الراصد القديم

2016/02/01

... ولو بالسكاكين: جيل رابع ـ خامس ـ سادس يفتدي فلسطين بدمائه!

 
طلال سلمان

يقيم الفلسطيني بين موتين: الشهادة بقرار منه أو الاغتيال بقرار من الاحتلال الإسرائيلي.
لكأنه يمشي إلى الشهادة منذ ولادته، وهي قد تأتيه على الطريق بين بيته ومدرسته، أو بينما هو في عيادته أو جامعته، ربما لهذا اتخذ الجيل الجديد قراره بأن يسرع خطاه إلى الشهادة: يواجه بالقليل من وسائل المقاومة، سكين المطبخ، أو خنجر كان الأب يخبئه في مكان "سري" لاستخدامه حين تفرض المواجهة مع جنود العدو الإسرائيلي ووحوش المستوطنين نفسها عليه.

بلا خطابات مدوية، بلا مهرجانات صاخبة، بلا استعراضات، وغالباً بلا خطة محددة بل في انسياق طبيعي مع مشاعر الغضب بل القهر، ينفجر في ظالمه، غاصب أرضه ووطنه، مدمر حاضره ومستقبله، المستقوي عليه ـ هو الأعزل والذي فرضت الإقامة الجبرية وهو بعد جنين، حركته محدودة في قريته أو في بعض أحياء مدينته التي يُراد أن تصير لغريب وافد من بلد غريب، لا تربطه رابطة لا بالزيتون أو الليمون أو النخيل ولا بالنرجس والأقحوان وكف مريم..

الأرض أغلى من حياته، فهي مصدر حياته، إن هي صارت ـ بالسلاح ـ لهذا الغريب الوافد المستقوي بدعم دولي مفتوح وبضعف عربي يصل إلى حد التهالك والتنازل عن حقوقه في وطنه، أي عن معنى وجوده، باتت حياته بلا معنى... أليست الأرض مقدسة بل هي مصدر للقداسة وهي التي تعطي الهوية ولون البشرة والأسماء حاملة تاريخ الأرض وأهلها منذ أن بدأت كتابة التاريخ.

قد يقول الناس مشفقين: وماذا تستطيع السكين في مواجهة أسطول الطيران الحربي الأحدث في العالم؟! أو في مواجهة الدبابات الأعظم تصفيحاً، أو في مواجهة وحوش المستوطنين الذين زُوّدوا بالسلاح وقيل لهم: هذه الأرض لكم، اقتلعوا من فيها وخذوها... آمنين!

وقد يقول الذين اشتروا أمانهم بالتخلي عن حقهم في أرضهم، عن معنى وجودهم، فخرجوا منها إلى التشرد واللجوء في بلاد ليست بلادهم حتى لو كان الأهل ـ في الأصل ـ أهلهم، والأرض ـ في الأصل ـ بعض أرض وطنهم الكبير: يجب أن نبقى على قيد الحياة لكي تبقى قضيتنا حية!

ولكن الفتية والصبايا الذي يخرجون إلى مواجهة جنود الاحتلال ووحوش المستوطنين شاهرين الحجارة والسكاكين الصغيرة إنما يقدمون حياتهم على مذبح وطنيتهم لكي تبقى قضيتهم المقدسة حية... بل إن هذه القضية قد اكتسبت قداستها من الدم المقدس المراق فداء لها، كما من الأرض ذات القداسة.

تُراق دماء أهل الأرض، ويخرج من أهل السلطة من يرى في هذه التضحيات عمليات عبثية أو انتحارية مجانية، ويحاولون التأكيد على "العمل السياسي" باعتباره "طريق التحرير"... برغم أن هذا العمل السياسي بذاته، منفصلاً عن الفداء بمختلف أشكال المقاومة، لا يوصل إلا إلى ما وصلت إليه الأمور داخل فلسطين المحتلة: التسليم بالاحتلال الإسرائيلي وكأنه قدر لا يُردّ، ومحاولة "الانتصار" عليه وإلحاق "الهزيمة" به عن طريق "الديبلوماسية" والهيئات والمنظمات الدولية (الأمم المتحدة، ومنظمة حقوق الإنسان، والمحكمة الدولية إلخ..). وينسى هؤلاء أن دهراً قد انقضى على اتفاق أوسلو والسماح "للسلطة" بالدخول إلى بعض الأرض المحتلة والموزعة بين الضفة الغربية وغزة (من دون أراضي 1948 طبعاً) فلم يخرج المحتل ولو من بعض بعض الأرض التي "أعطيت" للسلطة...

وما زالت قوات جيش الاحتلال موجودة في كل الأرض، وقد تعززت بجيوش المستوطنين الذين يهاجمون ـ بصورة يومية تقريباً ـ سكان القرى والبلدات فيُطردون من ديارهم بلا رحمة، والرصاص لمن عصا، أو الاعتقال الجماعي والسجن المفتوح لكل من قاوم بحجر أو اعترض برفع الصوت ومحاولة رد المهاجمين بيديه وعويل النساء من حوله.. حماية للبيت والهوية والتاريخ.

"هذه الأرض لي": ليس بيتاً من الشعر في قصيدة لمحمود درويش. إنها الحقيقة التي تمت تغذيتها بالدماء على امتداد خمسين، ستين، سبعين، ثمانين سنة، والتي سيستمر تأكيدها بدماء أجيال جديدة. فالوطن ليس سلعة في سوق النخاسة. وقد يكون قدر "الفلسطيني" أقسى من أقدار إخوانه العرب الذين اقتطعت لهم المصالح الدولية دولاً شتى في المشرق والمغرب وظلت مرتهنة للأجنبي حتى و"أعلام الاستقلال" ترفرف على وقع الموسيقى العسكرية في استعراضات الجيوش التي ما صارت جيوشاً إلا بعد دهر من "الحكم الوطني" فاجتهد لبناء دول.. لكن بعضها ضاع عبر المغامرات العسكرية، كما عراق صدام حسين، وبعضها الآخر ضاع أو يكاد يضيع مع تغليب السلطة على الوطن في حالات عربية كثيرة لها نماذجها الصارخة في المشرق كما في المغرب وبين بين.

 المواجع أكثر من أن تحصى، لكن أكثرها إيلاماً أن "العرب" قد انقسموا على أنفسهم، وتاهوا عن هويتهم الجامعة، وانفصل بعضهم عن البعض الآخر إلى حد العداوة... والأخطر أنهم قد نسوا أو تناسوا حقيقة أن عدوهم واحد، فأقدم بعضهم على "الاعتراف" بالكيان الصهيوني جهاراً نهاراً وتبادل معه السفراء بل والملحقين العسكريين أيضاً، في حين لجأ بعض آخر إلى الحيلة أو الخديعة أو الكذب المموّه: منهم من ادّعى أن إخوانه الأقرب إليه من العرب طامعون في أرضه وخيراتها أو بحره وثروات الغاز فيه، وأنه لم يتلقَّ الحماية منهم فلجأ مضطراً إلى العدو القوي لأنه قادر على حمايته... وقد كان له ذلك، بمجرد أن رفع العلم الذي تتوسطه النجمة السداسية الزرقاء صار الطامعون فيه يخشون حليفه القوي فامتنعوا عن إيذائه!

بعض آخر قدم ذريعة مختلفة: إذا كانت أكبر الدول العربية وأقواها قد اعترفت بهذا العدو وأقامت معه علاقات مميزة تشمل إلى السفارة التعاون الاقتصادي المفتوح، لا سيما في مجال "الثروات المشتركة" من نفط وغاز، فلماذا أتردد ـ وأنا الأضعف ـ في التمثل بها وتحصين كياني الضعيف بهذه "الدولة" التي تخلت عن مشروعها الإمبراطوري ولا تريد إلا السلامة والعيش بأمان مع جيرانها الذين هم ـ إذا ما استذكرنا التاريخ ـ أبناء عمومة العرب وفي دينهم كثير من المشتركات مع ديننا الحنيف.. وهم قد جنحوا إلى السلم فلماذا نردّ عليهم بالحرب؟!

المأساة ليست في أن الفلسطيني وجد نفسه وحيداً في مواجهة هذا العدو الذي غصب أرض العرب، وقاتل كل العرب، ويملأه الغرور بأنه قد هزم كل العرب... بل إن المأساة في أن الكثير من أهل النظام يقفون مع عدوه ضده، فإذا كانوا لم يصلوا إلى هذا المدى في الهرب من الميدان فإنهم قد تخلوا ـ عملياً ـ عن القضية المقدسة، وبالتالي عن نصرته، وتركوه وحيداً في مواجهة عدوه الذي لا حدود لقوته وإمكاناته وحجم التأييد الدولي الذي كان يحظى به، حتى من قبل أن ينحاز إليه "الإخوة العرب".

إن الفتى الفلسطيني كما الصبية الفلسطينية يتبدى الآن وكأنه قد خرج بحجره أو بسكينه ليواجه العالم جميعاً، بالدول الأعظم والدول الأقوى ومعها "الدول العربية الشقيقة"، ولم يعد له إلا ذراعه وإلا حجره وإلا سكينه التي يعرف أنها تعبّر عن رفضه الاستسلام، وعن إرادته وعزيمته وإصراره على التمسك بحقه في أرضه، وبمستقبله فيها ولو صار وحيداً وشبه أعزل ومن دون نصير في هذا العالم الواسع.

إن هذا الفتى الفلسطيني يرى نفسه في مواجهة العالم أجمع، فقد التقى على دعم الإسرائيلي الشرق الذي كان اشتراكياً فارتد والغرب الذي كان يحابي العرب فيتخذ موقف "الوسيط" بينهم وبين الإسرائيلي، حتى إذا ما تخلوا عن قضية تحرير فلسطين، تخلى بدوره عن مهمة الوساطة المستحيلة وكشف عن انحيازه الكلي إلى المحتل الإسرائيلي واثقاً أن العرب لن يقاتلوه ولن يقاطعوه ولن يطلق قادتهم التصريحات النارية ضده... بل إن قادتهم سيتسابقون إليه ليقيموا معه أطيب العلاقات وليعززوا أوجه التعاون معه، تاركين فلسطين لمصيرها بين براثن العدو الإسرائيلي... بأمل أن ينصرها الله على القوم الكافرين.

 يدفن شهيد الغد شهيد اليوم، ثم يمشي في موكب وداعه وقد عقد العزم على متابعة "الجهاد" الذي ثبت ـ بالدليل الحسي القاني كما دم الشهيد ـ أن لا طريق غيره إلى تحرير فلسطين.

تعرف الصبية الفلسطينية أن التحرير يمر عبر دمائها فتبذل هذه الدماء رخيصة. الوطن هو الغالي. الأرض هي المقدسة.
إن هؤلاء الفتية يشترون غد الحرية في فلسطين بدمائهم الطاهرة.

إنهم يذهبون إلى الشهادة بفرح مَن أنجز واجبه وأتم دينه وحدّد معالم الطريق إلى غد الحرية والاستقلال.
إن هؤلاء الفتية والصبايا يعلّموننا الآن ما كدنا ننساه من أن "حب الوطن من الإيمان".

ولسنا نملك ما نقدمه لهم إلا التقدير والإكبار والثبات على طريق فلسطين، ولو بالكلمة.

وكلنا ثقة أن مثل هذا الشعب العظيم والمستعد لبذل دمائه من أجل أرضه سوف ينتصر.

فإرادة هذا الشعب أعظم من أن تُقهر، وهذا هو التاريخ شاهد وشهيد.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر