأمل الوحيد لها في النمو هو أن تربط نفسها بحركة الاحتكارات العالمية وتقتفي أثرها ، وتتحول إلى ذيل لها . وتجر أوطانها وراءها إلى هذه الهاوية الخطيرة . وعلى هذا النحو توفرت المبررات الكافية لكي ينهج عبد الناصر الاشتراكية ، ولكن ماذا تعنى الاشتراكية بالنسبة لعبد الناصر ، وما هي حدود فهمه لها ؟ تلك مسائل هامة ينبغي التعرض لها .

1- الفهم الناصري للاشتراكية : تعرض الفهم الناصري للاشتراكية ، أو الجانب الاشتراكي في الفكر الناصري لتشويه ضخم من جانب كثير من العناصر التي حاولت إظهار تأييدها للاشتراكية في عهد عبد الناصر ، وبدأت تكتب عن الاشتراكية من وجهة نظرها الخاصة ، وإسناد وجهات النظر هذه إلى اشتراكية عبد الناصر . وقد جمع معظم وجهات النظر هذه خط واحد ، هو التركيز على خصوصية الرؤية الناصرية للاشتراكية ليس من باب تأصيل هذه الرؤية وفقاً لمعطيات الواقع الاجتماعي القائم ، ووفقاً لمصالح القطاعات العريضة من أبناء الشعب صاحبة المصلحة الأولى في الثورة الاجتماعية التي فجرها عبد الناصر ابتداء من عام 1961 ، ولكن من باب خلق مجال للاجتهاد الذاتي لكل مجتهـد كي يفـرغ الطـرح الناصري للاشتراكية من محتواه الحقيقي .

ولقد كان عبد الناصر واعياً لمحاولات هذه العناصر مبكراً عندما ذكر في حديث له بصحيفة الأهرام 3 فبراير 1960 : " سمعت عمن يرى أن نظامنا نظام وسط بين الأنظمة. وبما أننا في موقف وسط بين الشرق والغرب، فكذلك يجب أن يكون نظامنا وسطاً بين الشيوعية والرأسمالية . ثم سمعت عمن يرى أنه نظام ابتكرناه ، وأننا نؤمن به لأننا لا نقلد به أحداً ، ولست أتصور ما هو أكثر بعداً عن الحقيقة من هذه التعليلات . فالحياد ليس موقفاً وسطاً بين الشرق والغرب ، ثم إن اتخاذ موقف وسط في مجالات العقائد الاجتماعية أمر مستحيل . كذلك ليس موقفنا اختراعاً ننفرد به ، وإنما هو التعبير الأصيل عن ظروفنا الخاصة " .

ولقد شهدت سنوات الستينات خلافات حادة بين فريقين حول مدلول الاشتراكية لدى عبد الناصر حيث يسمى أنصار الفريق الأول الاشتراكية في مفهوم عبد الناصر بأنها "اشتراكية عربية"، وكان بعض أنصار هذا الفريق من المخلصين للناصرية وللتجربة ومن المنتمين إليها ، وطرحوا هذه التسمية لتمييز فكر الناصرية عن الماركسية ، أما البعض الأخر من أنصار هذا الفريق فقد كان يهدف من وراء ذلك إلى الانحراف بالناصرية إلى دروب رجعية قريبة من الطرح الرأسمالي . وكان أنصار الفريق الثاني يطرحون اسم "التطبيق العربي للاشتراكية " على مفهوم الاشتراكية لدى عبد الناصر ، وكان بعضهم من رجال الناصرية ، ولكنهم كانوا يؤمنون بوحدة الاشتراكية كنظرية علمية ، ولا يرون في النهج الاشتراكي الناصري ما يلزم لتمييزه عن الاشتراكية العلمية خصوصاً بعد أن أعلن عبد الناصر أنه يقصد بالاشتراكية التي ينادى بها الاشتراكية العلمية ، والبعض الآخر كانوا من العناصر الماركسية التي تعاملت مع عبد الناصر وارتضت زعامته ، وكانوا مع التحول الاشتراكي ، لكنهم كانوا يعتبرونه خطوة أو مرحلة في الطريق نحو النظام الشيوعي واعتناق الاشتراكية العلمية كما هي مطروحة في الأدب الماركسي .

وكان من الطبيعي أن يثار مثل هذا الخلاف في تلك المرحلة التي شهدت التحول نحو الاشتراكية . فقد كانت هذه المرحلة بوصفها انتقالية مرحلة حرجة يتواجد فيها القديم والجديد جنباً إلى جنب دون أن يحسم الصراع بينهما. أنهما يتعايشان إلى حد ما ، ومن خلال هذا التواجد يعاد تشكيل الطبقات الاجتماعية من جديد .

وبوصفها كانت مرحلة انتقال سلمى ، فإن طبيعتها كانت تفرض على كثير من الشعارات الثورية أن تمر بعدة مراحل قبل أن تجد لها مستقراً في أرض الواقع الخصبة . وبوصفها كانت أيضاً مرحلة انتقال فريدة من الثورة الوطنية التي قادتها الرأسمالية الوطنية أساساً إلى الثورة الاجتماعية ، فإنها كانت تنطوي بالضرورة على حلقات أصيلة من التطور ، سواء من حيث شكل التطور أو من حيث تسلسل حلقاته .

ولقد حسم عبد الناصر هذه الخلافات بنفسه ، عندما أوجز في لقائه بالمبعوثين المصريين رؤيته للاشتراكية قائلاً : " إن الاشتراكية عموماً هي القضاء على استغلال الإنسان للإنسان ، ولكن التطبيق الاشتراكي في كل بلد قد يختلف عن البلد الآخر . وفيه ناس تحب تسميها الاشتراكية العربية على أساس إن دي اشتراكية لها طابع خاص ، أنا رأيي هي تطبيق عربي للاشتراكية ، مش هيه اشتراكية عربية . أعتقد إن فيه اشتراكية واحدة ، وفيه مبادئ اشتراكية " .

وحسم المسألة على هذا النحو من جانب عبد الناصر ، يفترض أنه أصبح واعياً تماماً بقضيته الاشتراكية وبقوانينها العلمية ، فالاختيار الاشتراكي عنده لم يكن اختياراً انتقائياً أو تلفيقياً بين الفكر الماركسي والفكر الرأسمالي لمجرد إيجاد صيغة توفيقية متفردة تنسب إلى التجربة الناصرية، ولم تكن المسألة عنده تتعلق بمدى اقترابه أو ابتعاده من الماركسية أو الرأسمالية ، ولكن المسألة كانت الوصول إلى المنهج الصحيح لفهم قضايا المجتمع العربي ومشاكله ، وكيفية الخروج من حالة التخلف المسيطرة على كافة أنحاء الوطن العربي هي انغماس في الواقع بمشاكله طموحاً إلى إيجاد الحلول المناسبة دون تحجر أمام نظريات جامدة ماركسية أو رأسمالية، ومن هنا تستمد رؤية عبد الناصر للاشتراكية أصالتها وثوريتها ، فهي تستمد أصالتها بمدى تعبيرها عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي القائم في الوطن العربي ، وتستمد ثوريتها من إدراكها للقوانين العلمية للاشتراكية ، ومن إيمانها بوحدة الاشتراكية .

وتأكيداً لهـذا الموقع المتقدم للفكر الاشتراكي عند عبـد الناصر ، أعلـن عبد الناصر موقفه السياسي صراحة عندما أعلن أنه "يساري متطرف" خلال رده على استنكار الدكتورة حكمت أبو زيد أثناء أحد الاجتماعات الأخيرة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي قبل وفـاة عبد الناصـر لمسألة استعانة الثورة ببعض أفراد ممن كانت تسميهم باليسار المتطرف – وتقصد الشيوعيين – في مجال الإعلام والثقافة وبعض المؤسسات الأخرى . فقد كان رد عبـد الناصـر عليها كما هو مسجـل في مضبطة الجلسة : " أن الثورة يسارية " ، بل قال على نفسه : " أنا يساري متطرف " ، وأكد أنه لا مكان لليمين المتطرف الذي يشكل العدو الداخلي للثورة .

ونفهـم مـن هـذا كله أن الـرؤيـة التي قدمهـا عبـد الناصـر لـلاشتراكيـة لا تمثل نظرية مستقلة عن كل النظريات الاشتراكية التي ظهرت في العالم ، وليست منفصلة عن الخط الاشتراكي العام ، فهي تمثل وجهاً من وجوه النظرية الاشتراكية العالمية ، وإضافة لها في الوقت نفسه حتى في إطار تسمية هذه الرؤية باسم "الاشتراكية العربية" .

وهذا الفهم أوضحه عبد الناصر بنفسه في لقائه مع المبعوثين بقوله : "قد يكون هناك خلاف بيننا وبين الشيوعيين . ما عندناش دكتاتورية البروليتاريا ، ولكن بنقول ديمقراطية الشعب العامل كله ، وبنعترف بالأديان ، ولا نؤمن بدموية الصراع الطبقي في القضاء على الطبقة بالعنف أو بالقوة ، وفيه حاجات أخرى يمكن تكون تفصيلية . أنا في رأيي إن الاشتراكية واحدة ، ولكن التطبيق يختلف باختلاف المكان" .

ووحدة الاشتراكية لا تعنى أبداً وحدة أو تماثل التجارب الاشتراكية . فكل تجربة اشتراكية تتم في ظروف مختلفة موضوعياً وذاتياً . وكل شعب بثورته الاشتراكية يضيف إلى التاريخ كما يضيف إلى النظرية ، ولم توجد ولن توجد ثورة نقية تسير بالمواصفات الموضوعة سلفاً . فالاشتراكية واحدة ولكن تطبيقها محكوم عندنا بالواقع الوطني والقومي لبلادنا العربية ، وبخصائصها التاريخية ، وبتقاليدها الثورية لا بتقاليدها التقليدية العشائرية المتخلفة التي لا تعكس إلا الجانب السلبي في حضارتنا العربية ، وبخصائصها الدينية أيضاً . فليس هناك ما ينفي أو يمنع أن يكون الإنسان مناضلاً اشتراكياً، ويكون في نفس الوقت مؤمناً متديناً على النحو الذي تتضمنه الأيديولوجية الناصرية .

كذلك فإن وحدة الاشتراكية لا تعنى أبداً جمود الفكر الاشتراكي عند صيغ وقوالب معينة. فالاشتراكية واحدة حقاً لكنها متطورة أيضاً . ففي عصر التطور التكنولوجي ، وتفجر ثورات التحرر الوطني في دول العالم الثالث ، وبحث هذه الدول أن الصيغة الملائمة لتنمية مجتمعاتها بعيداً عن النهج والسيطرة الرأسمالية كان لابد أن تكون هناك مراجعات لبعض المقولات الماركسية ، مثلما حدث من مراجعات بالنسبة لموضوع دكتاتورية البروليتاريا بقصد تطويره ، على غرار موقف الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية . كما توصل الكثير من المفكرين الماركسيين إلى إمكانية تعدد المراحل الانتقالية إلى الاشتراكية ، وتنوع الأشكال التي تتخذها بالتالي سلطة الشعب العامل . فقد دلت التجربة التاريخية أن الثورة الاشتراكية يمكن أن تنمو من خلال ثورة وطنية ، أو من خلال نضال معاد للفاشية والاستعمار ، أو من خلال ثورة تحرر وطني .

وعلى ضوء هذا الفهم لوحدة الاشتراكية يبدو تمايز الرؤية الناصرية للاشتراكية أمراً طبيعياً بقدر ارتباطها بظروف ومعطيات الواقع العربي ، ويقدر تعبيرها عن آمال وطموحات القطاعات العريضة من أبناء الشعب العربي . ولا يهم في مثل هذه الحالة أن تسمى هذه الرؤية " بالاشتراكية العربية "، أو " بالتطبيق العربي للاشتراكية " طالما أنها في نهاية الأمر امتداد للفكر الاشتراكي العالمي وإضافة متميزة إلى تراثه ، لكن الشيء المهم هو إكساب هذه الرؤية أصالتها العربية ، وجعلها إفرازاً طبيعياً للواقع العربي وتراثه الحضاري ، والتأكيد على خصوصيتها من هذا المنظور .

2 - أسس ومقومات الرؤية الناصرية للاشتراكية :
تكتسب الرؤية الناصرية للاشتراكية خصوصيتها وتميزها عن كثير من التجارب الاشتراكية عامة، وعن كثير من مقولات الماركسية خاصة بكونها تستند وترتكز على مجموعة من الأسس والمقومات تختلف عن الركائز الأساسية التي تتميز بها الماركسية ، وتعد هذه المقومات والأسس تعبيراً صادقاً عن واقع المجتمعات العربية ، وفهماً أكيداً لذاتية الشخصية العربية وتراثها الحضاري ، ولكنها ، وفي نفس الوقت مقومات غير متناقضة مع القوانين العلمية للاشتراكية . وهي بذلك تجعل من الرؤية الناصرية للاشتراكية إضافة متميزة للتراث الاشتراكي العالمي .

ومن خلال تحليل عناصر الفكر الاشتراكي الناصري يمكن تحديد أربعة مقومات أساسية ارتكزت عليها الرؤية الناصرية للاشتراكية ، وحاول عبد الناصر ترسيخها في تجربته الاشتراكية التي بدأت من الناحية الفعلية في عام 1961 ، وسط ظروف قاسية داخلياً وعربياً ودولياً كانت تستهدف كلها إجهاض تجربة التحول الاشتراكي وإسقاط النظام الناصري ككل . وهذه المقومات هي: تذويب الفوارق بين الطبقات ، وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية بتأكيد سيادة تحالف قوى الشعب العاملة ، والعدالة التوزيعية، والتخطيط القومي الشامل .

أ - سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات :
يقصد بسياسة تذويب الفوارق بين الطبقات كسر حدة الجمود الطبقي الذي ساد مصر قبل الثورة، وأدى إلى تقسيم الشعب إلى طبقات مالكة (البرجوازية الزراعيةالبرجوازية الصناعية) وطبقات أخرى محرومة ولا تملك إلا قوة عملها. وأمام هذا الوضع فإن سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات تهدف إلى ضمان السيولة الاجتماعية، أي ضمان سيولة الانتقال بين الطبقات المختلفة، وهو ما يفترض: (1) تصفية الطبقات التي تملك ولا تعمل ، والتي تعيش على دخل بلا عمل، والتي يصعب الانتقال إليها، والتي لا يمكن أن تتعايش مع الطبقات الأخرى: وتتطلب تصفية هذه الطبقات النزول بملكياتها إلى المستوى الذي يلزم أصحابها بالعمل، ومعنى ذلك أن تذويب الفوارق بين الطبقات يستلزم فرض العمل على مختلف الطبقات بحيث يتحول أفراد المجتمع جميعاً إلى عاملين، سواء كانوا يعملون في ملكهم أم بصفتهم أُجراء (2) ضرورة أن يصبح العمل أساساً للقيمة الاجتماعية للفرد، وأن يصبح المصدر الأساسي للدخل، وبذلك لا تتحدد مكانة الفرد الاجتماعية بناء على الامتيازات الطبقية الموروثة ، بل بناء على دوره في المجتمع، بحيث يمكنه أن يغير من هذه المكانة بتغيير هذا الدور، وهو ما يعنى ألا تكون الطبقات فئات اجتماعية مغلقة، وأن تفقد بذلك معناها التقليدي. (3) ضمان التقارب بين الطبقات الأخرى، وذلك بالحد من الثروات والدخول الكبيرة ، وبرفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة. (4) إقرار مبدأ تكافؤ الفرص عملاً، وخاصة في نطاق الخدمات الأساسية اللازمة لحياة الإنسان، ولتنمية قدراته ومثلها التعليم والعلاج. ويلعب التعليم المجاني دوراً محوراً في تذويب الفوارق بين الطبقات بفتحه مجال الحراك الاجتماعي إلى أعلى أمام كل قادر على إثبات كفاءته في مختلف الأنشطة والوظائف .

معنى هذا كله أن تذويب الفوارق بين الطبقات يعنى ضمان السيولة الاجتماعية، أي ضمان سهولة الانتقال بين الطبقات بحيث لا تقوم عوائق من القانون أو من الواقع تحول أو تعرقل دون جهود الأفراد في هذا السبيل ، وبذلك تحل ظاهرة "الفئات الاجتماعية المفتوحة" محل ظاهرة الطبقات المغلقة، وتعنى ظاهرة الفئات الاجتماعية المفتوحة أن ينقسم المجتمع إلى عدة فئات اجتماعية مختلفة يكون لكل منها دورها الاجتماعي الخاص، كما تعنى أن يتحدد انتماء الفرد إلى أي فئة – من هذه الفئات بناء على قدراته وعلى دوره الاجتماعي.

وتذويب الفوارق بين الطبقات لا يعنى توحيد الدور الذي تقوم به مختلف الفئات الاجتماعية في عملية الإنتاج، ذلك أنه لا يعنى إلغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج إلغاءً كاملاً، ولا يعنى تحويل جميع الأفراد إلى أُجراء. فالتذويب لا ينفي أن تستمر فئة تملك بعض أدوات الإنتاج في بعض القطاعات وأن تستمر فئة أخرى تقدم العمل، على أن يسهل على الفرد أن يغير دوره في عملية الإنتاج وأن ينتقل بذلك من فئة اجتماعية إلى فئة اجتماعية أخرى. وهذه النقطة في غاية الخطورة إذ كيف سيغير العامل الأجير دوره في عملية الإنتاج ويصبح مالكاً لأدوات الإنتاج؟ ما هي الكيفية المشروعة لهذا الانتقال؟ قد يكون التعليم أداة جيدة للانتقال إلى فئة اجتماعية مختلفة لكنه بحكم مستويات الأجور المتاحة لا يمكنه من الانتقال إلى الرأسمالية المالكة. وقد ترتب على هذه الثغرة نتائج خطيرة إذ تحولت الرأسمالية غير المستغلة في فترة حكم عبد الناصر إلى رأسمالية طفيلية مستغلة فيما بعد.

كذلك لا يعنى تذويب الفوارق بين الطبقات توحيد مستويات المعيشة بين مختلف الأفراد؛ نظراً لاختلاف كفاءات وقدرات الأفراد، كما أنه لا يتضمن تصفية أفراد الطبقة البرجوازية الزراعية أو الصناعية بل يقتصر على تصفية قدرتهم على الاستغلال مع المحافظة على حق الإرث الشرعي .

ولقد ارتبطت سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات بفهم واضح ومحدد للطبقة ووظيفتها الاجتماعية ، وبوعي وإدراك لمسألة الصراع بين الطبقات ومضمون الاستغلال الطبقي ونتائجه. ويمكن القول أن سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات تشكل الهدف الأساسي للفلسفة الاشتراكية في مصر ، بحيث يمكن الاعتماد عليها في تلخيص السياسات الاشتراكية في النظام الناصري ، وبحيث يمكن القول أن المجتمع الذي كانت تهدف الناصرية إلى إقامته هو مجتمع تذويب الفوارق بين الطبقات .
1-
الصراع الطبقي عند عبد الناصر : تطورت رؤية عبد الناصر للصراع الطبقي عبر ثلاث مراحل يمكن تمييزها من خلال خطبة وأحاديثه . ففي المرحلة الأولى التي تمتد من عـام 52 – 1957 تقـريبـاً لم يكـن لـدى عبـد الناصر نظرية متكاملة للصراع الاجتماعي ، واقتصر موقفه على اتخاذ بعض الإجراءات التي كانت تهدف إلى تحقيق مطلب الدولة الاجتماعية الذي جاء كهدف من أهداف الثورة الستة . وكان إجراء الإصلاح الزراعي على سبيل المثال ، واحداً من هذه الإجراءات التي كانت تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية .

ولكن موقف عبد الناصر الاجتماعي شهد تطورات هامة عندما بدأ يفرق بين الطبقات الشعبية المستغلة ( بفتح الغين ) وبين الطبقة صاحبة المصالح المستغلة ( بكسر الغين ) وإرجاع سطوة وسيطرة الطبقة المستغلة (بكسر الغين ) لاحتلالها للقوة الاقتصادية والقوة السياسية ، لكن رؤية عبد الناصر طوال تلك الفترة ظلت رؤية إصلاحية لا تتسم بالشمول وتقنع برفع شعار العدالة الاجتماعية في قطاع خاص هو القطاع الريفي دون أن يمتد إلى القطاع الصناعي والعمالي بشكل واضح .

وهذا الموقف شهد تطوراً جذرياً في الفترة من 1957 – 1961 ولحين صدور الميثاق الذي بلور النظرية المتكاملة عن الصراع الطبقي لدى عبد الناصر . ولقد عبر عبد الناصر عن هذا التطور الذي لحق بفكره الاجتماعي وموقفه من الصراع الطبقي بشكل واضح في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر التعاوني الذي عقد بجامعة القاهرة في5 ديسمبر(كانون أول)1957، حيث قال :
"
في أول الثورة كنا نقول بالقضاء على الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي . وبعد ذلك تطورنا وابتدأنا نقول بالقضاء على الاستغلال ، كما نقول بالقضاء على السيطرة المعتدية من الخارج . ابتداء من اليوم نقول بالقضاء على السيطرة من الداخل . ابتدأنا نحقق هدفاً رئيسياً من أهداف الثورة وهو القضاء على الإقطاع ، القضاء على الاحتكار ، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم . ابتدأنا اليوم ننتقل إلى مرحلة جديدة .. إننا نهدف إلى إقامة مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني ، متحرر من الاستغلال السياسي والاستغلال الاقتصادي والاستغلال الاجتماعي" .

ومع بداية هذه الفترة بدأ يظهر بوضوح تصاعد الخط الثوري في رؤية عبد الناصر للصراع الاجتماعي ، وتبرز شيئاً فشيئاً زيادة دقة التحليل الطبقي الذي يقدمه للواقع المصري، وعميق فهمه لحدة التناقضات الاجتماعية. وأصبح "الاستغلال" قيمة واضحة ومحددة تماماً عنده، فقد كان يعتبره المصدر الأساسي والمسئول الأول عن التناقضات الاجتماعية القائمة، وانعكاساتها على مستوى الممارسة السياسية .

لكن على الرغم من وعى عبد الناصر بحدة التناقضات الاجتماعية القائمة في المجتمع المصري ، ومدى استغلال الطبقة البورجوازية للطبقات الشعبية العاملة فإنه كان يرى أن وظيفة السلطة الثورية التي تمثلها أجهزة الدولة هي الحد من الصراعات الطبقية ، واتخاذ موقف الحياد من هذه الصراعات وبدأ ينادى في هذا الوقت بضرورة وجود قيادة اقتصادية "تنظم وتنسق النشاط في الميادين المختلفة العامة والخاصة . القيادة الاقتصادية هذه يلزم أن تكون موجودة للدولة التي هي لها الولاية ، والتي تحمى كل طبقة من الأخرى ، وكل صاحب مصلحة من صاحب المصلحة الأخرى ، والحكومة هي التي تجعل التوافق كاملاً بين جميع المصالح ، وبين جميع الطبقات في نفس الوقت " .

وهذا الفهم لدور الدولة كان يعكس سيطرة نظريات التوازن الاجتماعي على فكر عبد الناصر، وهذه النظريات تصدر عن فكرة محددة تصور المجتمع باعتباره نسقاً من الأفعال تعمل تحت مظلة ثقافة مشتركة تتسم بالاتفاق حول القيم الأساسية التي تقوم عليها . وتقوم هذه النظريات على أساس تحليل خاص للأنساق الاجتماعية يطلق عليه "التحليل البنائي الوظيفي" . والمفهوم الأساسي الذي يرتكز عليه تحليل المشكلات الخاصة بالأنساق الاجتماعية مثل : المشكلات الاجتماعية والانحراف والصراع الطبقي هو "تصدع القيم " الذي يعنى عدم التوازن الذي يصيب أحياناً الأنساق الاجتماعية، أو ما يطلق عليه " التفكك الاجتماعي " . وتصدع القيم يعنى وجود ثغرة في التنظيم الاجتماعي الذي يكشف عنها ضعف أجهزة الضبط الاجتماعي . والتوازن والاستقرار ، واحترام السلطة القائمة ، وعدم المساس بالنظام القائم ، والنمو المتدرج أو المتطور من أهم القيم التي تدعو إليها هذه النظريات . وكانت دعوة عبد الناصر إلى "حيادية السلطة" وجعل التوافق كاملاً بين مصالح جميع الطبقات تعبيراً عن هذه القيم .

إلا أن الأمر تغير كثيراً في الفترة اللاحقة ابتداء من عام 1960 ، 1961 ، بعد اصطدام عبد الناصر بالبرجوازية المالية والصناعية التي عزفت عن المشاركة في خطة التنمية، وتأكده من أنها لا تعمل لصالح المجتمع ولكن كل ما يهمها هو صالحها الخاص . فقد تخلى عبد الناصر عن اعتناقه لنظريات التوازن ، وأكد انحياز الدولة لصالح الطبقات الشعبية ، وضمن الميثاق خلاصة فكره الاجتماعي ورؤيته للصراع الاجتماعي والتوازن الطبقي ، حيث أكد على "حتمية الصراع الطبقي" طالما كان هناك استغلال وقهر من طبقة لطبقة أو لطبقات أخرى . وكان إدراكه لمغزى الاستغلال أوسع من مغزاه الاقتصادي ، حيث كان يربط بين الاستغلال الاقتصادي وتأثيره على العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الطبقات وبين الأفراد .

ففي لقائه بالشباب أعضاء منظمة الشباب الاشتراكي في معسكرهم بحلوان أكد عبد الناصر على أنه لا يمكن أن تكون هناك حرية من أي نوع في مجتمع يقوم على استغلال الإنسان للإنسان "لا يمكن أن تكون حرية سياسية أو حرية فردية مهما قيل عن الحرية طالما كان هناك استغلال ، وطالما كان هناك تحالف بين الإقطاع وبين الاستغلال الرأسمالي . لابد أن يكون للاستغلال نفوذ ، وبهذا تكون الحرية السياسية كلمة في الهواء ضائعة" .

وبتحديده لمعنى وحدود الاستغلال أصبح عبد الناصر يفرق بين الشعب وبين أعداء الشعب، "الشعب هو جميع الفئات التي تساند الثورة الاشتراكية – وليس اليفط الاشتراكية – وتساند الثورة الاجتماعية والبناء الاشتراكي . وأعداء الشعب جميع القوى التي تناهض هذه الثورة الاشتراكية، والثورة الاجتماعية وهدفهـا القضـاء على النظام الاشتراكي". ويخرج عبد الناصر مـن هـذه التفرقـة الهامة بين الشعب وأعداء الشعب إلى تفرقة أخرى لا تقل أهمية عنها بقوله : " إن هناك تناقضاً واضحاً بين الشعب الذي يريد الثورة الاجتماعية ويريد التحرر من الاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وبين الأقلية التي تريد مجتمعاً يسوده الاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي" .

وعلى هذا فإن قوى الصراع الاجتماعي تصبح محددة تحديداً موضوعياً ومفروزة إلى قوى الثورة والقوى المضادة للثورة على أساس تلازم أو تعارض مصلحتها مع عملية التغيير الثوري . فقوى الثورة هي القوى التي لها مصلحة في عمليـة التغيير وتضم : الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية غير المستغلة ، وهؤلاء يمثلون الجماهير الكادحة التي عانت من الاستعمار ومن الاستغلال والتخلف والتجزئة في الوطن العربي . وتتطلع إلى تحقيق أهدافها في الحرية والاشتراكية والوحدة . أما القوى المضادة للثورة فهي قوى الإقطاع ورأس المال المستغل والاستعمار وعملاء الاستعمار والصهيونية العالمية . وهؤلاء لهم مصلحة في بقاء الأوضاع على ما هي عليه من تبعية وتخلف وتجزئة ولهذا فهم يتصدون للثورة ولعملية التغيير الثوري ويحاولون إجهاضها .


مستويان للصراع الطبقي :
على أساس طبيعة هذه القوى أقامت الناصرية تحالفاً يجمع قوى الثورة صاحبة المصلحة في التغيير الاجتماعي تلك القوى التي خضعت لسنوات طويلة لاستغلال الإقطاع والرأسمالية . وأكدت على حتمية الصراع بين تحالف قوى الشعب العاملة وبين القوى المضادة للثورة ، والمستغلة للشعب ومصالحه . ومن خلال هذه التفرقة بين قوى الشعب العاملة وبين أعداء الشعب وضع عبد الناصر مستويين للصراع الطبقي :

المستوى الأول : مستوى رأسي للصراع :
ويدور بين قوى الشعب العاملة وبين القوى الرجعية المتمثلة في تحالف الإقطاع ورأس المال المستغل؛ أي أنه يقسم المجتمع إلى قسمين : القسم الأول يجمع بين القوى الشعبية المستغلة (بفتح الغين) ذات المصلحة في القضاء على الاستغلال واحتكار السلطة، وذات المصلحة في إنجاح الثورة الاجتماعية، أما القسم الثاني فيجمع القوى المستغلة (بكسر الغين) التي تمارس استغلالها للشعب، وتفرض سيطرتها على السلطة . والصراع بين القسمين حتمي وضروري، وهذا المستوى من مستويات الصراع يستلزم ضمن ما يستلزم لحله استخدام العنف ضد القوى المعادية للثورة الاجتماعية وللشعب صاحب المصلحة في هذه الثورة إذا ما رفضت التخلي عن أدواتها في الاستغلال والسيطرة .

ففي حديثه مع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية قال : " نحن في الميثاق لم نستبعد العنف، وقلنا إذاً الرجعية لم تسر معنا، وإذا أخذت فترة لتهاجم مجتمعنا بندخل معها في العنف إلى أقصى حد ممكن" . وفي حديث آخر ذكر تفصيلياً إجراءات حل الصراع بين تحالف قوى الشعب وبين أعداء الشعب حيث قال : " لا زلنا على استعداد أن نحل التناقضات مع أعداء الشعب بالطرق السلمية، ولكن لسنا على استعداد بأي حال أن نسمح بوضع العراقيل في وجه ثورة الشعب الاجتماعية بإعطاء الرجعية فرصة لتضرب ثورة الشعب، وتضرب الثورة الاشتراكية ، من واجبنا أن نحمى كفاح الشعب ومكاسب الشعب، فلابد من تجريد الرجعية من أسلحتها، هذا الأسلوب، وهناك أساليب أخرى تصل إلى المحاكمة، تصل إلى الحرمان ، تصل إلى نواح كثيرة". وتأكيداً لجدية موقفه تجاه محاولة الرجعية الاعتداء على مكتسبات الشعب الاشتراكية أعلن " لو تحركت الثورة المضادة للانقضاض على منجزات الثورة لارتديت لهم الكاكي ، ونزلت إلى الشارع أدافع عنها بدمى".

المستوى الثاني : مستوى أفقي للصراع :
ويدور بين قوى الشعب العاملة أعضاء التحالف ، وهذا الصراع طبيعي في ظل التنوع والاختلاف في المصالح بين قوى الشعب العاملة، بين العمال والفلاحين، بين المثقفين والجنود، بين الرأسمالية الوطنية والعمال والفلاحين أو باقي أعضاء التحالف . وهذا الصراع هو الذي ينبغي أن يكون حله "سلمياً" في إطار الوحدة الوطنية وعن طريق تذويب الفوارق بين الطبقات، ويوضح عبد الناصر طبيعة هذا الصراع بقوله : " في داخل الشعب سنجد إذن خلافات واختلافات لا تنتهي ولن تنتهي، وعلينا أن نحلها بالطرق السلمية لكي نخفف آثارها: بالديمقراطية، والحرية والنقاش، والتصحيح، والفهم وتحديد الخطأ وتحديد الصواب".

وهذا التمييز بين الشعب وأعداء الشعب ، وهذه التفرقة بين نوعى الصراع نطرح أمرين في غاية الأهمية : الأول ، أن الخلط بين الخلافات داخل الشعب من ناحية والتناقضات بين الشعب وأعداء الشعب من ناحية أخرى ، وترك الميدان خالياً لتحركات الرجعية الداخلية يفتح الطريق أمام ضرب التحول الاشتراكي من أساسه ، الثاني ، إن الموقف السلبي إزاء الخلافات بين فئات الشعب وعدم المبادرة إلى حلها – ديمقراطياً – سواء عن تردد أو جزع أو عدم فهم للتفاعلات الاجتماعية ، يفتح الطريق أمام التلقائية ، ويقود إلى أخطاء فادحة تهدد وحدة المجتمع الاشتراكي .

والآن ما هي الخاصية الأساسية للمجتمع الاشتراكي عند عبد الناصر، على ضوء هذا الفهم للصراع الطبقي ومستوياته؟ نستطيع من خلال تحليل الميثاق والخطب والأحاديث التي أدلى بها عبد الناصر أن نقول أن المجتمع الاشتراكي الناصري هو مجتمع تحالف قوى الشعب العاملة، فهو ليس من ناحية مجتمع التعدد الطبقي المليء بالصراعات والانقسامات الاجتماعية الذي يؤكد سلطة وسيطرة البرجوازية الكبيرة على باقي الطبقات المطحونة ، وليس هو مجتمع دكتاتورية البروليتاريا ، فلم يقبل عبد الناصر، كما ذكر في كثير من أحاديثه، إقامة دكتاتورية البروليتاريا في مصر فقد أكد في حديثه مع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية "أننا لن ننتقل من دكتاتورية طبقة إلى دكتاتورية طبقة أخرى لأننا بذلك سندخل في حرب أهلية، ولكننا نريد أن ننتقل من دكتاتورية الرجعية إلى ديمقراطية الشعب بأجمعه" .

والتحليل الكمي لأحاديث وخطب عبد الناصر يؤكد أنه على الرغم من يقين عبد الناصر بأن العالم السياسي والحياة السياسية صراعية ومليئة بالصراعات إلا أنه ظل دائماً مؤمناً بأن ممارسة الصراع على المستوى المحلى بين الطبقات ستكون نتائجه خاسرة ، فهو يرى أن هذا الصراع سيكون حرباً أهلية لن يأتي من ورائها إلا الخراب ، لذلك رأي أن يكون الحل هو تجريد الرجعية من أسلحتها المال والسلطة ، من ناحية وتذويب الفوارق بين الطبقات الشعبية من ناحية أخرى .

ويكشف تحليل خطب وأحاديث عبد الناصر عن حقيقتين هما :
الأولى : أنه على الرغم من رؤية عبد الناصر للحياة السياسية كحياة مليئة بالصراعات إلا أنه كان يتخوف من ممارسة الصراع، ومن هنا كان حرصه على أنه يتحرك بما لديه من سلطة ليحل الصراع سلمياً دون إراقة دماء . وهذا لا يعنى أن عبد الناصر كان حريصاً على "تجميد الصراع" أو "تأميمه" كما يقول بعض الباحثين، ولكنه كان لا ينظر إلى الصراع كغاية في حد ذاته، وكان لا يحبذ ترك الأمور على علتها حتى يتم الصراع بين الطبقات الاجتماعية لأن النتائج ستكون وخيمة، وكان يفضل أن يحل الصراع سلمياً طالما أنه قادر على ذلك بما لديه من سلطة بصفته رئيساً للدولة .
الثانية : أنه لا يقصد من وراء حل الصراع إقامة دكتاتورية البروليتاريا، ولكنه كان يرى أن معظم طبقات الشعب الفلاحين والمهنيين بما فيهم الموظفين والمثقفين وكذلك الجنود والرأسماليين الوطنيين قد عانوا من الاستغلال والاستبداد مثل إن لم يكن أكثر من معاناة الطبقة العاملة، ومن ثم فهم أصحاب حقوق في التغيير الثوري وفي توجيه الثورة لصالحهم، ومن هنا كان الاتجاه نحو إقامة ديمقراطية تحالف قوى الشعب العاملة كبديل لدكتاتورية البروليتاريا انعكاساً لظروف وواقع البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر، اعتماداً على اتباع أربع سياسات هي : تذويب الفوارق بين الطبقات، وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والسلطة السياسية، والعدالة التوزيعية والتخطيط الشامل للاقتصاد الوطني.

ب - سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية :
تعتبر سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية من أهم مقومات وخصائص النظام الاشتراكي في الفكر الناصري . وتتم هذه السيطرة عن طريق الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتي تعنى أن المجتمع في مجموعه يملك وسائل الإنتاج، وأن المجتمع قد ملك الفرصة لكي يخطط لعمليات الإنتاج ولكي يضعها تحت رقابته . وإذا كانت الملكية العامة لوسائل الإنتاج هي الصورة الأساسية للملكية في المجتمع الاشتراكي الناصري فإن هذا لا يعنى ضرورة القضاء على الملكية الفردية لأدوات الإنتاج كلية ، ليصبح المجتمع مجتمعاً اشتراكيا ، وذلك لأن الانتقال من الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلى الملكية العامة لهذه الوسائل ليس مقصوداً لذاته وإنما هو وسيلة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعوق تقدم الإنتاج وتنميته. فعلى سبيل المثال أقر التطبيق الاشتراكي الذي تم في عهد عبد الناصر تحقيق سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج من خلال إقامة قطاع عام يشمل أكثر من 80% من أدوات الإنتاج في الصناعة، وكل الهياكل الرئيسية للإنتاج وكل تجارة الاستيراد وثلاثة أرباع تجارة الصادرات ، وكل تجارة الجملة في الداخل، وكل البنوك وشركات التأمين. وفي نفس الوقت يترك الفرصة متاحة أمـام القطاع الخـاص ليمـارس دوره في التنمية وسط ظروف لا تسمح بالاستغلال، وفي مجالات بعيدة عن العمل في الهياكل الأساسية لعملية الإنتاج، مع التأكيد المستمر على أن يبقى نشاطه تحت سيطرة القطاع العام المملوك للشعب، وأن يعمل في ظله وبتوجيه منه، ومع الحذر من احتمالات نموه الاحتكاري واحتمالات تلاعبه واحتمالات انحرافه ومع اشتراط عدم الاستغلال.

واستوجبت ملكية الشعب لوسائل الإنتاج ضرورة إجراء تفرقة في المجال العقاري أرضاً وبناءً بين الملكية المستغلة (بكسر الغين) أو التي تفتح الطريق للاستغلال والملكية غير المستغلة . ولقد كان معيار الضبط فيما يتعلق بما إذا كانت ملكية عقارية ما مستغلة أم غير مستغلة أمراً صعباً الأمر الذي أدى فيما بعد إلى تضخم القطاع العقاري حتى إننا نشهد اليوم تحويل بعض أجزاء هذا القطاع إلى ما يشبه الاحتكار في المقاولات والمباني والتغلغل إلى قطاعات إنتاجية أخرى .

أما في المجال الزراعي فلم يستوجب تمليك الشعب لوسائل الإنتاج تأميم الأرض وتحويلها إلى الملكية العامة، وإنما أقر – استناداً إلى الدراسة وإلى التجربة – بالملكية الفردية للأرض في حدود لا تسمح بالإقطاع. وحرص بذلك على تأكيد أن الأمر مصدره هنا (الدراسة والتجربة) لا الصدور عن الأنماط الفكرية المسبقة التي تدافع عن الملكية الخاصة أو العامة في ذاتها، وتعلو بها عن أن تكون مجرد وسيلة في يد الشعب. لكن التفرقة بين الملكية المستغلة والملكية غير المستغلة كانت أمراً دائماً ومؤكداً ، والحرص على دعم الملكية الزراعية "بالتعاون الزراعي على امتداد مراحل عملية الإنتاج في الزراعة من بدايتها إلى نهايتها كان واجباً . وأكد الميثاق على أن نجاح المواجهة الثورية لمشكلة الأرض، هذه المواجهة القائمة على زيادة عدد الملاك، لا يمكن تعزيزه إلا بالتعاون الزراعي وإلا بالتوسع في مجالات الحد الذي يكفل للملكيات الصغيرة للأرض اقتصاداً قوياً ونشيطاً" .

ويتضح من الدراسة التفصيلية للقواعد التي وضعت لتأكيد ملكية الشعب لوسائل الإنتاج الحرص والتأكيد المستمر على رفض النظام الرأسمالي والانحياز للاشتراكية وقواها الشعبية وتحديد دور تابع للقطاع الخاص يخضع فيه لإشراف القطاع العام بشروط أربعة هي: أ – أن يكون رأسمالية محدودة الحجم بحيث تستند إلى ظاهرة اندماج العمل ورأس المال، أي بحيث يشترك أصحابها في عملية الإنتاج . ب- أن يعمل على خدمة الاقتصاد القومي في إطار خطة التنمية بالإضافة إلى خدمة مصالحه الخاصة. جـ – ألا يقع تحت سيطرة الاحتكارات العالمية، وهو ما يترتب بالضرورة على صغر حجمه. د – أن يبتعد عن الاستغلال .

ومجمل هذه الشروط تؤكد أن النظام الاشتراكي الناصري يستهدف بحق شمول السيطرة الشعبية على كافة المؤسسات الاجتماعية، ولم يعمل على حماية الملكية الخاصة في ذاتها كقيمة وإحاطة احترام الملكية الخاصة بدعاوى الحرية والكرامة والغرائز الإنسانية والكفاية والتراث والدين، مما يخرجها عن إطار التنظيم الاجتماعي الخاضع للشعب، فالأمر بالنسبة للملكية الخاصة كفاية وعدل فحسب، والاختيار يتعلق بمدى ملاءمة الأنماط المختلفة للتنظيم الاجتماعي في تحقيق هذين الهدفين: الكفاية والعدل، في ظروف الزمان والمكان ، مع الصدور عن خبرة شعبنا والاسترشاد بخبرة الشعوب الأخرى .

أما فيما يتعلق بالسيطرة السياسية لقوى الشعب العاملة صاحبة المصلحة في إحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي المطلوب فإنها شرط أساسي حتى يتمكن المجتمع من نقل الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الرئيسية إلى الملكية العامة. إذ لا يمكن تصور حدوث هذا الانتقال في الملكية مع بقاء السيطرة السياسية للرأسمالية أو الإقطاع .

وكما أن هذه السيطرة السياسية على أجهزة الحكم ضرورية لإحداث التغيير المطلوب، فهي ضرورية كذلك لإدارة الاقتصاد القومي بعد السيطرة على وسائل الإنتاج وضمان مشاركة الجماهير في عملية البناء والتقدم الاجتماعي والاقتصادي وضمان عدالة التوزيع بين الدخول بما يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، وذلك عن طريق مؤسسات وتنظيمات قوى الشعب العاملة التي تتيح التعرف الصادق والأمين على المشكلات التي يقابلها المجتمع في تطوره، وتدير الحوار حراً بهدف إيجاد الحلول اللازمة لها .

ولقد كان الاختيار الناصري لتأكيد سلطة الشعب السياسية هو إقامة تحالف جديد بين الطبقات المنتجة في تنظيم ثوري طليعي يهتدي بالفكر الاشتراكي ، ويعمل على تحقيق مصالح الشعب وإدارة الاقتصاد القومي والإشراف عليه . ولم يأت هذا الاختيار من فراغ ولكنه، وكما أكد عبد الناصر جاء تحالفاً ثورياً فرضته مجموعة من الاعتبارات الهامة. أولها ضرورة المزج بين الاشتراكية والديمقراطية، فبدون الاشتراكية التي هي مضمونها تحرير الفرد من الاستغلال لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية، وبدون الديمقراطية التي هي في مضمونها إشراك كل فرد في التوجيه لا يمكن أن تكون هناك اشتراكية. وكان من المستحيل أن تعيش الديمقراطية في ظل سيطرة الإقطاع واحتكار رأس المال . وكان من الصعب أن تتحقق الاشتراكية في ظل تحكم الأقلية، وبالتالي كان لابد من إيجاد الشكل الذي يمزج بين الديمقراطية التي هي اشتراكية السياسة وبين الاشتراكية التي هي ديمقراطية الاقتصاد. وثانياً : هدف تحقيق الوحدة القومية وهو هدف ضروري لسلامة العمل الوطني ، وثالثها تحقيق التعبئة الاجتماعية لكل الطبقات التي هي الوسيلة الوحيدة لدفع التطور في جميع مجالاته بسرعة وكفاية.

لذلك كان تحالف قوى الشعب العاملة هو الاختيار الطبيعي في ظل كل هذه الأهداف وكان الاتحاد الاشتراكي هو أداته في السلطة . " سلطة الثورة وسلطة الجماهير صانعة الثورة. سلطة تحالف هذه الجماهير العاملة من الشعب. سلطتها الديمقراطية".

جـ – العدالة التوزيعية :
يعبر مطلب العدالة التوزيعية عن أزمة محورية من الأزمات التي تواجه البلاد النامية على وجه العموم وهي "أزمة التوزيع" ، وهي من الأزمات التي يلتقي فيها علم السياسة بعلم الاقتصاد حيث يقوم النظام السياسي بدور "الموزع" في المجتمع. وبصفة عامة فإن كل القرارات السياسية ذات طابع توزيعي . وإن كانت أزمة التوزيع تشير على وجه التحديد إلى تلك القرارات والسياسات المتعلقة بتخصيص الموارد وتوزيعها ، وهنا تظهر مشكلة في عملية التوزيع بين الاعتبار الفني والاقتصادي وهو أن يكون التوزيع على أسس تتعلق بنوعية العمل، وبين الاعتبار الاجتماعي أو الأيديولوجي الذي يفرض الالتزام بمفهوم العدالة الاجتماعية في التوزيع.

ولقد اهتم عبد الناصر بالربط بين مفهومي "الاستغلال" و"العدالة التوزيعية"، وجعل معيار العدالة في النظام الاشتراكي الناصري أن "يأخذ كل بقدر ما يعطى" أي أن يأخذ كل بقدر الخدمة التي يقدمها للمجتمع ، سواء جاءت هذه الخدمة من عمل أو من رأس المال غير المستغل. فإذا تقاضى شخص أكثر مما أعطى ، أي أكثر من قيمة الخدمة التي يقدمها للمجتمع فإنه "يكون مستغلاً" "بقدر الفرق بين قيمة ما أعطى وقيمة ما أخذ".

وواضح أن هذا المفهوم عن العدالة يسلمنا إلى فكرة "الثمن العادل" و"الأجر العادل". وهنا نسلم بأن السوق ليس قادراً على تحديد هذا الثمن العادل؛ وذلك نظراً لعدم تكافؤ القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تتقابل فيه . وأمام هذا الوضع يكون من الضروري ، حتى نحول دون الاستغلال، أن تتوقف حرية التعاقد، وأن تقوم الدولة بتحديد الأثمان والأجور على أساس إعطاء كل عامل من عوامل الإنتاج بقدر إنتاجيته أي بقدر مساهمته في العملية الإنتاجية، وهذا يتطلب من الدولة تقدير مدى مساهمة كل عوامل الإنتاج في هذه العملية، وهي عملية صعبة ومعقدة للغاية من الناحية الفنية، لكنها لا تخضع فقط للاعتبارات الفنية ولكنها أسيرة الرؤية الاجتماعية، التي ترى أن العمل هو مصدر الإنتاج وهو مصدر الثروة القومية كلها، ومن ثم فإن توزيع الدخل على أساس العمل الحقيقي المبذول هو الهدف النهائي، وهو مفهوم الاشتراكية الواضح البسيط، وهو ما يحقق إلغاء استغلال الإنسان للإنسان، والاستغلال هو الحصول على دخل بلا عمل أو بلا خدمة، أو بما يفوق ما يقدمه الفرد من أثمان وخدمات .

ولقد كان عبد الناصر حريصاً على تأكيد أن "المساواة في الاشتراكية، هي مساواة في الفرصة المتكافئة، التي هي الرد الاشتراكي على الامتيازات الطبقية وليست المساواة المطلقة التي تساوى بين الأفراد دون اعتبار للعطاء وللدور الذي يقوم به كل فرد. المساواة في المفهوم الناصري هي "المساواة العادلة" تماماً مثلما أن الحرية في المفهوم الناصري هي "الحرية العادلة" التي لا تتجاوز احترام حقوق الآخرين. المساواة العادلة هي التي تراعى التمايز في العطاء والأداء بين الأفراد وتتحقق عن طريق الالتزام الصارم بتوفير "الفرص المتكافئة" لكل الأفراد، وبعدها يكون التمايز عدلاً بقدر التمايز في استفادة كل فرد من تلك الفرص المتكافئة مع الآخرين . فبعد الفرصة المتكافئة لكل مواطن، فإن كل مواطن هو الذي يحدد بنفسه، وبقدراته الذاتية، دوره في المجتمع، ومقدار ما يحصل عليه من هذا المجتمع". تلك هي جوهر العدالة، فعن طريق إعطاء الفرصة المتكافئة للمواطنين ، وبتقدير الأجر بمدى المساهمة في العمل والإنتاج وأن يأخذ كل مواطن بقدر عمله وخدمته تتحقق العدالة التوزيعية التي جعلها النظام الاشتراكي الناصري إحدى مقوماته وركائزه الأساسية .

واتفاقاً مع هذا المفهوم للعدالة وللاستغلال انصرف النظام الاشتراكي الناصري إلى فرض رقابة الدولة على الملكية الخاصة، وإلى العمل على تخليصها من الاستغلال، وتمثل ذلك في وضع حد أدنى للأجور، وفي تحديد أثمان السلع والخدمات الأساسية ، وإيجارات الأراضي الزراعية والمباني، كما انصرف أيضاً إلى إخضاع الاستثمارات الخاصة لبعض القيود ولاعتبارات التخطيط ، كما حرص على إعادة تنظيم العلاقات القائمة بين العمل ورأس المال بما يضمن للعمل مكانته التي تتفق مع حقيقة دوره في عملية الإنتاج عن طريق: تحديد ساعات العمل ووضع حد أدنى للأجور، وإشراك العاملين في الشركات والمؤسسات الخاصة في مجالس إداراتها، وإشراكهم في أرباح هذه الشركات والمؤسسات ، وعن طريق إعادة توزيع الدخل القومي في صالح الطبقات ذات الدخول المحدودة بما يرفع مستوى معيشة هذه الطبقات، ومما يحد من التفاوت بين الطبقات، وذلك عن طريق الضرائب التصاعدية والتوسع في الخدمات العامة المجانية .

د - التخطيط الشامل للاقتصاد القومي :
في إطار الملكية العامة لوسائل الإنتاج ولخضوعها لإشراف سلطة تحالف قوى الشعب العاملة لم يعد الربح هو الهدف الرئيسي للإنتاج، بل أصبح الهدف الرئيسي هو: زيادة الدخل القومي الناتج من العملية الإنتاجية، وإشباع حاجات أفراد المجتمع من السلع والخدمات، وذلك عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانيات المادية والبشرية وزيادة المدخرات لتوفير القدرة على الاستثمار المتزايد. ولتحقيق هذه الأهداف كان لابد من تنظيم الاقتصاد القومي باعتباره وحدة متكاملة، والعمل على تنمية الاقتصاد القومي تنمية متوازنة عن طريق التخطيط الشامل، والالتزام بنظام واضح للأولويات الاجتماعية يمكن بموجبه تفادى الهدر والضياع والتبديد في الموارد، وتحديد الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف الاجتماعية. فالالتزام بنظام واضح للأولويات الاجتماعية يمكننا تحقيق غرضين في غاية الأهمية، فهو أولاً يمكننا من أن نجيب بوضوح تام على السؤال : ماذا ننتج ولمن؟ أي أن هذا النظام للأولويات الاجتماعية يمكن من تحديد واضح لنمط استخدام الموارد وأين تتجه. وهو ثانياً : يمكننا من أن نتعرف على التكلفة الاجتماعية التي تترتب على عدم الالتزام بهذا النظام للأولويات، أي ما يتحمله المجتمع ككل من تضحيات نتيجة لعدم الالتزام بهذا النظام للأولويات الاجتماعية . وهذا كله لن يتأتى إلا بالتخطيط الشامل للاقتصاد القومي.

والتخطيط الشامل يتطلب أمرين : الأول، معرفة كاملة بالاقتصاد القومي والقوانين الموضوعية التي تحكم تطوره ونموه. والثاني، القدرة على النظر للمستقبل، ورسم الطريق على أساس هذه الحقائق .

ويوضح الميثاق فهم عبد الناصر الدقيق لدور التخطيط الشامل فيقول : "أن التخطيط الاشتراكي الكفء هو الطريقة الوحيدة التي تضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية ، بطريقة عملية وعلمية وإنسانية، لكي تحقق الخير لجموع الشعب وتوفر لهم حياة الرفاهة". كما يوضح عبد الناصر في الميثاق فهمه للدوافع الرئيسية وراء الأخذ بأسلوب التخطيط القومي الشامل للاقتصاد، وعدم ترك الإنتاج للحرية الفردية والاختيارات الحرة فيقول : "أن التخطيط الشامل هو عملية اجتماعية وسياسية واقتصادية تتطلب مشاركة أوسع القواعد الجماهيرية في إعداد تلك الخطط وضمان سلامة التنفيذ".

تلك كانت القواعد والمقومات الأساسية التي استندت عليها الرؤية الناصرية للاشتراكية، والتي حاول عبد الناصر إقامتها في مصر منذ إصدار قوانين التأميم الشهيرة عام 1961. وإعلان الميثاق في عام 1962. ولقد كانت هذه المقومات نتاجاً وإفرازاً طبيعياً لظروف ومعطيات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المصري في تلك الفترة، وتعبيراً عن الممارسة العملية التي تولى عبد الناصر إدارتها بنفسه ، وهي الممارسة التي شهدت نجاحات وانتكاسات. كانت محصلة لتفاعلات البيئة الداخلية المصرية للتجربة مع البيئة العربية والإقليمية والظروف الدولية المحيطة. ويكفي أن نشير إلى حدث واحد لنعرف مدى تأثير تلك الظروف على الممارسة، فلقد كانت نكسة 1967 على سبيل المثال من أخطر الأحداث التي أثرت على مسيرة التجربة الاشتراكية الناصرية، والتي أدت إلى ظهور العديد من السلبيات في الممارسة. وحالت – إلى حد كبير – دون تعميق التحول الاشتراكي والوصول بالمجتمع إلى الاشتراكية المقصودة والمرجوة .

ثالثاً : معركة الوحدة العربية
تحتل الوحدة العربية مكانة مركزية في الأيديولوجية الناصرية كمعركة آنية وممتدة شديدة الارتباط بمعركتي الحرية والاشتراكية . وقد أثبتت التجارب العديدة ، لمحاولات العمل العربي الموحد أن القوى الثورية العربية وحدها هي القادرة على الصمود حتى تحقيق هدف الوحدة .

وقد أكد الزعيم جمال عبد الناصر على وحدة القوى الثورية العربية وأكد أيضاً على أن هذه القوى عليها أن تخوض معارك متشعبة ومتعددة من أجل الوحدة على كثير من الجبهات . فهي معنية أولاً بخوض معركة داخل أقطارها تثبت فيها وجودها وتأثيرها، ومعركة تلتقي عليها معاً تنسق فيها عملها وتحدد فيها أهدافها ووسائلها . فهي داخل أقطارها عليها أن تخوض معركتي الحرية والاشتراكية وهي معاً عليها أن تخوض معركة الوحدة بتأسيس الحركة العربية الواحدة أو ما أسماه عبد الناصر "وحدة القوى الثورية العربية".

لكن الظروف الجديدة التي تعيشها الأمة العربية بعد الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق واحتلاله ، وبعد مسلسل الانتكاسات التي واجهت القوى الوحدوية العربية سواء على صعيد معركة الحرية أو معركة الاشتراكية منذ انتصار الثورة المضادة في 15 مايو 1971 التي فتحت أبواب مصر ومن بعدها كافة أبواب الأقطار العربية أمام الاختراق الأمريكي والصلح مع الكيان الصهيوني والانقلاب على أهداف النضال العربي في الحرية والاشتراكية معاً، وفي ظل شراسة الهجمة الأمريكية على الأمة العربية والحرب ضد العروبة والإسلام والدعوة لمشروع أمريكي جديد للمنطقة هدفه القضاء على وحدة الأمة وهويتها الحضارية تحت اسم "الشرق الأوسط الكبير"، هذه الظروف الجديدة تضاعف من أهمية الربط بين خوض معركة الحرية والاشتراكية وخوض معركة الوحدة العربية، ومن أهمية تطوير أدوات ومفاهيم جديدة لخوض هذه المعارك الثلاث بما يتلاءم مع التحديات الجديدة .

هذه التحديات تفرض مهام جديدة في مقدمتها تطوير الأيديولوجية وأساليب النضال الناصري. وهذا التطوير الذي هو من أهم خصائص الأيديولوجيات التي هي تعبير عن واقع سياسي واقتصادي واجتماعي محدد، وبدونه تفقد الأيديولوجيات قدرتها على بلورة أهداف النضال والتعبير عنها.

والتطوير الذي نعنيه يتعلق بالجوانب التكتيكية أكثر مما يتعلق بالنواحي الاستراتيجية . فإذا كانت دولة الوحدة العربية الاشتراكية الديمقراطية هي الهدف الاستراتيجي للأيديولوجية الناصرية، فإن الوعي بالتحديات الجديدة وأخطارها يفرض السعي من أجل تحقيق هدف تكتيكي وهو السعي من أجل تحقيق فيدرالية عربية تشارك فيها كل أو أغلب الدول العربية لإسقاط مشروع الشرق الأوسط الكبير بما يحفظ للأمة وحدتها ويمكِّنها من خوض معركتي الحرية والاشتراكية ضمن هذا الإطار الاتحادي أو الفيدرالي بدلاً من الانقياد لخطر التفكيك للوطن العربي ، والتفتيت الذي تتعرض له كثير من الدول العربية .

إن النضال من أجل هذا الهدف ليس سهل المنال لكنه نضال يفرض خوض معركة بناء قوة عربية وحدوية تكون بمثابة الإقليم - القاعدة يشارك فيه عدد من الدول العربية المؤهلة لذلك أو يقوده أحد التجمعات العربية الموجودة أو الممكن تكوينها في مرحلة لاحقة .

كما أنه يفرض خوض معركة مع الواقع الإقليمي والعالمي الذي سيحارب مثل هذا التوجه الوحدوي العربي الذي ترفضه الولايات المتحدة وتحاربه إسرائيل باعتباره ، أي التوجه الوحدوي ، خطراً على الأهداف الإمبراطورية الأمريكية والمشروع الصهيوني في المنطقة .

الوصول إلى هذا الهدف له ثلاث مسارات هي :
1 –
التحول الديمقراطي في معظم الدول العربية .
2 –
وصول مجالات التنسيق والتعاون إلى أقصى مدى ممكن لها من النضوج.
3 –
بروز الدولة – القاعدة – النموذج وقيادتها لعملية التوحيد العربية .

هذه المسارات تظل رهناً بوجود القوى الثورية الوحدوية القادرة على قيادة التفاعلات العربية في هذه الاتجاهات الثلاث : النضال من أجل الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية داخل كل دولة عربية ، والنضال من أجل مزيد من الاندماج العربي، والنضال من أجل استرداد مصر قومية عروبية وقائدة لحركة النضال العربي من أجل الحرية والاشتراكية دون تجاهل أو إهمال لكافة القوى الوطنية وبالذات القوى التي يتشكل منها تحالف القوى الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير الثوري .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر