الراصد القديم

2016/02/02

جمال عبد الناصر.. الساحر العظيم في عصر غير العصر


صفوت حاتم

... ان مصير الشعوب لا تقرره كبوة عارضة وإنما يقرره حجم الإرادة الوطنية  والقومية واستعدادها لتقبل الخطر وتحمل الصعاب . وليس يخيفنا ان تكون هناك بقاع غالية من أراضينا تحت احتلال العدو , ولكن يخيفنا أكثر ان تعيش أوطاننا كلها غير متنبهة للخطر المحيط بها راضية بالإستسلام تخلط بينه وبين السلام , بينما العدو يمضي في تنفيذ مخططاته العدوانية بغير قتال ويحقق ما يريد بغير مواجهة وينتصر عليها وهي في غيبوبة لاتميز فيها بين العدو والصديق , بين التسلل المنظم والأمن الخداع " . ( جمال عبد الناصر , خطاب في 23 يوليو 1969 ) .

الفصل الأول

عصر الشعوب .. وعصر القياصرة الرأسماليين !!

هل هي محض مصادفة أن تظل ذكرى الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر " حية فيالضمير العربي بعد أكثر من ثلاثين عاما من رحيله ؟

وهل هي محض مصادفة أن يلتحق بأفكاره ومبادئه شباب لم يكونوا قد ولدوا حينغاب هو عن دنيانا ؟!!

1 – لعل أهم إنجازات الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر " - وهي في رأيي كثيرة – انه أول زعيم عربي يفتح للجماهير العربية بوابة التاريخ التي كانت مغلقة دونهم لقرون طويلة. لقد عاشت الجماهير العربية مع عبد الناصر أحلاما كبيرة عن الوحدة العربية والكرامة وعاشت معه رغبتها الجامحة في العودة كفاعلة في تاريخ البشرية بعد أن طردوا من ساحة الفعل والمشاركة في صنع
التاريخ خلال أزمنة الانحطاط .

هذا يفسر – في رأيي – الشعبية الجارفة التي لا زال يتمتع بها عبد الناصر رغم مرور ثلاثين عاما على رحيله .

فالجماهير العربية خارج مصر لم تستفد من إنجازات عبد الناصر المادية (الإصلاح الزراعي وتوزيع الملكية الزراعية على صغار الفلاحين .. التأميم ومشاركة العمال في أرباح المنشآت الصناعية .. التعليم المجاني وتوسيع قاعدة التعليم لدى الجماهير الفقيرة .. الى آخر كل المنجزات المادية التي لم يستفد منها الا الشعب العربي في مصر ) حتى يمنحوه كل هذا الحب والتقدير الإستثناني الذي لم يحصل عليه أي قائد في التاريخ العربي .

لقد شرع " عبد الناصر " أبواب التاريخ للعرب وبشكل مذهل ليعبروا منها حلقة التخلف الاجتماعي والتجزئة والانقسام والانحطاط . وربما سيستعيد العرب لقرن قادم هذه التجربة كما يستعيدون حتى هذه اللحظة تجربة الخليفة العادل "عمر بن الخطاب " .

2 – لقد كان غياب عبد الناصر - كما يقول جورج قرم في كتابه الممتاز " إنفجار المشرق العربي " - بمثابة نهاية لعصر , لا نهاية لمأساة . فلقد تغير بسرعة الوجه السياسيي للعالم العربي , وأخذت المنطقة تنعطف رويدا رويدا في خلال السبعينات, بإتجاه اليمين, على نحو غير محسوس ولكن أكيد , بعد أن كان يحكمها أثناء العهد الناصري الروح اليسارية التي سيطرت على الجمهور العربي والتي كان تعبر عن نفسها في الشغف بالتحديث الإشتراكي والمعاداة الواضحة للإمبريالية ورفض واضح للتعايش مع الكيان الصهيوني وعلو نبرة تحريرية واضحة لفلسطين , والوقوف أمام التفسير الرجعي للدين وبشكل خاص الإسلام .

لقد تبدل الحال بشكل جذري بعد وفاة عبد الناصر وبشكل يصعب تصديقه , فموجة العداء للغرب أفسحت المجال لسياسات وأقوال ترى في الغرب " المخلص " للعرب من كل مشاكلهم وأولها مشكلة الصراع العربي الصهيوني التي حكمت المنطقة وتوجهاتها في الحقبة الناصرية على نحو حاد , وهكذا أصبح للغرب 99 في المائة من أوراق حل المشكلة كما عبر عن ذلك – أول مرة - أنورالسادات . لقد قاد  السادات هذا التحول الرهيب في حياة الأمة العربية , فبعد أن كانت سياسة الموالاة للغرب تمارس سرا من بعض الأنظمة العربية , تحول الأمر الى سياسات تؤيد الغرب علنا . وهكذا إنتشرت مع التعاظم المفاجئ والفج في الثروة
النفطية , موجة من المتاجرات والمضاربات المالية , وكشف العالم العربي مرة أخرى عن وجهه المحافظ في السياسة والفكر والدين والثقافة. وستبرز حقبة صعود "
الناصرية " في الخمسينات والستينات بإعتبارها " إستثناء " قصير العمر في تاريخ عربي طويل من المحافظة السياسية المؤسساتية .

ان المأساة بقيت كماهي . فخارج الحلقات الضيقة المستفيدة من النفط وريعه , سيستمر تعمق قاعدة الفقر المدقع بين أوساط الجماهير , وسيتعمق معها الأنشطار الحاد بين الفقراء والأغنياء في داخل كل قطر عربي وبين الأقطار العربية وبعضها البعض . وستزداد أحاسيس المهانة والشعور بالذل حيال تفتت العالم العربي وضعفه أمام الآخر المتقدم في الغرب أو إمتداده الحضاري على الأرض
العربية " إسرائيل " .

إن المحافظة السياسية والفكرية التي عرفتها مصر بعد عبد الناصر ستتخطى حدود مصر وتتجاوزها لينزلق العالم العربي كله في هذه النزعة المحافظة , بما في تلك الأنظمة التي ترفع شعارات أو واجهات "يساروية " في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ( قبل الوحدة مع الشمال ) . بل أن الأمر سيطال المقاومة الفلسطينية , لتصبح سياسة مغازلة الغرب نهج كامل ومسيطر في السياسة العربية الرسمية . بل أن قطاعات كبيرة من النخبة المثقفة التي رأت أن عجلات الزمن تدور في الإتجاه المعاكس , لم تلبث أن إلتحقت بنهج "الواقعية السياسية " في حركة " للخلف در " , خصوصا بعد أن إنهار المعسكر الإشتراكي إنهيارا مدويا وما صحبه وماتبعه من إحساس عارم بالخزي من هشاشة البناء الذي شيدت عليه أول تجارب البناء الإشتراكي في التاريخ والسهولة العجيبة التي أنهار بها .

وهكذا إنهارت شعارات الإشتراكية والعدالة الإجتماعية وإختفت من ساحات الجدل السياسي , وأصبح الفكر الإشتراكي فكرا مهجورا ’ يخجل البعض من الحديث عنه أو الترويج له بتأثير الضغط الكبير للفكر الرأسمالي المسيطر سياسيا وإعلاميا . وبعد أن كان الفكر الرأسمالي في موقع الدفاع عنه نفسه خلال حقبة الستينات , إنقلب الحال وأصبحت الإشتراكية تتوارى وراء شعارات عامة ومبسطة
ولم تعد ضمن بنود الدعاية أوالترويج للأحزاب التي تتبناها وتدعو لها !!

لماذا وصلنا إلى هذه النهاية الحزينة ؟.. لماذا إستبد بنا الكابوس بثقله ووحشيته وإبتزاله ؟.. لماذا سقط الحلم العربي بهذه السهولة ؟

قبل الإجابة نقص عليكم قصتين واحدة من فرنسا والثانية من وطننا العربي , ربما يكون فيهما مدخلا لموضوعي عن العصر .

فرنسا .. وديجول

3- في يوم 11 يونيو 1940 طار " ونستون تشرشل " رئيس ووزراء بريطانيا وقائدها في الحرب الأوروبية الثانية( 1939 – 1945 ) الى مدينة " تور " الفرنسية في محاولة لإقناع القادة الفرنسيين بالإستمرار في الحرب ضد الغزو الألماني . لم تكن باريس قد سقطت بعد ( سقطت في 14 يونيو 19440 ) ولكن القادة الفرنسيين كانوا قد إستسلموا فقرروا نيابة عن الشعب الفرنسي أن تستلم فرنسا . ولم تجد زيارة " تشرشل " شيئا .

فلما هم تشرشل بدخول طائرة العودة دخل معه جنرال فرنسي شاب . كان هو " الجنرال ديجول " الذي أختار منفردا أن يقاوم الغزو الألماني وأن يحرر فرنسا . كانت كل المعطيات الموضوعية ضد إختياره : قوة العدو كاسحة و وفرنسا مسحوقة . وبطل فرنسا العتيد " الماريشال بيتان " الذي كان يحظى من أجلال الفرنسيين بما يقارب التقديس كان هو رئيس الحكومة التي قررت الإستسلام. وإنجلترا الحليف الوحيد لفرنسا كانت تقف وحيدة في جزيرتها تنتظر ما كان يبدو مصيرا محتوما بالسقوط . وكان " شارل ديجول " وحيدا ايضا . لم يكن وراءه حزب , ولا جماهير ولا جيوش ولا أموال ولا حتى أعوان . كان كل ما يملكه " إيمانا صوفيا مطلقا "بأنه قادر على تحرير وطنه وأنه يجب أن يحرره . ولقد بدأت به حكومة " فرنسا الحرة " , أو فلنقل أن قد بدأت فيه فرنسا الحرة فلم يبق وحيدا . إنحاز اليه الأحرار في فرنسا وفيما وراء البحار بدون تردد أو مناقشة , كما لو كانوا ينحازون الى فرنسا ذاتها . ولقد كان ديجول مؤمنا ايمانا صوفيا مطلقا أنه رمز فرنسا وتجسيدها العيني في إنسان . وكان أحرار فرنسا يقبلون منه هذا الإيمان
ويؤمنون به ويعترفون له إعترافا غير قاب!
ل للمناقشة بأنه رمز فرنسا وتجسيدا البشري حتى لو كانوا ينقدون بعض ما يفعل .
ولم تلبث فرنسا الحرة أن أصبحت تملك الجيوش وتشارك في الحرب وفي تحرير فرنسا
.

العرب .. وعبد الناصر



4 – في كتابه " ملفات السويس " , كتب الأستاذ " محمد حسنين هيكل " عن  العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 يقول : " ... كان قادة الغزو العسكري في لندن وباريس وتل أبيب يرددون ان الخبرة السياسية تؤكد أنه في اللحظة التي يتم فيها توجيه الإنذار لمصر ثم يلحق به القصف الجوي , فإن مصر سوف تستسلم وأن القيادة السياسية سوف تنهار لأن الجماهير المصرية المصابة بالفزع ستخرج الى الشوارع في مظاهرات ضد حكوماتها وسوف تحطم وتحرق وينتهي كل شيئ في مصر قبل أن يبدأ الغزو الفعلي ... ولابد من الإعتراف بأن تقديرات قادة الغزو لم تكن خاطئة تماما فلقد إجتمع عدد من الساسة القدامى على عجل بمنطق إنقاذ ما يمكن إنقاذه ورأى بعضهم بضرورة تأليف وزارة تستطيع التفاوض مع الإنجليز , كما رأي بعضهم بضرورة أن يترك العسكريون الحكم للمدنيين وأن يذهبوا الىوحداتهم حتى " نثبت للعالم اننا نجد ولا نهزل ونفعل ولا نقف عند الكلام وشقشقة اللسان " .

وعنما بدات الغارات الجوية على مصر في يوم 30 أكتوبر عام 1956 هرع " جمالعبد الناصر " الى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة . وكان مكتب السيد " عبدالحكيم عامر " حينما دخل اليه " جمال عبد الناصر " مزدحما بعدد من الزواربينهم بعض أعضاء مجلس الثورة القدامى وعدد من الوزراء وعدد من قادة القواتالمسلحة . وكان الجو مشحونا بالقلق والعصبية , ونتيجة لهما إحتدت الآراء وإنقسمت.

دعاة الواقعية السياسية

5 - وبين هذه الآراء ظهر رأي تبناه السيد " صلاح سالم " - عضو مجلس الثورة السابق – وكان محكوما بالمنطق " الواقعي " الذي وجد مصر تواجه ثلاثة أعداء في وقت واحد , بينهم إثنتان من القوى الكبرى , وهو حجم من القوة لاقبل لمصر بمواجهته , ومن ثم فقد إقترح " صلاح سالم " " بأسى وحزن " انه لا خيار امام جمال عبد الناصر غير الإستسلام وبسرعة قبل أن يتمكن الطيران
المعادي من تدمير مرافق مصر الحيوية وتمزيق جيشها وتهديم مدنها .

وفي اللحظة التي دخل فيها " جمال عبد الناصر " القاعة كان " صلاح سالم " يشرح رأيه " الواقعي " . ولم يتراجع " صلاح سالم " عما كان يقوله وإنما كرره امام " جمال عبد الناصر " واضاف إليه " انك قمت بخدمة عظيمة لهذا البلد وضحيت كثيرا من أجله والآن فقد كتبت عليك المقادير أن تضيف لتضحياتك تضحية أخرى وأن تقبل تسليم نفسك . إن " إيدن " اعلن في خطابه ان الحرب تستهدفك أنت وليس الشعب المصري , فإذا عرفوا انك على إستعداد لتسليم نفسك توقفت الحرب على الفور " . ثم إستطرد " صلاح سالم " قائلا انه يعرف إن السير " همفري تريفيليان " السفير البريطاني في القاهرة لم يغادرها بعد وإذا توجه " جمال
عبد الناصر " لمبنى السفارة وسلم نفسه فإن ذلك كفيل بحل الأمور " .

6- ولم يفقد " جمال عبد الناصر " اعصابه لهذا الذي سمعه , فقد أدرك ان أبعاد الموقف أهم من اي إعتبار يتعلق بالإشخاص . ومضى يشرح وجهة نظره فقال : " إنه لو كان يعرف ان المعركة هي شخصه لإبتعد بأي وسيلة عن مسرح الحوادث , ولكن
المستهدف هو مصر وشعبها , وغذا لم يقف الشعب المصري في هذا الموقف ويخوض المعركة دفاعا عن وطنه ومستقبله فإن مصير الأمة العربية كلها يصبح معرضا للضياع " .

وكما رفض الرئيس " عبد الناصر " إستقبال الساسة القدامى التقليديين والقبول بمنطق " إنقاذ ما يمكن إنقاذه " , فقد رفض في الوقت ذاته منطق صلاح سالم "من الساسة الجدد وتصرف تصرفا يتفق مع شخصيته وفهمه لشعبه وأمته وتاريخها .

ففي اليوم التالي مباشرة اي الجمعة 1 نوفمبر كان " عبد الناصر " يعتلي سيارة جيب مكشوفة لأداء صلاة الجمعة في وسط الناس . وقد كانت محطات الإذاعة الرئيسية قد ضربت بالقنابل لأسكات صوت مصر , وطلب جمال عبد الناصر تحويل كل الإذاعات الى الموجات الإضافية الباقية وكان أول ما سوف يذاع هو صلاة الجمعة بما قيها خطابه للمصلين بعد إنتهاء شعائر الصلاة .

ووقف " جمال عبد الناصر " على منبر الأزهر ليعلن بصوت مشحون " إننا جميعا سوف نقاتل ولن نستسلم وسوف أقاتل معكم الى آخر قطرة من دمي وسوف يقاتل كل الشعب الذي أصبح السلاح في يده جنبا الى جنب مع الجيش " .

وعندما خرج " جمال عبد الناصر " من الأزهر كانت الجماهير قد تدفقت الى طريق موكبه في صيحة واحدة مدوية " حنحارب .. حنحارب " , وهي الصيحة التي أصبحت شعار تلك الأيام الوحيد . الصيحة التي جمعت الشعب المصري والشعب العربي على
هدف واحد إكتسح امامه صدمة المفاجأة التي وجدت فيها مصر نفسها تواجه في ميادين القتال أثنتين من القوى الكبرى ومعهما إسرائيل .

تأميم المصالح الأجنبية في مصر

7- ويسجل تاريخ هذا اليوم ثلاثة إجراءات قام بها " عبد الناصر " فور عودته من الأزهر . الأول : إسترداد كل منابع البترول المصري من الشركات الإنجليزية التي تحتكره , وتم الإستيلاء عليه في نفس اليوم وإعتبر " عبد الناصر " ذلك أمرا مكملا لتأميم قناة السويس . والإجراء الثاني كان هو فرض الحراسة على كل المصالح البريطانية والفرنسية في مصر وكانت تشمل البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية . واعتبر " جمال عبد الناصر " ان وضع الحراسة على هذه المصالح هو تدعيم للإقتصاد الوطني أثناء المعارك الحربية . والإجراء الثالث الذي إتخذه " عبد الناصر " كان التحفظ على ممتلكات حوالي ستة آلاف من الأجانب معظمهم من اليهود و وإعتبر " جمال عبد الناصر " ان هذه تصفية نهائية لما تبقى من عصر الإمتيازات الأجنبية .

لقد كان المعنى العميق لهذا " التأميمات الجديدة " أن عبد الناصر قد وسع من جديد نطاق الحرب والمواجهة مع الغرب لتتعدى مجرد " تأميم " لمرفأ حيوي هو قناة السويس ليشمل بإجراءته الجديدة مجمل مصالح الدول الغازية وأفرادها جالياتها المقيمة في مصر والتي كانت تسيطر على مواقع إقتصادية إستراتيجية وحساسة ... لم يكن هناك إذا مجال للتراجع أمام الغزو الأجنبي أو تهديداته !!!

وختم " جمال عبد الناصر " هذا اليوم المشحون بأن طلب من إسرته إعداد حقيبة له وذهب الى مقر مجلس قيادة الثورة في " الجزيرة " ليعمل ويعيش فيه , وكانت وجهة نظره أن جميع المحاربين الآن بعيدين عن أسرهم وهو واحد منهم , ومن ناحية أخرى فلم يكن يريد أن يكون في هذه اللحظات مع زوجة وأبناء وأن تتأثر قراراته ولو من بعيد بأية مشاعر قرب عائلي بما يحمله هذا من عواطف أو إنفاعلات .

الثقة في الشعب بالدرجة الأولى

على أي قوى كان يستند عبد الناصر في قرارته بتوسيع نطاق المواجهة والحرب ؟

8 – ان تجربة النضال الوطني عام 1956 أثبتت بما لايدع مجالا للشك أن لحظات النضال الوطني تستدعي كل مقومات الأمة على التوحد والتحالف في مواجهة الخطر الخارجي .

ومن نفس المنطق كان قرار " عبد الناصر " بتوزيع السلاح على المواطنين , " لأن الجيش يجب أن يشعر أن الشعب معه في نفس الخندق " .

وقد جرى بالفعل توزيع مائة وخمسين الف قطعة سلاح . ولقد إندمج في هذا النضال الوطني كثير من الوطنيين المصريين من مناصري جماعة " الأخوان المسلمين " و المنظمات الماركسية الذين هيأوا مسرح القنال لعمليات فدائية حقيقية ونسوا كثير من خلافاتهم وإعتراضاتهم على عبد الناصر .

واللافت للنظر في وقائع هذه الأيام أن بعض كبار المسئولين في نظام عبد الناصر كانوا يعترضون على موقفه بتوسيع نطاق المواجهة وبشكل خاص قراره بتوزيع السلاح على المواطنين وذلك خشية أن يؤدي توافر السلاح في ايدي المواطنين الى عواقب يصعب التنبؤ بها .

وكان رد " جمال عبد الناصر " انه " يستبعد تماما حدوث شغب في هذه الظروف , لأن الشعب يغضب ويثور ويحطم إذا احس أن الحكومة في ناحية وهو في ناحية أخرى . واما إذا احس الشعب أنه هو والحكومة في نفس الموقف فإنه يتفاعل معها ولا
ينقلب عليها . واضاف " عبد الناصر " : " إن المسألة مسألة ثقة بالدرجة الأولى " .

دلالة الركود العربي التاريخي

9 – نعم كان " جمال عبد الناصر " يتمتع بذلك " الإيمان الصوفي المطلق "الذي كان يتمتع به " الجنرال ديجول " بأنه يجسد في شخصه قيم الكرامة والحرية التي تختزنها أمته وأن الشعب العربي قادر على المقاومة وان المسالة – كما قال هو نفسه – مسألة ثقة في الشعب بالدرجة الأولى .

هذا الأمر ( الثقة بالشعب ) لم يستطع أن يدركه الساسة القدامى أو الجددة أو يدخلونه في حساباتهم وهم يطالبون " جمال عبد الناصر " بتسليم نفسه للغزاة عندما بدأت غارات الطائرات البريطانية والفرنسية عام 1956 تحت دعوى " إنقاذ ما يمكن إنقاذه ".

ما فهمه عبد الناصر ولم يفهمه هؤلاء, أنه من السهل على القيادات أن تنقذ الجسور والمصانع والسدود من الإنهيار والسقوط و ولكن من الصعب عليها إنقاذ الأمة إذا ما إنهارت كرامتها وسقطت إرادتها .

إنه نفس الدرس الذي يتكرر يوميا في حياة الأمة العربية ويعمق من الهوة السحيقة بين قيادة من نوع " جمال عبد الناصر " ( قيادة من العيار الكبير شعبيا وتاريخيا) وبين الآخرين الذين يدعون قيادة باطلة أو زعامة هوجاء .

10- لقد كان " جمال عبد الناصر " هو الزعيم العربي – ربما يكون الوحيد - الذي أدرك مبكرا دلالة " الركود التاريخي " للمجتمعات العربية " وحاجة هذه المجتمعات للتخلص من موروثات عهود الإحتلال والحكم الأجنبي وما أفرزه من قيم
الخوف من الحاكمين والتقوقع على الذات وعدم المبالاة والهروب من مواجهة الظالمين . فلقد توالى على حكم مصر قائمة طويلة من الحكام الأجانب منذ عام ( 525 ) قبل الميلاد , بدأت بالفرس وإنتهت بالإنجليز طوال الفين وخمسمائة عام . ولعل طبيعة إقتلاع الحكم الأجنبي خلال تلك السنين على يد قوة أجنبية أخرى , لاعلى يد الشعب - رغم محاولاته المتعددة للتمرد – كان مسئولا عن تكريس قيم الخوف والتجاهل وعدم المبالاة . وقد تكرس هذا النوع من القيم بصفة خاصة خلال عصر المماليك .

11- لقد ذكر عبد الناصر في فلسفة " الثورة " كيف أن المصريين كانوا يهرعون الى بيوتهم حينما تنشب المعارك في الشوارع والميادين بين المماليك ويقفلون على أبوابهم على أنفسهم , ويصعدون الى السطوح لكي يشهدوا نتيجة المعركة ومنها يعرفون اسم حاكمهم الجديد . كانت المعارك تدور ويتصرف المصريون إزاءها كأن " لا ناقة لهم فيها ولا جمل " . ومن هنا تولدت قييمة عدم الإكتراث بالمسائل العامة وإرتبطت بذلك قيمة أخرى وهي ممالأة الحاكم والتظاهر بطاعته , الى أن يقتل أو يموت . ويقول عبد الناصر في " فلسفة الثورة " : ان الطبقة الحاكمة الأجنبية لم تكتف بامتصاص دماء المصريين وإنما حاولت أن تجتث من عروقهم أي إحساس بالكرامة . ( مصر في ربع قرن 1952-1977 و معهد الإنماء العربي )

الكرامة : الداء والدواء

12- لقد وضع " عبد الناصر " يده على موضع الداء الاساسي في الشخصية العربية : الكرامة المجروحة تاريخيا بسبب الغرب الإستعماري المتفوق وضغوط أعوانه من المستبدين .

يقول عبد الناصر: " ان العزة والكرامة كانتا دائما جزءا من الشعب واننا إذ نقول ان هذه الثورة اقامت العزة وأقامت الكرامة إنما نعني ان هذه الثورة ثبتت العزة والكرامة وجعلتهما حقيقة واقعة لأن هذا الشعب كافح طويلا من أجل عزته ومن أجل كرامته واستشهد منه من استشهد وشرد من شرد من اجل هذه الكرامة التي كنا نراها دائما في الصدور وكنا نراها في النفوس التي كانت تمثيلا خفيا أو ظاهرا في كل فرد من أبناء الوطن " . ( حفل كلية أركان الحرب يوم 29 نوفمبر 1954 )

بعث الكرامة في النفوس الجريحة ؟

13 - لقد لمس " جمال عبد الناصر " مبكرا طبيعة المآساة الماثلة في الشخصية العربية وهي إنجراح الكرامة الوطنية والأحساس الدفين بالدونية تجاه الغرب المتفوق .. ففي حديث له في المؤتمر الوطني بجامعة القاهرة يوم 3 ديسمبر 1953 نراه يقول : " ان العامل الأول للحرية هو التجرد التام من روح الإستعباد وروح الخوف والفزع و ويجب ان يكون الحاكم والشعب قوتين متعادلتين  فإذا لم يكن الشعب قويا فإن الحكم لا يكون عادلا , ولكي يكون الشعب قويا يجب أن يكره الإستبداد وينفر من الإستعباد ولا يعرف للخوف والفزع معنى " .

إن عبد الناصر يحدد هنا الخطوة الأولى لكي يدرك الشعب عناصر كرامته الوطنية وهو كره الإستبداد ورفض الإستعباد .

ولكن الإحساس بالكرامة الشخصية والوطنية قد يكون غريزيا , وقد يؤدي في حالات معينة الى سلوكيات مشوهة وسلبية .

14 - إن جهد " عبد الناصر " التاريخي تمثل في محاولاته الدؤوبة نقل الجماهير العربية من مستوى الإحساس الغريزي بالكرامة .. " الكرامة التي كنا نراها دوما في الصدور والنفوس .. الكرامة التي كانت تمثيلا خفيا في كل فرد من أفراد الأمة "

كيف يمكن نقل الجماهير الى مستوى الوعي الفعال بالكرامة ؟

يقول عبد الناصر في خطاب له بفرع هيئة التحرير بالوايلي يوم 7 ديسمبر 1953 :" إننا نلقي جميع الأوزار على الحكام السابقين وحدهم واريد أن اقول ان اي حاكم اذا ترك وحده لن يستطيع أن يتغلب على نزعات نفسه والنفس أمارة بالسوء ولهذا يجب ان يكون الشعب متيقظا متسلحا بالمعرفة ... اننا نريد لهذه الأمة ان تكون مصدر السلطات وهذا لن يتأتى الا بالمعرفة والتيقظ ومعرفة كل فرد حقوقه وواجباته "

المعرفة أو الوعي الموضوعي بالكرامة وعناصرها هو السلاح الثاني الذي إستعمله
" جمال عبد الناصر " في تحريك الجماهير وخلخلة ركودها التاريخي بتاثير
الإستبداد والإستعباد .

لكن الوعي بالكرامة وعناصرها الوطنية لم تكن تعني لدى " جمال عبد الناصر " أناشيد وطنية وخطب حماسية او " شقشقة لسان " كما إدعى الساسة القدامى .

15 - لقد أدرك " عبد الناصر " أنه لا يمكن إيقاظ الوعي الجماعي بالكرامة الوطنية وتنميته إلا من خلال حشد الجماهير في مواجهات ومعارك المتصلة .

من خلال المعارك المتتالية كان " عبد الناصر " يقود الشعب العربي غير مبال بحسابات النصر او الهزيمة . فالشعوب لا تتعلم الكرامة في الكتب ولا تتلقن مبادئها عبر الإذاعات . إنها تمارسها في ميادين المعارك وفي ساحات المواجهة فالنصر يزيد من ثقة الشعوب في نفسها ويحفزها على إجتراح المستحيلات , والهزيمة تظهر معدنها وتشحذ مقاومتها ما دامت تدافع قضايا عادلة وعن مصلحة قومية .

من هذا المنظور الشخصي جدا أدعي أن حقبة عبد الناصر كانت حقبة المعارك الكبرى من أجل الكرامة الوطنية .

وفي إعتقادي أن إستراتيجية عبد الناصر القتالية تلك لم تخب - ولو مرة واحدة - في توقع رد الفعل الشعبي حتى في لحظات الهزائم .

المحارب لا يهدأ

16 - منذ اللحظة الأولى لظهوره وحتى الدقيقة الأخيرة في حياته كان عبد الناصر المحارب الذي لا يهدأ لتأسيس وعي عربي جديد ومخالف عما سبقه .

لقد كانت أفكار الوحدة العربية والقومية العربية موجودة قبل عبد الناصر وترفع
شعاراتها أحزاب عربية كحزب البعث والقوميين العرب . ولكن القومية العربية
تحولت مع عبد الناصر الى معارك يومية ضد اعداءها : الإستعمار.. االرجعية
العربية .. الشعوبية .

إنه لايكتفي بالتنظير والخطب الحماسية بل هو يقود معارك حقيقية : معركة الأحلاف الأجنبية .. معركة السويس .. معركة الوحدة مع سوريا وقيام الجمهورية المتحدة .. معركة الإنفصال .. معركة الجزائر .. معركة اليمن .. معركة بناء
السد العالي .. معركة بناء الإشتراكية .. معركة الحصار الإقتصادي .. معركة إزالة آثار العدوان .. معركة الإستنزاف .. معركة فلسطين ودعم المقاومة الفلسطينية ..

لقد كان " جمال عبد الناصر " , في كل هذه المعارك , يؤسس لوعي عربي جديد ومخالف تماما للوعي العربي التقليدي الركودي العشائري القبلي الطائفي المحافظ .

إستجابة جماهيرية غير مسبوقة

17 - من الشائع اليوم القول أن معركة السويس عام 1956 هي التي كرست زعامة عبد الناصر العربية وعبرت به من حدود القطرية المصرية الضيقة لبلتحم بالجماهير العربية العريضة من المحيط للخليج .

نعم هذا صحيح . وإنما من غير الشائع الحديث عن الدور الذي لعبته الجماهير العربية في معركة السويس التي قادها عبد الناصر . وأن التأييد الشعبي العربي الذي كان يحصل عليه في معاركه :ان له أبلغ الأثر في القفز به من مجرد زعيم محلي محدود الى زعيم عربي له وزن كبير في السياسة الدولية بسبب قيادته لكل هذه الكتلة البشرية الممتدة من المحيط الى الخليج ... كتلة قادرة على التصدي للمصالح الأجنبية دونما تحريض مباشر من " عبد الناصر " .

فعندما نسف الضباط العروبيون في سوريا - مثلا - محطات ضخ البترول بعد العدوان الثلاثي على مصر , وتوقف ضخ البترول الى البحر المتوسط وجدت أوروبا نفسها في لحظة واحدة بدون قناة السويس وبدون البترول .

ويذكر " محمد حسنين هيكل " في هذا الصدد ان وزير الخزانة البريطاني " هارولد ما كميلان " هرول من مكتبه رقم 11 " داوننج ستريت " الملاصق لمقر رئاسة الوزراء في 10 " دواننج ستريت " يحمل له نبأ الكارثة الجديدة قائلا : " لقد توقف بترول الشرق الأوسط تماما وبدأ الجنيه الإسترليني يتعرض لضغط عنيف , ويقرر خبراء وزارة الخزانة أن الخسائر في أسواق العملة تصل هذا اليوم الى عشرة ملايين جنيه إسترليني " .

ورغم أن " جمال عبد الناصر " لم يقم بأي تحريض على تعطيل خط أنابيب البترول الذي يمر بسوريا رغم أنه يعرف أهميته الحيوية , إلا أن المعركة التي كان يخوضها ضد القوى الإستعمارية الكبرى كانت كفيلة بشد كل الأحرار العرب إليها دون تحريض أو إستدعاء .

هذا من ناحية .

من ناحية ثانية كان تأميم " عبد الناصر " لشركات البترول البريطانية العاملة في مصر بمجرد بدأ الغارات الجوية على مصر أول إيحاء للأحرار العرب بالدور الإستراتيجي الذي سيلعبه البترول العربي في المواجهة مع القوى العظمى الإستعمارية وفي تاريخ المنطقة ككل .

18 - فعندما أطلق " عبد الناصر " شعار " بترول العرب للعرب " فقد كان ذلك يعني لديه معركة جديدة ضد الشركات العالمية الكبرى المسيطرة على مقدرات الوطن .

لقد كان " جمال عبد الناصر " يؤسس بذلك لوعي عربي جديد ستنتهجه كل الحركات الوطنية العربية بعد ذلك , منذ ثورة العراق عام 1958 وحتى الثورة الليبية عام
1969.

وهكذا سيستقر في الوعي الشعبي للحركات الوطنية العربية على إختلاف افكارها ان بترول العرب للعرب .

19 - وعندما نجح " جمال عبد الناصر " في تحقيق أول وحدة عربية بين إقليمين عربيين هما مصر وسوريا كان يعلم أن المعركة مع أعداء الوحدة العربية في الداخل والخارج قد بدأت . فمع هذه الوحدة بدا الحلم الذي طال إنتظاره وكأنه قد أصبح قابلا للتحقيق في النهاية فقد بدأت الأنظمة المعارضة للمشروع النهضوي العربي في الإنهيار , فسقط الحكم الشمعوني في لبنان وسقطت المملكة الهاشمية في العراق وبدا أن هناك إتجاها قويا داخل " الضباط الأحرار " العراقيين الذين قاموا بالثورة يضغط بإتجاه الإلتحاق السريع بدولة الوحدة الناشئة والتي كان من نتائجها المباشرة نزول القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن بعد أن إجتاحت عمان وبيروت مظاهرات عارمة يلهبها حلم الوحدة الذي فجره عبد الناصر . وقد قدرت وكالات الأنباء آنذاك " رويتر " و "الأسشياتوبرس " أن عدد اللبنانيين الذين قصدوا بيروت بإتجاه دمشق التي كان يزورها الرئيس عبد الناصر قد وصل إلى نصف مليون , أي أن نصف لبنان قد شارك واقعيا في مواكب الرحلة إلى دمشق خلال فترة لاتزيد على أسبوعين . من ناحية أخرى تأججت الثورة في الجزائر وبدت الأمور – آنذاك !

- وكأننا نسير نحو النصر النهائي للمشروع العربي الذي بدأت ملامحه قريبة تداعب الخيال الشعبي . أن الوحدة المصرية السورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة كشف بشكل فجائي وصاعق عن جوهر المشروع النهضوي العربي , أي الوحدة
العربية , وكشف في ذات الوقت عن أعداء هذا المشروع , الخارجيين والمحليين . ( إستطاع محمد حسنين هيكل ان يكشف بالوثائق حالة الهوس والجنون التي إنتابت هذه القوى بعد إعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958 في كتابه الممتاز " سنوات الغليان )

20 - وعندما أطلق " عبد الناصر " شعار الإشتراكية و " العدالة الإجتماعية " فقد كان ذلك يعني لديه , ولدى الجماهير العربية , معارك متعددة مع الإقطاع والرأسمالية والقوى الرجعية التقليدية في كل الأقطار العربية التي كانت تخشى إنتقال العدوى الإشتراكية الى مواطنيها : معركة توزيع اراضي الإقطاعيين على الفلاحين المعدمين .. معركة تأميم الشركات الرأسمالية وإشراك العمال في الأرباح .

لقد كانت الأفكار الإشتراكية موجودة في العالم العربي بتنويعات مختلفة , بدءا من الأشكال المتطرفة كالحزب الإشتراكي ( مصر الفتاة سابقا ) الذي أسسه أحمد حسين في مصر إنتهاء بالأحزاب الماركسية المنتشرة بدرجات متفاوتة في الأقطار العربية مرورا بالإشتراكية العربية المثالية الإصلاحية التي كان يعبر عنها حزب البعث العربي الإشتراكي في المشرق العربي .

ولكن دخول عبد الناصر معركة تأميم الشركات المصرية الكبرى المصرية والأجنبية , ثم معركة بناء القطاع العام الوطني ( فيما عرف بمعركة التنمية المستقلة ) كان كفيلا بإعطاء مفهوم " الإشتراكية " محتواه العملي والقتالي مع النظام الرأسمالي العالمي ومع الرأسمال المحلي والبيروقراطية .

لذلك يمكن القول أن كل الفكر الإشتراكي الذي كتب ونشر خلال عقد الستينات كان في معظمه إما حوارا اوجدلا أو رفضا لتجربة عبد الناصر في بناء الإشتراكية .

من يعود لجدل هذه الحقبة سيجد مناظرات ومعارك فكرية وسياسية حول مفاهيم مثل  سيطرة العمال على مجالس الإدارة المنشآت الإقتصادية .. حول الطبقة الجديدة  حول الثورة والثورة المضادة .. حول الإشتراكية العربية والإشتراكية
العلمية .. حول الطليعة العربية ووحدة القوى التقدمية .. حول الوحدة العربية وهل هي وحدة إتحادية أم وحدة إندماجية .. حول الثورة الثقافية .. الى آخره .

في مواجهة ذلك العصر .. ماذا يدور في عصرنا من جدل ؟

إنه يدور حول مسائل من نوع : نطبع مع العدو الصهيوني أو لانطبع .. نعطي إعانة بطالة للعمال أو نتركهم لقوانين السوق وضروراته .. تعليم مجاني أم تعليم بالفلوس .. نخصخص القطاع العام كله أو نبقي على جزء منه.. من يستحق المعونة الأمريكية مصر أم إسرائيل ... الى آخره

ان مجمل قضايا عصر عبد الناصر تتناقض مع مجمل قضايا عصرنا .. وهو أمر يوضح حجم الإرتداد الذي شهده عالمنا العربي خلال ثلاثة عقود منذ غياب عبد الناصر وعصره .


الخاتمة

مهما كانت الأخطاء أوالسلبيات التي شابت تجربة عبد الناصر , ومهما كان حجم الهزائم التي مني بها مشروعه التاريخي , إلا أن حلم المساواة والعدالة الإجتماعية والوحدة العربية تبقى في الصدور والنفوس ولا يمكن إقتلاعها .

لقد كان سهلا عليهم الإنقضاض على منجزاته المادية بعد وفاته , واحدا بعدالاخر, ولكنهم سيظلون عاجزين عن نزع انجازه الرائع الذي زرعه في قلوب الشعب العربي .. بعث الكرامة العربية .

إذا كان عبد الناصر قد نجح في شيئ , فقد نجح في تثبيت افكار كانت تعتبر في السابق ضربا من " اليوتوبيا " .. أفكارا مثل : إمكانية قيام تجربة وطنية للبناء الإشتراكي .. إمكانية قيام دولة وحدة إندماجية بين قطرين عربيين .. إمكانية مواجهة الإستعمار والمشروع الصهيوني .. إمكانية إخراج الجماهير العربية من ركودها التاريخي .

لقد صارت تلك حقائق في تاريخنا العربي .. ولأنها كذلك فسيظل من الممكن إستعادتها , فتاريخ الشعوب , هو تاريخ الإنتصارات والهزائم . والفشل ليس سوى لحظة في حياة الشعوب .

لذلك سيظل عبد الناصر باقيا .. وسيذهبون !!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر