الراصد القديم

2016/02/01

جنيف 3 أو أوسلو: نحو تأسيس نكبة العرب الكبرى الثانية في سوريا


مطاع صفدي

بقي جيلنا عقوداً متوالية منذ أربعنيات القرن الماضي وحتى أوائل العشرية الثانية من القرن الحالي الواحد والعشرين، بقينا جميعاً نتحدث عن فلسطين بوصفها نكبة لشعبها، ومن ثم لأمتها العربية وحضارتها الإسلامية كافة! وها نحن اليوم وقد شارفنا على تحوّل ثورة سورية إلى نكبة لها ولنهضة العصر العربي بكامله. هل أصبح هذا العصر الضائع يحمل على منكبيه في وقت واحد كلاً من نكبة فلسطين ونكبة سوريا معاً، كلا النكبتين لهما ذات المرجعية الواحدة، إذ أن صانعهما الأول هو هذا المصطلح المشؤوم: المجتمع الدولي ـ وهو المصطلح الذي تختفي وراءه هيمنة أقوياء العالم أو أقواهم غالباً: أمريكا، كيما تمارس مصالحها الإستثمارية ضد ضعفاء العالم، وأضعفهم منذ عقود هم العرب والمسلمون دائماً. من حيث عجز هؤلاء المتمادي عن حماية استقلالهم الوطني وحفظه بما يُكافىء أدوارهم الإنسانية، وتجاربهم الحضارية للأمس والغد.

منذ حوالي سبعين عاماً أعدَّ ((المجتمع الدولي)) هديته الكبرى، المنتظرة لما بعد الحرب العالمية الثانية بسلب فلسطين من جغرافيتها الأولية : طَرَدَ شعبها من بيوت آبائهم وأجدادهم، سَرَقَ الأرض من أصحابها وأعطاها إلى شعب آخر لا يمتلك أرضاً منذ آلاف السنين.
نَزَع المجتمع الدولي عن أكثرية سكان فلسطين صفةَ المواطنة المتوارثة ليأسرهم في صنف اللاجئين، جعل عيشهم ما بعد الوطن تشريداً دائماً على أبواب الأوطان الأخرى. أسّس لهم كياناً فريداً من نوعه صار له اسم نكبة فلسطين.

ما يفعله المجتمع الدولي راهنياً إزاء العرب والمسلمين، عبر الشام خصيصاً، هو إعادة صياغة هذا البلد بما يجعله وطناً كارثياً لنموذج النكبة المستدامة، هي الثانية ما بعد نكبة فلسطين. وقد تكرر كل آليات تفعيل البنية الكارثية المعهودة، مع تطورات وفوارق تأتي بها مصائب سورية، المتراكمة آثارها التدميرية منذ السنوات الخمس العجاف الماضية؛ ها هي تدخل الآن تحت رسم التصنيع الدبلوماسي، بما يؤهلها لأن تكوّن طَيّعِةً أسيرَة، كلياً تقريباً، لنوازع استثمار الخارج في أخصّ شؤون الداخل للبلد المعذّب، الممنوع من حريته. بموجب قرار دولي، وبما لا يبقي فقط على هذا المنع خلال ظروف الفوضى الدموية، بل يجعله ساري المفعول على ما يعقبها من نتائج السلم الخادع. ذلك أن معنى النكبة، لا يُحصر في تمادي الشرور الطارئة وحدها، بل هي في ديمومة ما يؤسس قابلية الإنتكاب. تماماً كالحالة الفلسطينية التي يعيش شعبها في متاهات أطول ثورة/نكبة في هذا العصر ومنذ عقود مديدة، دونما نهاية ما.
قابلية المجتمع للإنتكاب قد تشكل له طبيعته الَخَلْقية الثانية. لن تظلّ نتاجاً للكوارث الطارئة، بل لها دورها الأولي في انتاج أضرارها. يبقى أن فاعلي الانتكاب ليسوا هم من سلالةٍ سحرية خارقة، هم (بلديون) غالباً. ومواطنون، وقد يصحبهم أشباح الخراب في ضواحيهم، أي أن قابلية الانتكاب ليست هي بمثابة غريزة فطرية بقدر ما يكون المجتمع قد اكتسبها من أحوال الإضرار به المتمادي بدون قدرة على ردّه. هذا ما اصطلحنا عليه باسم الشر المحض. فلن يكون الشر محضاً خالصاً لذاته إلا عندما تتجاوز أحداثه أسبابها ونتائجها. عندما تغدو حتى لغة السياسة اليومية عاجزة عن تسميته، فالنكبة هي الوصية الضامنة لأصناف سلوكياتها، هي التي تفرض على ضحاياها مصائبها مقرونة ببراهين تحقيقها المحتومة غير القابلة للدحض المباشر، حتى، وأساساً من قبل أقوى ضحاياها هؤلاء أنفسهم.

النكبة، بسبب طبيعتها المستدامة، تتابع نشر مسلسلات من الوقائع السلبية المعمّمة من داخل بؤرها الأصلية في موطنها الأول، لكنها تنقله من دوائر جيوسياسية واقتصادية وعسكرية إلى أوسع المحيطات حولها، وإلى ما يتجاوزها زمانياً ومكانياً. فالنكبة الفلسطينية ما عتَّمت حتى أصبحت نكبة عربية حدّدت وظيفتها المركزية في الصميم من كل تحولات المستقبل القومي الذي أتى بعد انفجارها الأول، منذ الغزوة الصهيونية الدولية الكبرى عام 1948 م، أي ما يزيد عن نصف قرن من تاريخ النشأة الإستقلالية للدول العربية الحديثة فقد تتابع إرتهانُ سياستها الوطنية والقومية تحت هاجس الخوف من عقابيل النكبة، ومن تمددها، لكن دون التخلي عن مشاريع مقاومتها. لم يعرف ذلك العصر حدثاً انقلابياً في قطر من المشرق إلا والنكبة كانت عنوانَ تسويغه المنطقي و(الثوري).

تلك هي حروب العرب الرسمية مع الكيان الإسرائيلي الوليد كثمرة للنكبة، وما يليها من كوارث هزائمها للأنظمة الحاكمة العربية، كل هذه الذاكرة الهائلة المضطربة لعودة العرب إلى ساحة الدول الحديثة؛ لم تستطع أن تتحرر من كابوس هذه النكبة. لم تتمكن من كسر قانونها الأساسي المتسلط على الحدث العربي العام الذي وقع، وعلى ما لم يقع منه بعد. ذلك القانون الذي أثبت حتى اليوم أنه هو التجسيم الواقعي لجبل (الإله) سيزيف الأسطوري؛ إذ يحكم على كل مُصطدِم به، أو صاعد متسلق على صخوره الوحشية إلى قمته، ما أن يبلغ تلك القمة حتى تزلَّ به قدمه ليسقط إلى عميق الهاوية تحته التي تنتظره منذ بداية مغامرته في تحديها.

نكبتنا الأولى في فلسطين لم تستنفد قواها بعد كيما يقال أن أقدارنا الحاقدة أعدت لنا النكبة الجديدة الثانية في فلسطين (الكبرى) التي هي شامنا المفجوعة كل يوم بأبشع المهالك الجماعية، متوأمةً دائماً مع أقذر الدبلوماسيات، أهلوياً ودولياً. حتى يكاد بعضنا يخاطب نفسه والآخرين في حفل جنون متواصل، يناديهم هكذا: أيها القوم لقد بكيتم أندلس الشمال منذ قرون، بكيتم فلسطين في ظهيرة القرن العشرين، وها أنتم تبكون أخيراً أندلسكم الأصلية، هذه التي تحتلُ مساحة الصميم من تاريخكم الغابر، ومن مصيركم العاثر. (إنهم) يصنعون لكم، وأنتم شركاؤهم بالقوة أو بالفعل، العينّات الفارقة من كل أصناف همجيات التاريخ، لكي يأتوكم بالنكبة النهائية وهي في صيغتها المطلقة هذه المرة. الممتنعة مقدماً على كل شهادة نزيهة، على كل تفسير عقلاني، حتى لا تشوبها أية مؤثرات خارجة عن صنوف شرورها الفريدة.

تذكروا أيها الأصدقاء (أنهم) هم عينهم ما أن استكملوا عناصر نكبة فلسطين، حتى أودعوها ما يُسمّى بالنفق الأسود للمفاوضات (أوسلو)، حيثما هناك تعفّنت كل الأفكار المصطنعة والمقترحات المشبوهة، والسيناريوهات المنافقة. لقد قالوا أنه حان أوان التصفية. فمن كان المقصود من موضوع التصفية عبر كل حفلاتها الصاخبة. هل هي النكبة، أو الأقل من عواملها الثانوية، بل هي التصفية الواقعة فقط على رؤوس (أعداء) النكبة، من المعارضين والمقاومين الحقيقيين؛ والمناضلين الصادقين.

هكذا إذن أيها الأصدقاء، نحن من أبناء الجيل الأول المعاصر لصناعة نكبة فلسطين، كتبنا عنها آلاف الصفحات. لكننا نعترف أنها لم تستطع أن تغير من نتائجها الكالحة مبدأً واحداً. ونقول للجيل المعاصر لسوريا النكبة الثانية: إنكم لن تتعايشوا مع (أوسلو) جديدة. لم يجفّ حبْر الأولى بعْدُ حتى تستولوا على حبْر الثانية. ومع ذلك لن نتمكّن نحن، كما أنتم منذ اليوم، من مبارحة محكومية قابلية الإنتكاب هذه. كأنما لم تعد مجرد طبيعة ثانية مكتسبة (طارئة). بل كادت أن تصير لنا هي الطبيعة الأولى. هل عَدوْنا شذراً مذراً من شعوب (سيزيف). هل لم يعد بيننا من لايزال ثائراً عليه وعلى أسطورته حقاً.

نعم: لن نُصدق أبداً أنه يمكن لسوريا أن تؤسس مصنعاً، ومن ثم سوقاً لإنتاج مسلسلات هذا المصطلح الكالح الكئيب: النكبة الثانية؛ وذلك بالرغم من تدخل أحابيل (أوسلو) القادمة. تلك (العقيدةْ) هي البقية الباقية من ذخيرة الرواد الأوائل، هؤلاء الذين لم يعرفوا شيئاً، لم يتنبؤوا بشيء عن أوسلو قبل وقوعها بعقود. لكن الجيل الثالث أو الرابع الحاضر الذي يعاصر اليوم النهايات الدرامية لقصته مع النهضة العربية المغدورة، هو الذي عليه أن يقطع الطريق على تدشين أوسلو أخرى لنكبة ثانية موصوفة بالسورية لتكون عربية شاملة وإسلامية، وربما كونية، هل نَعِد أنفسنا بالتصدي لمستحيل (قوموي) جديد!، ومن ثم الإنهزامي المنتظر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر