الراصد القديم

2016/02/02

منذ 25 عاماً، هكذا اغتيل أبو إياد

 
أحمد نظيف 

كأيام الشتاء القصيرة في تونس، كان المطر يهطل بغزارة في ضاحيتها الشمالية. سماء المدينة غصّت بالسحب السوداء، كأنها تستعد لحدادٍ طويل في ذاك الرابع عشر من كانون الثاني 1991، يومٌ مضى متثاقلاً كدهر. خلاله، ألقى حمزة أبوزيد السيجارة من فمه، واندفع كالمجنون إلى داخل بيت القياديّ "الفتحاوي" هايل عبد الحميد المعروف بـ "أبو الهول"، وإنهال برصاص مسدسه الـ"توغاريف" على الجالسين. قتل الرجل الثاني في "منظمة التحرير الفلسطينية" صلاح خلف (أبو إياد) بسيلٍ من الرصاص، ومساعده فخري العمري، وأصاب أبو الهول الذي ما لبث أن فارق الحياة. وكان أبوزيد أحد حرّاس هذا الأخير. خلال دقائق، خسرت الثورة الفلسطينية ثلاثةً من كبار قادتها برصاصٍ فلسطينيّ وتخطيطٍ ما زلت الأيام تأبى كشف كلّ تفاصيله، بعد ربع قرنٍ على الجريمة.
حينها، كان العالم يحبس أنفاسه استعداداً لحرب "عاصفة الصحراء" ضد العراق في الخليج العربي. فتسلّل الشاب الفلسطينيّ حمزة أبوزيد ليسرق جزءاً من الاهتمام العالمي والعربي بأخبار الحرب، فتتحول تونس شتاء العام 1991 إلى دائرة الضوء الإعلامي. وانطلقت التحليلات والتخمينات في توزيع الاتهامات بين "الموساد" وأجهزة المخابرات العربية حول مَن يقف خلف إنهاء حياة الرجل الثاني في "منظمة التحرير" ورئيس جهاز أمن الثورة الموحّد. مهما يكن المخطّط، فقد رحل في تونس "الرجل الخطير" إلى الأبد، بعدما أوجع إسرائيل كثيراً، وفي مواضع عدّة، من ميونخ إلى الأرض المحتلّة مروراً ببيروت.

وقائع الرحيل
صباح الخامس عشر من كانون الثاني 1991، نشرت وكالات الأنباء العالمية والقنوات التلفزيونية تفاصيل الجريمة. كان صبري البنا (أبو نضال) يتابع الأخبار بشغف في مقر قيادة منظمته، قرب ميدان السويحلي، في العاصمة الليبية طرابلس. ضحِك بملء شدقيه. أخيراً تخلّص من عدوّه اللدود. في الجهة الأخرى، كان حمزة أبو زيد قد استسلم لقوات الكوماندس التونسية التي حاصرت بيت أبو الهول، واقتيد إلى جهاز أمن الدولة بوزارة الداخلية مكبلاً. لاحقاً، سلّمته الوزارة لجهاز أمن الثورة الفلسطينية كي يخضع للتحقيق.
في شهادته التي نشرها خلال العام الماضي في صحيفة "دنيا الوطن" الفلسطينية، يروي فؤاد نجار، أحد مرافقي أبو إياد، وقائع الحادثة كالتالي: "كنا في موعد عند الساعة السابعة مساء مع الناطق باسم جماعة أبو نضال، المنشقّ عنها عاطف أبو بكر. وكان الموعد في منزل أبو محمد العمري. وبعدما ذهبنا إلى منزل العمري، ألغى أبو إياد الموعد، وقال للعمري: دعنا نؤجله، وتعال نذهب بالسيارة. وفعلاً، تمّ له ذلك. ولكن، في أثناء سيرنا، علم أبو إياد أن أبو الهول وصل اليوم من بغداد. فقال له العمري: لنذهب إلى منزله، ونرَه. بعدما وصلنا إلى منزل أبو الهول، جلس القادة الثلاثة وكنت أنا مشغولاً مع مسؤول الأمن لدى أبو الهول وقتها، فجاء شاب اسمه حمزة قدّمه إليّ مسؤول الأمن أحمد سعيد، وسألني: هل تعرفه؟ فقلت له: لا".
في اعترافاته أمام المحقق الفلسطيني، سرد حمزة أبو زيد تفاصيل تجنيده في صفوف منظمة أبو نضال، وكيف اخترق الجهاز المكلّف بحراسة عضو اللجنة المركزية لـ"حركة فتح" هايل عبد الحميد (أبو الهول). شرح وقائع الجريمة لحظة بلحظة. يقول أبو زيد في محضر التحقيق الفلسطيني، الذي كشفت عنه غطاء السرية مجلة "الوسط" اللندنية، في العام 2001: "في 14/1/1991، خرجت إلى حديقة بيت أبو الهول، وكانت الساعة حوالي الثامنة والنصف مساءً. رأيت سيارة سوداء مصفّحة، فسألت الحارس أمام الباب الرئيسي للبيت علي: مَن الزوار عندنا؟ فأجابني بكلامٍ لم أفهمه. عندها، دخلت إلى غرفة المرافقين المجاورة للباب الرئيسي لأقف إلى جانب علي، وكنت متأكداً من أن الزائر هو أبو إياد، وذلك من خلال مرافقيه الذين شاهدتهم في غرفة المرافقة. بقيت أنتظره في الخارج قرب مكان توقف السيارات في الممر الداخلي، وأترصد خروجه لأطلق عليه الرصاص وانسحب... انتظرت كثيراً حوالي أكثر من ساعتين، لكن أبو إياد لم يخرج".
يضيف أبو زيد: "استغليت دخول علي إلى غرفة المرافقين المجاورة للباب الرئيسي، ورحت إلى باب منزل الأخ أبو الهول وقرعت الجرس. وبعدما فتحت الشغّالة الفيليبينية الباب، دخلت المنزل واتجهت مباشرة إلى الصالة وكان موجوداً فيها الأخ أبو محمد الذي لا أعرفه وأبو إياد وأبو الهول، قاعدين وبينهم الطاولة الصغيرة. فقلت: مساء الخير، ووجّهت بندقيتي إلى أبو إياد، وصببت النار بغزارة باتجاهه، وأصيب أبو محمد العمري بطلقاتي في كتفه اليسرى، والأخ أبو الهول أصيب عند مروره من أمام مرمى النيران، واستمرّ سائراً على قدميه وخرج من الباب". خارج البيت، كان فؤاد النجار ورفاقه يرابطون في غرفة الحراسة الدافئة، حتى صعقهم صوت الرصاص. يقول النجار: "حوالي الساعة 11، سمعنا صوت إطلاق نار. وقتها، جاءنا سيناريو أبو جهاد الذي اغتيل على يد قوات الكوماندس الإسرائيلي قبل عامين. فخرجنا خارج السور، لم نجد شيئاً. ثم خرج أبو الهول، وقال: حمزة اغتال أبو إياد، وكان مصاباً برجله. وعندما حاولنا الدخول إلى المنزل، أغلق حمزة الباب، وكان مصفّحاً. بعدما تأكد من موت أبو إياد، أسرع حمزة أبو زيد إلى باب المنزل، فسمع صوت المرافقين قادمين. عاد مسرعاً إلى الداخل، ثم صعد الدرج إلى الطابق العلوي ليقفز من باب الشرفة إلى الشارع. في أثناء صعوده الدرج، قابلتْه أم الهول وابنتها رولا، تريدان النزول. فأجبرهما على الصعود، واحتجزهما كرهائن، لائذاً بغرفة في الطابق العلوي.
ينقل اللواء الفلسطيني محمود الناطور (أبو الطيب) عن زوجة أبو الهول شهادتها قائلاً: "أسرعت زوجة أبو الهول إلى الغرفة الملحقة، حيث وجدت ابنتها ذات السبعة عشر ربيعاً مكومة في سريرها، فأخذتها بين ذراعيها وسمعت أقداماً تصعد السلم. اقتحم حمزة عليهما الغرفة، وأغلق الباب وصاح بهما: الإسرائيليون هنا. لقد أصابوا أبو الهول. فصاحت: هل هو حيّ؟ دعني أدخل وأرَه. فقال لها: لقد جُرح، ولا تسأليني أكثر من هذا. جلست المرأتان معاً على الأرض، والابنة تصرخ والأم تحاول تهدئتها، بينما حمزة يجول في الحجرة صامتاً. أخذ يلتقط أشياءً صغيرة عن مائدة الفتاة زينة، وراح يفحصها ثم يضعها مرة أخرى ثم يحدّق من النافذة. رأى البرق وسمع الرعد وكان المطر يتساقط. كان الظلام شديداً في الخارج، وسمعته زوجة أبو الهول يشتم عاطف أبو بكر، أحد المنشقّين من منظمة أبو نضال، وأقسم أن يقتله. ثم أخذ مظروفاً من جيبه، وبحث فيه عن حبة، ابتلعها، ثم ابتلع أخرى، وأخرى، على مدى الساعات الخمس التي احتجزهما فيها كرهائن. سمعوا سيارات تتوقف أمام المنزل، ووقع أقدام هنا وهناك. لقد وصل البوليس التونسي". تواصلت المواجهة حتى ساعات الصباح الأولى، عندما استسلم حمزة لقوات الأمن التونسية، تحت تأثير الغاز الذي غمر الغرفة وحبوب "الهلوسة" التي أنهكت جسده النحيل. كان أبو نضال قد غادر العاصمة الليبية على أول طائرةٍ أقلعت إلى بولندا، فيما أعلن أبو عمّار حالة الاستنفار القصوى في صفوف تنظيم "فتح" وقوات الثورة الفلسطينية في كلّ مكان. وبدأ التحقيق.

كيف تمّ التخطيط؟
منذ أواخر الثمانينيات، عمل جهاز أمن الثورة الموحّد بقيادة أبو إياد على تفكيك منظمة أبو نضال واختراقها من الداخل في سبيل إنهاء وجودها. كان أبو نضال قد وجّه لمنظمة التحرير ولحركة "فتح" ضربات موجعة في مواضع كثيرة. نجح أبو إياد في إقناع القيادي بتنظيم أبي نضال عاطف أبو بكر بالانشقاق عنه. وكان أبو بكر سفيراً سابقاً وقيادياً في حركة "فتح"، لكنه في منتصف الثمانينيات تركها ليلتحق بفتح الانتفاضة ثم بأبو نضال. كان انشقاق أبو بكر ضربةً قاصمة لمنظمة أبو نضال، التي كانت تعاني، أصلاً، نزيفاً في الأفراد وسمعةً بلغت الحضيض، يومذاك. وصل عاطف أبو بكر إلى تونس آتياً من ليبيا، وأعلن بصحبة عدد كبير من أفراد المنظمة الانشقاق عن أبو نضال، ووجدوا في تونس دعماً واستقبالاً كبيراً من قادة "فتح". منذ تلك اللحظة، وضع أبو نضال غريمه، أبو إياد، على قائمة أهداف بندقيته، وبدأ البحث عن مُنفّذ. كان أحرص على الحياة من أن يفعلها بنفسه.
في خريف العام 1987، وجد التنظيم ضالته في شابٍ فلسطينيّ يُدعى حمزة أبو زيد، كان يشتغل سابقاً في "القوة 17" في أمن رئاسة "منظمة التحرير". هو من مواليد السافرية - يافا في 1963، ومن سكان مخيم "الوحدات" في الأردن. تمّ تنظيمه في الجماعة من أجل تنفيذ العملية، مستفيدين من تاريخه الفدائيّ في صفوف "منظمة التحرير". في اعترافاته التي نشرتها مجلة "الوسط" اللندنية، يروي أبو زيد باستفاضة قصّته مع أبو نضال، قائلاً: "في بداية شهر أيار 1989، كلفني خليل – أحد مساعدي أبو نضال في يوغسلافيا - بالسفر إلى ليبيا. وعند وصولي إلى مطار طرابلس وبلوغي الصالة، استقبلني المدعو عيسى جرادات (مساعد أبو نضال) وبقيت في أحد مقار المنظمة حتى نهاية شهر تشرين الاول عندما حضر إلى غرفتي عيسى ومعه شخص عرفني عليه باسم الرفيق نعيم (نعيم يوسف، من رجال أبو نضال) الذي أطلعني على ملف يضم قصاصات من الجرائد، كلها تتحدّث عن أبو إياد والتصريحات غير المسؤولة له، ومنها تصريحه أن الثورة الفلسطينية لم تخرج من بيروت، وبقي ثلاثة آلاف مقاتل في بيروت. بعد هذا التصريح بفترة قصيرة، حدثت مجزرة صبرا وشاتيلا. وأيضاً، أراني قصاصة من جريدة مصرية تتحدّث عن ثروات أبو إياد في الكويت وأملاكه، وأيضاً قصاصات ممكن أن تكون مطبوعة تتضمن أن أبو إياد هو السبب في اعتقال ثوار ومناضلين. بعدها، قال نعيم إنه يجب أن نضع حدّاً لهذا الإنسان. وبدأ بتوصيف دقيقٍ يضع حدّاً لأبو اياد، وفهمت من نبراته أنه يقصدني. فقلت إن هذا ليس بسيطاً، وتجب استشارتي. فقال بحزم: نحن تنظيم ولسنا شركة سياحية، وهذا ترشيح لك وأنت تقدر على العودة إلى فتح وتنفيذ العملية".
ويضيف أبو زيد: "في اللقاء المطوّل السابع الذي حدث بيني وبين نعيم في غرفتي بالمقرّ، وكان ذلك في شهر كانون الأول، وضع لي نعيم خطة للرجوع الى أبو الهول، والعودة إلى حركة فتح، وطلب مني التردّد على مكتب المنظمة لمعرفة وصول أيّ من قادة فتح الى ليبيا، خصوصاً أبو الهول. وقال لي: يتردّد على بيت أبو الهول العديد من القادة، وبإمكانك تنفيذ قتل أبو إياد عند زيارته بيت أبو الهول، خصوصاً عندما يتم تعيينك ضمن حرس بيت أبو الهول. استمرّت هذه التعبئة حوالي أربعة أشهر. في أواخر نيسان 1990، حضر أبو عمار وأبو الهول إلى ليبيا لحضور احتفالات "القرضابية"، وأيضاً لإحياء مناسبة ذكرى استشهاد أبو جهاد، وفعلاً، ذهبت إلى القاعة، وشاهدت أبو الهول وأبو عمار جالسَيْن على المنصة. في اليوم التالي، ذهبت الى مكتب المنظمة وسألت حارس المكتب عن مكان إقامة أبو الهول، فأجاب الحارس، ويُدعى سامي، أن أبو الهول مقيم في فندق. فذهبت الى الفندق المذكور حاملاً برأسي الرواية التي ساعدني نعيم على تأليفها لأسردها أمام أبو الهول. سلمت عليه ثم جلست وقلت: أخ أبو الهول، أنا بدي أرجع، وبدي أعيد علاقتي، وأنا أخطأت في السابق بهروبي من عندك، وأنا على استعداد لتلقي أية عقوبة تفرضها عليّ، وأنا مستعد لأية محاكمة ولأن تحاسبني على أي قصور سابق ارتكبته. وأتمنى أن تقبل عودتي ثاني مرة لعندك. وفي يوم سفره، قال الأخ أبو الهول لمرافقه: اقطع تذكرة لحمزة ليسافر إلى تونس. رافقته إلى باب الفندق، حيث باسني قبل سفره قائلاً: لا تنسَ يا حمزة أن تأتي إلى تونس. أجبته: أنا بأمرك".
قبل سفره إلى تونس، مسرح الجريمة، التقى حمزة أبو زيد بقائده أبو نضال لأخذ التوصيات الأخيرة، لكأنه يطلب البركة منه قبل أن يُجندل الرجل الذي استأمنه على نفسه ورفيقيه بدم بارد ومن دون أن يرفّ له جفن. يروي أبو زيد في اعترافاته وقائع اللقاء بأبي نضال قائلاً: "حضر نعيم، وقال بدنا نتقابل مع أبو نضال. ومباشرة نزلنا إلى الشارع، حيث ركبنا سيارة بيجو كان ينتظرنا بداخلها عيسى. وصلنا إلى المقرّ، وبعد لحظات من دخولنا، دخل أبو نضال وهو يلبس بدلة سفاري لون عسكري، متوسط الطول ومعتدل البنية، زلمة كبير بالعمر بالخمسينيات، أصلع. تقدّم مني، وعندما صافحته قال لي: الرفيق أبو نضال. ثم أمرنا بالجلوس، ووجّه حديثه لي: أنا أحبّ الشباب الذين عندما نأمرهم بأمر ينفّذونه. نحن اخترناك لهذه المهمة وبدّك تنفذها. أنا مسؤول التنظيم، بيدي أن أجعلك وأهلك تتمتّعون بحياة سعيدة. وإذا تقاعست، بيدي أن أدمّرك وأهلك. ثم شرح لي كيفية التنفيذ، بقوله: عند حضور أبو إياد لبيت أبو الهول عليك أن تستخدم سلاح الحراسات الذي معك وتطلق النار بغزارة وعن قرب على أبو اياد وتصويب النيران على الجزء الأعلى من جسده وتتأكّد من موته. وبعدما تتأكّد من قتله، تهرب إلى تونس المدينة، ومباشرة إلى القرى الشمالية التي تقع على حدود تونس، ونحن نستطيع التقاطك هناك. وطمأنني إلى أني إذا اعتُقلت، فإن التنظيم سينفّذ عمليات مقابل استردادي وتخليصي، ووعدني بمكافأة وحياة كريمة لي ولأهلي".

اختراقات في جسم الثورة
منذ كانت في الأردن، تعرّضت الثورة الفلسطينية لاختراقات قاتلة. كانت العاطفة والمزاجية تقود كل شيء، العلاقات والقرارات. فعلى سبيل المقارنة، كانت ثورات التحرّر الوطني في الجزائر وفيتنام تنتهج مساراً صارماً يصل حدّ التصفية الجسدية في معاقبة المتهاونين، وتختبر عناصرها بقسوة مفرطة. على العكس تماماً، كانت الصرامة الثورية غائبةً عن الساحة الفلسطينية. اللواء المتقاعد أحمد عبد الكريم الحيح، المعروف في أوساط الثورة بـ "بن بيلا"، شارك في بداية السبعينيات في محاولة تغيير نظام الملك حسين في الأردن، والتي سعت لتنفيذها "منظمة أيلول الأسود" بإشراف أبو إياد. فشلت العملية واعتُقل "بن بيلا"، ثم بعد مسار عسير، تمّ إطلاق سراحه. يقول: "توجّهت إلى بيروت للقاء القيادة، وطلبت من أبو إياد تفسيراً واضحاً لأسباب فشل العملية. لكنه رفض أن يوضح الأمر طالباً مني نسيان الحادثة. تبيّنت لاحقاً أننا كنا مخترَقين من المخابرات الأردنية. لقد ذهب الشباب ضحايا التهاون وعدم الحذر والإعداد الأمني". يرى "بن بيلا" أن هذه العملية هي مجرد مثال بسيط على التهاون الأمني الذي كان مستشرياً في الثورة الفلسطينية في محطاتها الثلاث، من الأردن إلى تونس مروراً ببيروت.
يضيف "بن بيلا": "بعد عملية الأردن، التقيتُ أبو إياد وقلت له بالحرف: أنت لا تحسن اختيار الرجال للمهام الصعبة والخاصة. كان القادة الفلسطينيون مزاجيين إلى حدّ كبير في اختيار العناصر وفي اتخاذ القرارات المهمة. كانت الثورة تتطلّب قدراً من الصرامة والشدة. للأسف، كان الثوريون الفلسطينيون متسامحين إلى حدّ أفسد الثورة. فمثلاً، كيف يُسمح لعنصر هارب كحمزة أبو زيد أن يعود للعمل مرافقاً للقادة حاملاً للسلاح من دون التحري عن فترة هروبه ومع مَن كان يتعامل؟ لاحقاً، وخلال حصار بيروت، هرب من أبو إياد كلّ مساعديه ورجاله، لكنني بقيت معه حتى خروجنا إلى دمشق ثم تونس. وفي تونس، عملت مديراً لمكتبه ومشرفاً على أمنه الشخصي. لكنه لم يكن يلتزم كثيراً بالإجراءات الأمنية التي وضعناها، حتى وصل الأمر حدّ الخلاف بيننا. يومها، قال لي إن أمنه الشخصي جزء من حياته الخاصة ولن يقبل بالتدخّل. آثرت أن أترك العمل مع الشهيد على أن أكون مسؤولاً عن أيّ أذى يمكن أن يُصيبه، وكان حدسي يحدّثني بذلك. فقد كان رأس الرجل مطلوباً من أكثر من جهة. قبل أن أتركه، قلت له: سيأتي عليك يوم تُقتل برصاص مرافقيك. كان أبو إياد رجلاً مؤمناً وقدرياً لا يهاب الموت ويكره أن يكون في الأقبية. وطوال حصار 1982، رفض الدخول الى الملاجئ. وجاء في يوم من أيام الحصار فتحي، مرافق أبو عمار، وأبلغني أن أحضر أبو إياد إلى مكان يوجد فيه أبو عمار تحت الأرض بثلاثة طوابق. وما إن وصلنا المدخل حتى رفض أبو إياد الاستمرار، وقال لن أقابل أحداً في الأقبية. كان بالنسبة إلي أكثر من قائد، كان أباً". ولا يُخفي "بن بيلا" شكوكه بتقاطع أكثر من جهة في عملية الاغتيال إلى جانب أبو نضال، بينها "الموساد" الذي كان يلهث خلف رأسه.
في شهادته التي بثّتها قناة "الحوار" اللندنية في العام 2011، لا يستبعِد القيادي السابق في منظمة أبو نضال، عاطف أبو بكر، أن يكون القاتل قد التُقط من جهاز الموساد الإسرائيلي، خلال إقامته في أوروبا الشرقية، تحديداً في بولندا. ثم تمّ تنظيمه في المجلس الثوري. وغمز أبو بكر جهة الجانب الليبي، قائلاً: ليبيا كان لها مصلحة أيضاً في إنهاء حياة أبو إياد، فهي لم تغفر له بعض التصريحات ضد القيادة الليبية منذ حصار بيروت وصولاً إلى مرحلة الانشقاق وما بعدها". وأشار إلى أن القاتل حمزة أبو زيد، قبل مغادرته ليبيا، التقى مع مسؤول في الأمن الليبي بصحبة نعيم يوسف، القيادي في المجلس الثوري والمسؤول عن عملية الاغتيال". لكن، كلّ التحليلات التي تشير إلى تورّط ليبي أو حتى تورّط فلسطينيّ من داخل "منظمة التحرير"، لم ترقَ إلى درجة اليقين، لغياب أيّ دليل واضح، بخاصة أن منظمة أبو نضال حاولت في وقت لاحق السماح لهذه التحليلات بالرواج كي تُخلي مسؤوليتها عن دم أبو إياد.
في مقرّ قيادة قوات شهداء صبرا وشاتيلا في اليمن، انعقدت محاكمة حمزة أبو زيد، بعدما رفضت تونس محاكمته أو إعدامه على أراضيها. ويقال إن ضغوطاً أميركية وإسرائيلية مورست على حكومة بن علي يومذاك لاتخاذ هذا الموقف. فتمّ نقله إلى طائرة يمنية آتية من المغرب، بصفته عضواً باللجنة المركزية لحركة "فتح"، ليعامل معاملة كبار الزوار، إمعاناً في التمويه، وفقاً لرواية اللواء طارق أبو رجب. لاحقاً، قضت محكمة الثورة بإعدام أبوزيد، ليتم ذلك في عرض البحر، قبالة السواحل اليمنية، ولتستقر جثته في القاع، فيما استقرّ القادة الثلاثة، أبو إياد وأبو الهول وفخري العمري، في مقبرة الشهداء في تونس، منتظرين تحرير فلسطين ليعودوا إليها ولو في توابيت.


صلاح خلف في سطور
على أطراف مدينة يافا، ولد في العام 1933 الصبي صلاح خلف، الذي سيُعرف لاحقاً في أوساط الثورة الفلسطينية بكنية "أبو إياد". في المدرسة "المراونية"، تعلم أبو إياد، وفيها أنهى المرحلة الإعدادية. وفيها أيضاً، التحق بــ "أشبال النجادة "وهو تنظيم ظهر خلال فترة الاستعمار البريطاني. عاش النكبة بكلّ تفاصيلها، وهاجر مع عائلته من يافا إلى غزّة عبر البحر، هرباً من إرهاب المنظمات الصهيونية. صار واحداً من لاجئي الفقر، يعمل إلى جانب مزاولة الدراسة من أجل سدّ نفقات عائلته.
بعد حصوله على الشهادة الثانوية، غارد غزّة إلى القاهرة. في العام 1952، صار طالباً في كلية الآداب في "جامعة الأزهر"، وهناك تعرّف إلى ياسر عرفات. عملا معاً ضمن الحركة الطالبية في إطار"رابطة الطلاب الفلسطينيين"، وكان عرفات رئيساً لها وأبو إياد نائباً له. في بداية العام 1955، صار أبو إياد رئيساً للرابطة. بعدها بعامٍ واحد، عاد إلى غزّة مدرّساً للغة العربيّة، لكنه ما لبث أن غادرها نحو الكويت للعمل. هناك، التقى مجدداً بأبو عمار، ونشط في صفوف حركة "فتح"، حتى محيط العام 1967. عندها، تفرّغ تماماً للعمل الوطني وتولى مهمة إنشاء ورئاسة أول جهاز أمني للثورة الفلسطينية عرف حينها باسم "جهاز الرصد الثوريّ".
بعد أحداث عجلون وأيلول في الأردن، توجّه لتأسيس "منظمة أيلول الأسود" التي نفّذت العديد من العمليات الانتقامية ضد الأردن وضد إسرائيل، منها اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، وعملية ميونخ في العام 1972. وخلال وجود الثورة الفلسطينية في بيروت، عمل على تأسيس "جهاز أمن الثورة الموحّد" مع أبو حسن سلامة وأبو داود وفخري العمري، مشكّلاً شبكة علاقاتٍ واسعةٍ مع أجهزة استخبارات عربيّة وأجنبيّة عدّة.
بعد حصار بيروت وخروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان، غادر نحو دمشق، ثم استقر في تونس، حيث مقرّ قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية". لكنه ما لبث أن عاد إلى طرابلس في شمال لبنان خلال الحرب مع المنشقين عن "حركة فتح"، لتتم محاصرته مع ياسر عرفات، وينتهي الحصار بخروجٍ نهائيّ لقوات "فتح" من لبنان.
في تونس، تم اغتياله.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر