الراصد القديم

2016/01/01

عام على قانون الايجارات: «الفوضى» باقية

هديل فرفور


لم تكن «المناكفات» المُستمرة بين المستأجرين القدامى ومالكي الابنية المؤجرة القديمة، «وتبادلهما» التظاهرات والبيانات خلال عام 2015، المظهر الوحيد لإشكالية قانون الايجارات الجديد. فالـ»فوضى» التي رافقت القانون منذ صدوره في أيار عام 2014، نتيجة «تنصّل» الدولة من مسؤولياتها في هذا الملف، خلقت إشكاليات عديدة ذات أبعاد خطيرة، لعلّ أبرزها وأفضحها: القرارات القضائية المتناقضة حول نفاذ القانون واختلاف المحاكم في كيفية تطبيقه.

هذه الفوضى لم تكن سوى نتاج طبيعي لسلوك العبثية الذي انتهج في مسار القانون. بداية، أُقر القانون في الأول من نيسان عام 2014 في مجلس النواب بمادة وحيدة. حينها، لم يتكبّد النواب عناء مناقشة بقية المواد التي تتجاوز الـ50 مادة، ولم يتنبّهوا إلى ضرورة البحث في أزمة السكن ووجوب إقرار ضمانات تحفظ حقوق المالكين والمستأجرين على حد سواء، إذ انتقت «النخبة السياسية» اقتراح القانون، من سلّة اقتراحات تتضمن حلولاً مختلفة لمسألة الايجارات القديمة في إطار سياسة إسكان شاملة.
«سلخ» النواب اقتراح القانون وأقرّوه من دون أن يُرفق بسياسة إسكانية واضحة. فكان القانون الذي يُسقط حق التعويض للمستأجر ويضعه أمام خيار «التهجير»، على حدّ تعبير المستأجرين الذين يشكون غُبن دولتهم ويرون أنهم عاجزون عن دفع البدلات المرتفعة الحالية للايجار في ظل المضاربات العقارية والارتفاع الجنوني لاسعار العقارات، تقابله أجور لا تراعي «الحد الأدنى» من مستوى المعيشة المرتفع في البلاد.
في المُقابل، وجد المالكون أنفسهم، أمام «فرصة» تتيح لهم استرداد «حقوقهم المهدورة على مر سنوات من البدلات الزهيدة التي كانوا يتقاضونها»، بحسب رئيس تجمّع المالكين باتريك رزق الله، الذي يرفض مبدأ التهويل، ويشير إلى أن صيغة القانون تتيح للمستأجر التمديد لمدة 9 سنوات (المادة 15) وذلك عبر زيادات تدريجية على بدلات الايجار.
كلام رزق الله يتناقض وما يقوله المستأجرين عن أن «الزيادات التدريجية ستكون مُكلفة على المستأجر وستجبره على إخلاء مأجوره عند السنوات الاولى لتطبيق القانون»، بحسب عضو الهيئة التأسيسية للجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين انطوان كرم. يستند كرم في حديثه إلى كيفية احتساب البدلات التي ينص عليها القانون. ولمن لا يعرف آلية دفع البدلات إذا جرى تطبيق القانون بصيغته الحالية، فإن المادة 15 من القانون حدّدت الآلية وفق التالية: عند السنوات الأربع الأولى لتمديد عقد الايجار، يدفع المستأجر 15% من قيمة فارق الزيادة بين بدلات الايجار القديم وبدلات الايجار الجديد، و20% من قيمة هذا الفارق عن السنتين الخامسة والسادسة من الفترة التمديدة حتى يبلغ بدل الايجار في السنوات الممددة السابعة والثامنة والتاسعة مبلغا مساوياً لقيمة بدل المثل الذي حدّده القانون بـ5% من القيمة البيعية للمأجور سنوياً. وفي نهاية السنة التمديدية التاسعة سيصبح الايجار حراً، ويستطيع المالك إجبار المستأجر على إخلاء منزله. مليون دولار هو السعر الوسطي للشقة في بيروت، بحسب دراسة شركة الاستشارات العقارية «رامكو» (راجع عدد الاخبار/ الخميس ١٣ شباط ٢٠١٤/http://www.al-akhbar.com/node/200555)، وفي احتساب بسيط، ووفق قانون الايجارات الجديد، سيحدَّد بدل المثل بـ 50 الف دولار سنويا (5% من القيمة البيعية للمأجور)، وبالتالي فإن ايجار الشقة سيكون بمعدل الـ4000$ شهرياً، وبالتالي فإن زيادة البدلات وإن كانت «تدريجية» في السنوات الاربع الاولى (عبر احتساب الـ15% من قيمة الفارق) من شأنها أن ترّتب أعباء على المستأجر القديم لا يستطيع تحملها. لا إحصاءات واضحة حول الوضع الاجتماعي لجميع المستأجرين والمالكين على حد سواء، إلا أن غالبية المستأجرين القدامى هم من كبار السن الذين لا يملكون خياراً بديلاً عن مسكنهم. «هناك مستأجرون كبار في السن وما من مالكين كبار في السن؟» يقول رزق الله للإشارة إلى حق المالكين في استعمال ملكيتهم. في الواقع، لا يُلام بعض المالكين على شعورهم بـ»الغبن»، أيضاً، ففي ظل الارتفاع الهائل لأسعار الشقق الذي يُنتجه النظام اللبناني بسياسته ومذهبيته، يجد بعض الملاكين انهم «مظلومون»، نظراً لعدم قدرتهم على «استثمار» فرصة أتيحت لهم في ظل النمط الريعي السائد الذي ينتهجه النظام. «كنت أقبض 175 ليرة، وادفع 200 ليرة إيجار، كل 5 سنين المالك كان يطلّع حق الشقة»، تقول السيدة دوزريه المستأجرة في فرن الشباك منذ عام 1960. وتضيف ممازحة: «العمر ما عاد يحرز، ينطرو علي 5 سنين وبفلّ (في اشارة الى تقدمها في السن)». يواجه المستأجرون اتهامات المالكين لهم بـ»احتلال» أملاكهم واستخدامها مقابل أسعار بخسة، بحجّة السيدة دوزريه نفسها. «نحن لسنا شحادين»، يقول العميد المتقاعد شوقي حمدان، المستأجر في الحمرا، ويلفت إلى أنه «دفع خلوّا للمالك عندما استأجر في الحمرا»، وبالتالي «حق المالك ليس مهدوراً، هناك مالكون اشتروا بنايات بأسعار بخسة إدراكاً منهم بأنها تحوي مستأجرين قدامى، وبالتالي هم يراهنون على إصدار قوانين تخدم الشركات العقارية»، يقول حمدان مُضيفا: القضية مسألة كرامة، ماذا يعني أن يُطرد المستأجرون بهذه الطريقة؟ أو يهدّدون عبر إنذارات إخلاء؟».
«مشكلتنا مع الدولة» هذا ما يتفّق عليه المستأجرون والمالكون

«يعزّ» على المستأجرين أن يُتهموا بـ»المحتلّين». في رأيهم «هم ناس بيروت الاصليين». «وين كان المالك لما ضليت بالحرب دافع عن بيتي؟ كان بفرنسا»، تقول السيدة المستأجرة في الاشرفية بلكنة حادة.
«بيروت مدينة طاردة لسكانها»، هذا ما يقوله المعماري رهيف فيّاض عندما يُشير الى النمط الريعي الذي شهده لبنان والذي أدّى إلى «طرد» سكانها الأصليين من ذوي الدخل المتوسط وما دون، وحوّلها إلى مقرّ للأثرياء الفاحشين الذين يستفيدون من الريع لزيادة ثرواتهم، وهو ما يتوافق والخلاصة التي ذكرتها دراسة «رامكو» :«على راغبي السكن في بيروت أن يزدادوا ثراءً حتى يتمكّنوا من التملك في العاصمة».
«صحيح أن قانون الإيجارات القديمة أصبح غير عادل منذ تدني قيمة العملة الوطنية منذ منتصف الثمانينيات، وصحيح أنه ضمن حق السكن بشروط غير متكافئة، فظُلم مالكون واستفاد منه مستأجرون من ذوي المداخيل المرتفعة جداً، ولكن في فترة إعداد القانون، كان يتعين أن يعاد تحديد الشروط بشكل عادل». هذا ما قاله المحامي نزار صاغية في الاول من نيسان من عام 2015، بمناسبة إطلاق مبادرة وضع مشروع قانون الحق في السكن تصويبا «للمسار التشريعي الذي أتى مبتوراً عند إقرار القانون الجديد».
القانون وفق صاغية، هو «تحرير المالك من عبء الإسكان من دون أن تأخذ الدولة على عاتقها هذا العبء، الا على نحو مجتزأ وملتبس مع ما يحتمله ذلك من أهداف خفية أو غير معلنة على صعيد الاستثمارات أو الفرز الطائفي والطبقي». وبالنتيجة، بحسب صاغية، «جرى تجريد المستأجر من ضمانة السكن المتمثلة بالتمديد القانوني من دون أن يعطى أي ضمانات بديلة موازية».
«مشكلتنا مع الدولة»، هذا ما يتفّق عليه كل من المستأجرين والمالكين، «طرفي النزاع» يريان ان الراعي الاجتماعي لحق السكن هو الدولة وهي المسؤولة عن تأمين الحقوق، مناصفة بين المالكين. الا انه فعليا، وعلى عكس «المفروض»، عمدت مكوّنات الدولة الى التنصل من مسؤلياتها.
عندما تقدّم عشرة نواب بالطعن في القانون في تموز عام 2014، أصدر المجلس الدستوري قرارا أبطل بموجبه مادتين ونصف مادة (7 و13 والفقرة ب من المادة 18)، وهي المواد التي تنص على إنشاء لجنة خاصة للنظر في استفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق الخاص للإيجارات السكنية.
لم يحدد المجلس اذا كان القانون نافذا ام لا، واختلفت وجهات النظر القانونية بين من رأى ان هذه المواد المبطلة مرتبطة بأكثر من ثلاثين مادة، وبالتالي لا يمكن تطبيقها ومن وجد ان القانون قابل للتطبيق ما عدا المواد التي ابطلت، وان القاضي المنفرد له الحق في ان يحل مكان اللجنة.
عند بداية عام 2015، اجتمع رئيس مجلس القضاء الأعلى مع قضاة الإيجارات على مختلف درجاتهم لتبادل فهم قرار المجلس الدستوري، حينها وشدّد على ان لا رأي ملزما للقضاة، لتشهد الشهور المقبلة بعد حديث القاضي أحكاما قضائية متناقضة على مستوى البداية والاستئناف، بين قضاة عمدوا الى تطبيق القانون 160/92 القديم وقانون الايجارات الجديد، مُحدثين بذلك فوضى مسّت «الأمن القضائي»، وفق ما صرّح به مرة القاضي فهد، كما مسّت المساواة بين المواطنين الذين ما عادوا يعرفون على اساس اي قانون يجري التقاضي.
خلال هذه الفترة، كانت لجنة الادارة والعدل تعقد جلسات نقاش لاجراء تعديلات على القانون.
في 27 نيسان، أنهت اللجنة التعديلات بعد 15 جلسة عُقدت على مدار 5 أشهر، من دون أن تتمكن من طرح اي صيغة توّفق بين الحق بالسكن وحق مالك المأجور بملكه، وأبقت إشكالية القانون. وعلى الرغم من عدم رضى الطرفين بالتعديلات «الشكلية» التي حصلت، الا ان مجلس النواب لم يقرها بعد.
في مثل هذا اليوم، صرّح رئيس مجلس النواب بأن قانون الايجارات الجديد غير نافذ، هذا الموقف بقي تصريحاً ولم يُرفق بأي خطوة عملية. عُقد مجلس النواب في شهر تشرين الثاني لإقرار قانون استعادة الجنسية اللبنانية فيما لم يُبحث قانون الايجارات.
«يجوا يشيلوني من البيت»، يقول مُراد كرم، المستأجر في الجميزة في تحدّ لأي محاولة لتطبيق القانون، فيما يحذّر المالكون من دعوات التمرّد على القانون وتبعاته.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر