الراصد القديم

2016/03/01

المحددات الموضوعية لدور مصر فى الوطن العربى


عصمت سيف الدولة

(1) مدخل



ادوار ومصالح:

1- لكل صاحب مصلحة رأى فى دور مصر فى العالم العربى . الدور الذى أدته أو الدور الذى تؤديه أو الدور الذى عليها أن تؤديه أو الدور الذى لاينبغى عليها اداؤه . ويحاول كل قادر دفع مصر أو جرها الى حيث يرى تحقيقا لمصلحته . البعض اتفاقا ، والبعض نفاقا ، والبعض تثبيطا ، والبعض توريطا ، والبعض حبا ، والبعض حربا يجرى كل هذا فى عصر قصرت فيه المسافات بين اقطار العالم ، وامتدت فيه المصالح حتى أصبحت عالمية ، واصبحت الحصانة دون التأثر بما يحدث فى اطراف الارض أو الكف عن التأثير فيه مستحيلا أو يكاد أن يكون مستحيلا . ويجرى كل هذا فى ظل قوتين عالميتين متصارعتين * على اقتسام الارض عنوة أو وفاقا . ويجرى كل هذا فى العالم العربى الذى تمزق دولا، وسلب أرضا ، وتحول الى ساحة صراع بين المصالح والقوى العشائرية والطائفية والشعوبية والاقليمية والصهيونية والدولية ، وهو صراع بارد حينا ، ملتهب حينا آخر لكنه فى كل حين مسلط على العقل العربى يحاول بالكلمات والنظريات والافكار والاداب والفنون ، بكل اغراء وبكل اغواء ، أن يصوغه فكرا ليسخره فعلا ، ليؤدى عنه طوعا ما تقصر عن ادائه وسائل الاكراه . ومن بين مايصوغونه افكار متباينة عن دور مصر فى العالم العربى .

فى هذا الواقع المعاصر تسند الى مصر أدوار متعددة بقدر تعدد القوى ، مختلفة بقدر اختلاف البواعث، متناقضة بقدر تناقض المصالح ، مترددة فيما بين أقطاب لاتلتقى : فيما بين الحلم والعلم . فيما بين الممكن والمستحيل . فيما بين الماضى والمستقبل. ولايصح فى الواقع أو فى العقل اسناد كل تلك الادوار معا الى مصر الواحدة فى زمان واحد .

كما لايجدى ، وقد لايكون ممكنا . تتبع الادوار التى قامت بها مصر فى العالم العربى مضمونا وتقييما لنستخلص منها معيارا واحدا للتقييم اذ لكل زمان أحكام . وكل دور فى زمانه كان حصيلة مؤثرات ذاتيه وموضوعية ، محلية وعربية ودولية لايجوز تقييم مضمونه خارج اطارها ، وهى بعد أكثر وأخفى من أن تحصى وتعرف. ثم انه اذا صح ان التاريخ لايعيد نفسه وان ثمة جديدا تحت الشمس كل يوم وان كل شئ مؤثر ومتأثر متحرك متغير ابدا ، وهو عندنا صحيح . فان قياس المستقبل على الماضى خطأ منهجى غير موثوق النتائج ، ذلك لانه يلغى دور البشر صناع المستقبل .ونحن نعتقد انه من العبث أن يدور حديث حول دور أدته مصر فى العالم العربى لمجرد محاكمته الا أن يكون المتحدثون مؤرخين ولسنا منهم . انما المجدى أن يدور الحديث حول دور أو أدوار أدتها مصر فى العالم العربى كمصدر خبرة تاريخية قد تساعد على معرفة أو توقع الدور أو الادوار التى تؤديها مصر فى المستقبل. اذ المستقبل وحده هو المجال المفتوح لارادة الانسان .

كل هذا لايعنى أن مصر قد اختارت كل الادوار التى اسندت اليها فى الماضى ، أو انها ستختار ماتشاء من ادوار تؤديها فى المستقبل ، أو حتى انها قادرة على اداء كل الادوار التى تختارها . ليست مصر أم الدنيا كما نحب أن نسميها مجازا عن تقديرنا الكبير لها ، بل مصر جزء بسيط من هذه الدنيا المليئة بالامصار والادوار التى كثيرا ما ألغت دور مصر أو حدت من مجاله أو حملت مصر على أداء أدوار فأدتها مرغمة .

لهذا كله لانعتذر للذين يتوقعون أن يكون موضوع هذا الحديث ذلك الدور الذى اسند الى مصر فى العشر سنوات الاخيرة واسبابه وأبطاله وآثاره التى هزت العالم العربى هزا واشاعت فيه اضطرابا مزلزلا أدى الى انهيار مفاهيم ونظم وقوى كانت تعتبر من الثوابت التى لاتنهار ، ومزق أواصر كان يظن انها لاتنفصم . لا. لن نتتحدث عن هذا الدور أو عن أى دور غيره الا فى نطاق محاولت اكتشاف المحددات الواقعية الموضوعية الثابته نسبيا لدور مصر فى العالم العربى . فعلى ضوء هذه المحددات وحدها ـ ان وجدت ـ تمكن معرفة الاجابات الصحيحة على كثير من الاسئلة التى تشغل العقل العربى عن دور مصر فى العالم العربى . لماذا أدت هذال الدور أو ذاك فى الماضى ؟. وماهو الدور المتوقع ان تؤديه فى المستقبل؟. ولماذا يتغير دور مصر فى العالم العربى تغيرا حادا من حين الى حين ؟ ماهو الدور الذى ينبغى لها أن تؤديه ؟. وماهو الدور الذى تستطيع اداءه ؟ وماهو الدور الذى لاينبغى لها اداؤوه ولو استطاعت ؟ ثم أين ومتى وكيف ولماذا يكون دور مصر فى العالم العربى ؟ .. الى آخره ..

فلنبحث عن تلك المحددات . فى تاريخ مصر أولا ..




(2) المحدد الجغرافى

عن الماضى الاقليمى:

2- قبل أن توجد أية دولة فيما يسمى الان العالم العربى ، بل قبل أن توجد الدول جميعا كانت مصر موقعا جغرافيا يسمى مصراييم . وكانت فيما بين الخليج والمحيط بمثابة واحة كبيرة من الارض الخصبة ذات المناخ المعتدل يجرى فيها الجزء الشمالى من النيل بدون عوائق او مساقط موفرا لها أكبر قدر من انتظام اسباب الرى والزراعة والنقل والمواصلات . تطل على بحرين عند ملتقى قارتين فكانت ، مثل كثير من أودية الانهار ولكن بدرجة أفضل، موطنا نموذجيا للحياة المستقرة على يسر النماء الزراعى والبناء الحضارى والتبادل التجارى مع ماحولها من أقاليم . فكانت بهذا كله ذات قوة جذب هائلة للجماعات القبلية الجائلة فيما يليها شرقا وغربا وجنوبا تغزوها أو تحاول أن تغزوها لا لتنهبها ثم ترتد عنها كشأن الغزاة فى العصور القبلية بل لتستولى عليها وتستقر فيها .

حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الشرق بقيادة من اطلق عليهم المصريون اسم ” الملوك الاجانب” او “حقا خاسوت” الذى حرف فى اللغة الاغريقية الى” هكسوس” ، عام 1675 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا بها قرنا ( حتى عام 1567 قبل الميلاد) وكانت منهم أسرتان حاكمتان هما الاسرة الخامسة عشرة والاسرة السادسة عشرة وثلاث عشرة ملكا فرعونا أولهم ششى وآخرهم ابيبى الثالث.

حينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الغرب من نسل يويو واوا الليبى عام 1950 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرنين ( حتى عام 730 قبل الميلاد) وكانت منهم اسرتان حاكمتان هما الاسرة الثانية والعشرون والاسرة الثالثة والعشرون وأربع عشرة ملكا فرعونا أولهم شاشانق الاول وآخرهم اوسركون الرابع..

وحينما غزتها الجماعات القبلية الوافدة من الجنوب عام 751 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها قرنا ( حتى عام 656 قبل الميلاد) وكانت منهم اسرة حاكمة هى الاسرة الخامسة والعشرون وخمسة ملوك فراعنه: بغنجى وشاباكا وشيتاكا وطهرقا وتانون أمانى .

وحينما غزتها التجمعات القبلية الوافدة من فارس تحت قيادة قمبيز عام 525 قبل الميلاد استولوا عليها واستقروا فيها اكثر من قرن ( حتى عام 404 قبل الميلاد) وكانت منهم أسرة حاكمة هى الاسرة السابعة والعشرين وخمسة ملوك فراعنة أولهم قمبيز وآخرهم دارا الثانى. وبعد أن طردتهم ثورة قادها الفرعون آمون حر لم يلبثوا حتى عادوا اليها قبل أن يمضى نصف قرن فغزوها عام 341 قبل الميلاد واستولوا عليها واستقروا فيها قرنا آخر ( حتى عام 232 قبل الميلاد ) وكانت منهم اسرة حاكمة هى الاسرة الحادية والثلاثون وثلاثة ملوك فراعنة اولهم ارتخشاشا الثالث وآخرهم دارا الثالث .

ثم جاء البطالمة فاستقروا فيها ثلاثة قرون ، ثم الرومان فاستقروا فيها أربعة قرون ، ثم البيزنطيون فاستقروا فيها نحو قرنين ونصف ثم العرب عام 640 ميلادية فاستقروا فيها وتعربت جملة ولم تزل.

3- وهكذا فرضت جغرافية اقليم مصر على مصر مفهوما مصريا لأمن مصر .أمن وجودها وحدودها وأمن مبادلاتها ومواصلاتها . مؤداه : بما أن مصر ـ جغرافيا ـ ذات قوة جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنها توفر لمن يغزوها أسباب الاستقرار فيها . من ناحية ثانية ، فان المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودها الجغرافية فى جميع الاتجاهات شرقا وغربا وجنوبا وشمالا . أو بصيغة أخرى ان خطوط الدفاع عن مصر تقع فيما يجاورها من أقاليم بعيدا عن حدودها . فيمكن القول أن جغرافية أقليم مصر ومايحيط بها من أقاليم قد فرضت على مصر أن تقوم فيما يحيط بها بدور دفاعى عن ذاتها .

4- ويكاد تاريخ مصر الفرعونية أن يكون تأريخا لهذا الدور . وأغلب ماعنى ملوك مصر الفراعنة بتسجيله حفرا على جدران المعابد هو قصص خروجهم الى جميع الاتجاهات، لمواجهة التجمعات القبلية التى تجهز نفسها لغزو مصر، وضربها ضربات وقائية مبكرة قبل أن تقترب منها .

أما فى الشمال فنقرأ على جدران معبد الكرنك أنه بعد أن استطاع الفرعون أحمس الاول( 1570ـ 1546 قبل الميلاد ) طرد الهكسوس من مصر طردهم من جزيرة كريت وأراد أن يكرم جدته الملكة ” اعح حوتب ” للدور العظيم الذى قامت به فى تعبئة الجيوش وتحريضها على القتال فيسميها ملكة كريت ونقرأ على جدران معبد الرمسيوم فى الاقصر ماأمر بحفره الفرعون رمسيس الثانى (1990ـ 1223 قبل الميلاد) ثبتا للبلاد التابعة لمصر فنجد من بينها قبرص وكريت .

أما فى الغرب فمنذ بداية التاريخ المكتوب تذكر الاثار أن فرعونا من الاسرة الثانية اسمه خع سخم أو حورس ، لايعرف احد تاريخ حكمه، قد خرج من مصر لمقاتلة القبائل الليبية التى تهددها . وتحكى بردية سنوهى مأساة اغتيال الفرعون العظيم امنمحات ( 1991 ـ 1961 قبل الميلاد ) فتقول أن اعداءه تمكنوا منه وقتلوه منتهزين فرصة غياب ابنه وولى عهده وقائد جيوشه سنوسرت . اذ كان قد أرسله قائدا لحملة للقضاء على التجمعات القبلية التى تجهز نفسها لغزو مصر فى قواعدها فى ليبيا . وتحكى الاثار أن امنحوتب الاول فرعون مصر( 1546 ـ 1526 قبل الميلاد ) قد أرسل جيشا كبيرا بقيادة أحمس ابانا الى ليبيا لتشتيت القبائل المتجمعة هناك تستعد للسير الى مصر . وعلى جدران معبد الكرنك يسجل الفرعون سيتى الاول ( 1303 ـ 1290 قبل الميلاد ) قصة مثيرة عن خطر مزدوج المصدر من الشرق والغرب . فقد اجتاحت الشرق قبائل هندوـ اوربية فهاجرت قبائلها مطروده بحرا ولجأت الى شاطئ شمال افريقيا . فلما أن تجمعوا هناك تعرضوا لقوة جذب النماء والرخاء والاستقرار فى مصر فاتجهوا اليها فخرج اليهم الفرعون سيتى الاول وطاردهم .

وتشهد بقايا الاوانى الفخارية التى اكتشفت فى الخرطوم وغرب السودان وفى قريتى البدارىفى صعيد مصر (اسيوط) أن علاقة مصر بالجنوب ترجع الى العصر النبوليتى ( العصر الحجرى الحديث) أى الى ماقبل 4000 قبل الميلاد . وعلى صخور جبل الشيخ سليمان على مقربة من بوهن امام وادى حلفا نقرأ نبأ وصول جيوش مصر بقيادة الفرعون انى الثانى من ملوك الاسرة الاولى لتأمين طرق التجارة مع الجنوب. ويحكى لنا الرحالة الفرعون حر خوف فى تاريخ حياته المسطور على واجهة قبره فى اسوان انه صاحب حملة قادها أبوه الى الجنوب وأنه قاد هو نفسه ثلاث حملات متتالية بأمر من الفرعون بيبى الاول (2402 ـ 2377 قبل الميلاد ) وبينما ذهبت الحملات الى بلاد لم يعرفها أحد من قبل ـ كما قال ـ خصص الحملة الثالثة التى تمت فى عهد ويبى الثانى لنبأ عثوره على قزم حى وابلاغه فرعون النبأ ويورد رسالة الفرعون اليه أن ” تعالى الى الشمال. تعالى سريعا الى القصر . واحضر معك هذا القزم الذى جئت به من أرض الارواح حيا سالما وفى صحة جيدة ليرقص للاله ” . ولم يكن ذاك غريبا فقد كان بى الثانى طفلا . ولكن الفرعون الطفل قد أصبح فرعونا شابا فأدرك أن دور مصر فى الجنوب ليس لهوا ولعبا بالاقزام بل مسألة حياة أو موت فمنه يجرى شريان حياة مصر (النيل ) فأرسل الى الجنوب قائده بيبى نخت ليؤدى دورا آخر ذكره القائد فى سجل تاريخ حياته المحفور فقال:” ارسلنى جلالة مولاى لاؤدب بلاد ارثت فقمت بما جعل مولاى يثنى على وقتلت منهم عددا كبيرا ، من بينهم أبناء الزعماء ورؤساء المحاربين وأحضرت منهم أسرى الى القصر . كان عددهم عظيما لانى كنت شجاعا ومعى جيش كبير من الجنود الاشداء ” .

وحيث توجد كرمه فى السودان أسس امنمحات الاول ( 1991ـ 1962 قبل الميلاد ) مركزا للتجارة تحرسه قوة مرابطة فى حصن شيده فى سمنه جنوبى الشلال الثانى ثم توالت الحصون فأصبحت سبع عشرة حصنا ترابط فيها قوات تحرس النيل وتدافع عن مصر عند خطوط على بعد مئات الكيلومترات من حدودها ، ومع ذلك فليست العبرة بالسن دائما فما أن تتعرض حصون مصر وخطوط تجارتها فى الجنوب لخطر ناشئ حتى يخرج الى حيث موقع الخطر الفرعون الصغير امنحوتب الاول ( 1546 ـ 1526 قبل الميلاد ) ويعيد الامن الى مصر بمعارك ناجحة فى السودان . أما الفرعون تحوتمس الاول ( 1525 ـ 1495 قبل الميلاد ) فقد مد حدود حكمه الى السودان وعين حاكما له فرعونا أسماه الابن الملكى لكوش وأصبح محرما على من هم جنوب تلك الحدود عبورها الى الشمال . وحينما جاول امراء قبائل كوش تحدى تلك الحدود هزموا واستقبل تحوتمس قادة جيوشه المنتصرة وكرمهم فى اسوان . ثم تحوتمس الثالث ( 1490 ـ 1436 قبل الميلاد ) الذى قاد بنفسه حملة الى السودان وبقى هناك سبعة أشهر يقاتل القبائل التى تهدد مصر وتجارتها ولم يعهد بذلك الى أحد من قواده بالرغم من أنه قد قارب السبعين من عمره . أما الفرعون امنحوتب الثالث ( 1436 ـ 1411 قبل الميلاد ) فأن تمثاله فى قرية النجعة على مقربة من شندى شمال الخرطوم شاهد على أنه كان يدافع عن مصر .. الى.. آخرهم..

أما عن الشرق فقد خرج الى الشرق قائدا منتصرا وعائدا الملك الفرعون ساحورع من الاسرة الخامسة

( 2553ـ 2539 قبل الميلاد ) وبيبى الاول من الاسرة السادسة ( 2402 ـ 2277 قبل الميلاد ) الذى طاردت قواته بقيادة البطل العسكرى ” ونى” التجمعات القبلية ثم دحرتها عند جبال الكرمل . وامنمحات الاول( 1991 ـ 1961 قبل الميلاد ) من الاسرة الثانية عشرة الذى أراد أن يحصن حدود مصر الشرقية نهائيا فبنى على طول الحدود سورا فرعونيا عظيما لم يصمد طويلا فاضطر أحد خلفائه سنوسرت الثالث (1879ـ1841 قبل الميلاد ) أن يطهر كل شرقى البحر الابيض المتوسط وأن يترك هناك فصائل مقاتلة تجوب الشواطئ وتراقب الطرقات وتنذر مبكرا بأى غزو لمصر . وأحمس ( 1570ـ 1546 قبل الميلاد ) يطرد الهكسوس من مصر ويتعلم من الجغرافيا فيعلم أنهم لن يكونوا قد خرجوا من مصر الا اذا خرجوا من فلسطين فيخرجهم منها . فتعلم الجغرافيا فراعنة مصر أن هذا البعد لايكفى فيأتى تحوتمس الثالث ( 1490ـ 1436 قبل الميلاد ) وما أن يصل اليه نبأ وصول قوات قادش مدينة مجدو فى سورية حتى يعتبر ذلك اعتداء على حدود أمن مصر فيخرج اليهم ويقاتلهم ويدمرهم فى مدينة نوخاخش المجاورة لمكان حلب الحالية . ويواصل حملاته دفاعا عن أمن مصر التى بلغت ستة عشرة حملة مطاردة أوصلته الى الفرات . ويفكر ذاك الفرعون العبقرى فيما سيصنعه التاريخ بعده بعشرات القرون . أن التآخى مع الجيران وليس القهر هو الذى يحفظ أمن مصر . فيجمع أبناء القبائل التى قهرها وأولياء العهود فيها ويحملهم الى مصر ويحشدهم مع أبنائه فى قصوره ويؤاخى بينهم ليتعلموا جميعا أن أمن مصر هو أمن جيرانها وأنها لاتغزوهم الا مضطرة فان تحالفوا على التعاون لرد المخاطر عنهم جميعا فهذا يكفى مصر أمنا . وقد عاد أولياء العهود اخوة وأصبحوا ملوكا وقادة وحالوا دون أن تكون مواطنهم مراكز تجمعات تهدد مصر فنعمت مصر بفترة طويلة نسبيا من الامن والهدوء والرخاء والتقدم الحضارى الذى تجاوز أمور الدنيا الى امور الدين فأنجبت أمنونحتب الرابع ( 1370ـ 1349 قبل الميلاد ) الذى أنهى عبادة آمون وأشاد بعبادة آتون ( الشمس ) وحمل لقب اخناتون فكان أول الموحدين من فراعنة مصر .. وفى عهده اكتمل مفهوم أمن مصر فهو ادراك لمواطن الخطر عليها فى مواقعه وليس عداء لمواطنى تلك المواقع . فحين تجمع على حدود مصر الشرقية جل مواطنى سورية وفلسطين يريدون دخولها وتبين القائد الفرعونى ( حور محب ) أن جيوش مملكة خيتا قد غزت ديارهم وطردتهم وطاردتهم حتى حدود مصر فتح لهم الحدود وآوتهم مصر وعقدت معهم مايمكن أن يسمى معاهدة دفاع مشترك فكونوا جيشا مشتركا خرج الى حيث مواقع الخطر المشترك وقضى على جيوش خيتا . فلما تحررت سورية وفلسطين أمنت مصر . وكانت تجربة علمت الجميع مايمكن أن نسميه المصير المشترك مدخرين تعبير وحدة المصير الى مرحلة تاريخية لاحقة . كذلك حين عادت جيوش مملكة خيتا الى الاستعداد لغزو مصر وجمعت له من استوردهم قائدهم المسمى( موتللى) من جند مرتزقة من سكان بحر ايجه ( اليونان ) وامارات آسيا الصغرى ( تركيا ) ، وخرج اليهم رمسيس الثانى (1290ـ 1223 قبل الميلاد ) كادت الدائرة تدور على جيش الفرعون المصرى وفر كثير من جنده وباتت الهزيمة وشيكة وأصبح مصير مصر ذاتها معلقا على نجدة من الحلفاء ، تقدم لنجدتها ألوف من شباب فلسطين مكونين تشكيلا عسكريا يطلق عليه فى الاثار اسم ثيارونا ويعنى فرقة الشبيبة ، وناصروا رمسيس الثانى فانتصر وانقذت مصر وفلسطين وسورية معا . وحينما بدأ الخطر الاشورى يدق أبواب سورية كرر المصريون والفلسطينيون التجربة الناجحة فشكلوا جيشا مشتركا بقيادة الفرعون المصرى ” تف نخت ” ( 730 ـ 720 قبل الميلاد ) وخرجوا معا فى هذه المرة للدفاع عن سوريا دفاعا عن فلسطين ومصر .. وحين انهزموا استولى الاشوريون على سورية وفلسطين ومصر أيضا ..

5- نستطيع ، بدون خسارة كبيرة ، أن نسقط من حديثنا عن دور مصر فى العالم العربى قرون الحكم البطلمى والرومانى والبيزنطى جميعا ، فخلالها جميعا الغى دور مصر وأصبحت مجرد أداة تؤدى الدور الذى يختاره لها من لهم السيطرة والحكم . ونصل الى الفتح العربى عام 640 ميلادية ..

6- لم يكن غريبا أن يتم الفتح العربى لمصر بسهولة . ذلك لان البيزنطيين لم يتعلموا من الجغرافيا ماتعلمه الفراعنة . فقد تم الفتح العربى لسورية عام 636 ميلادية .وهو الانذار الذى ماكان أى فرعون مصرى يسمعه حتى يعبئ قواته ويخرج من مصر الى حيث تتجمع النذر لتؤدى مصر دور الدفاع عن ذاتها فى المواقع التى حددتها الجغرافيا . لم يفعل البيزنطيون هذا بل تحصنوا فى بابليون جنوبى القاهرة وهم يسمعون نبأ دخول عمرو بن العاص على رأس أربعة آلاف مقاتل لاغير من العريش حتى الفرما ( شرق بورسعيد حاليا ) حتى بلبيس لتدور أول معركة بينهم فى عين شمس ضاحية القاهرة .. فطلب عمرو بن العاص مددا . وبينما عاد البيزنطيون الى حصن بابليون اجتاح عمرو بن العاص على مرأى ومسمع منهم الدلتا واخترقها واستولى على الفيوم ثم عاد شرقا فعبر النيل ليلتقى بالمدد الذى جاء وحاصر البيزنطيين فى حصنهم واستتولى عليه بعد سبعة أشهر قبل أن يتوجه الى الاسكندرية العاصمة فيعود البيزنطيون الى الخطأ ذاته . خطأ تصور امكان الدفاع عن مصر من داخل مصر . أو رد الذين يتمكنون من دخولها فعلا . فيتحصنون فى الاسكندرية فيتركهم عمرو بن العاص محاصرين ويوجه قواته الى صعيد مصر فيفتحه . مات الامبراطور الغبى هرقل عام 641 والاسكندرية محاصرة . وخلفه كونستانز الثانى الذى تبين أنه قد تم الفتح العربى لمصر منذ أن تم الفتح العربى لسورية وسبق السيف العذل فطلب الصلح فأبرم معه عمرو بن العاص اتفاقا منحه به فرصة عام للانسحاب من الاسكندرية . ولقد انسحب البيزنطيون فى نهاية العام ( سبتمبر 642 ) بعد أن حملوا معهم مابقى بعد الذى أخرجوه فى سنة الهدنة ودخلها العرب بدون قتال. مهلة العام هذه تكذب تكذيبا قاطعا ماقيل أن العرب قد حرقوا مكتبة الاسكندرية . فالذين يحرقون عادة هم المنسحبون منها وليس المتقدمون اليها .

7- على أى حال ، من بداية الفتح العربى وعلى مدى ثلاثين عاما فقط ، تؤدى مصر دور نقطة الانطلاق الى شمال افريقيا . أى حتى بنى عقبة بن نافع مدينة القيروان لتصبح هى مركز التجمع وقاعدة الانطلاق الى مايليها غربا .

(3) المحدد التاريخى

التكوين القومى :

8- هنا يبدأ دور مصر فى التطور فيتغير نوعيا ابتداء من الفتح العربى . فبعد ستين سنة فقط تصبح اللغة العربية لغة مصر . ابتداء من عام 706 على وجه التحديد . ويدخل الناس فى دين الله أفواجا . ويعفى التاريخ مافرضته الجغرافيا فلن تدافع عن ذاتها بعد ذلك . لقد أصبحت جزءا فى موقع القلب من الامبراطورية العربية الاسلامية . تحيط بها أقطار بعدها أقطار تباعد بينها وبين مسارح المعارك الضارية التى لم تنقطع على حدود الامبراطورية شرقا وشمالا وغربا .. وطالما كانت القيادة المركزية فى دمشق أو فى بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الامبراطورية التى انتقلت اليها حدود مصر . كانت مصر تؤدى دور الشريك فى الدفاع عن الدولة المشتركة . وقد بدأت فى اداء هذا لدور منذ وقت مبكر فى أول معركة حربية خاضها اسطول عربى ضد البيزنطيين فى عهد الخليفة عثمان بن عفان عام 655 ميلادية بقيادة عبد الله بن سعد بن أبى السرح المعروفة بمعركة ذات الصوارى البحرية . الا أنها قامت أساسا وعلى مدى قرون بدور المستقر الآمن الذى يجذب اليه بناة الحضارة من الفقهاء والعلماء والصناع ، ودور القاعدة الآمنة التى تعبأ فيها الجيوش وتبنى فيها الاساطيل وتخزن فيها الامدادات ، المؤهلة بهذا كله لتصبح عاصمة آمنة للدولة العربية الاسلامية . وهو مافطن اليه الفاطميون حين انطلقوا من أقصى الغرب يريدون الخلافة فما أن بلغوا مصر حتى شيدوا القاهرة واتخذوها عاصمة . وما اضطر اليه الخلفاء العباسيين بعد سقوط بغداد عام 1258 فاتخذوا من مصر مقرا للرمز الباقى لوحدة الدولة .

أما حين تضعف السلطة المركزية فقد كانت مصر تعود الى دورها الدفاعى ولكن بصيغة صنعتها الجغرافيا والتاريخ معا . فهىلم تقم بالدفاع منفردة عن ذاتها ، منفردة أبدا ، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربى آخر ومع سورية على الدوام . وقد بدأ هذا الدور حينما غلب الترك الخلافة العباسية على أمرها .فلما أن بلغ هوان الخلفاء العباسيين أنه فيما بين عام 847 و عام 870 عين قادة الجيوش خمسة خلفاء قتلوا منهم أربعة : المتوكل والمستعين والمعتز والمهتدى ومات خامسهم ( المنتصر ) بعد ستة أشهر من ولايته يقال مسموما ، استشعر أحمد بن طولون حاكم مصر الخطر فتجاهل الخليفة المعتمد ووحد مصر وسورية عام 877 ، وحين تسقط الاسرة الطولونية تعود مصر وسورية الى سلطة الخلافة ولكن موحدتين عام 905 ، وفيما عدا سنوات من الانفصال نتيجة انتقال الولاية من حاكم الى حاكم تبقى مصر وسورية موحدتين نحو ستة قرون ونصف قرن أى من عام 877 حتى الغزو العثمانى عام 1517 . وينضم الحجاز واليمن الى هذه الوحدة تحت قيادة محمد بن طنج الاخشيد من عام 925 حتى عام 969 ثم ينضم المغرب العربى الى مصر والشام والحجاز واليمن حين تصبح القاهرة عاصمة الخلافة الفاطمية ابتداء من عام 969 حتى عام 1171 أى لمدة قرنين ، ويسقط حكم الاسرة الفاطمية وتعود الاسرة العباسية الى ولاية الخلافة على كل تلك الاقطار موحدة ابتداء من حكم صلاح الدين . وفى حكم صلاح الدين ومن بعده مايستحق الانتباه .

أننا نحن العرب نحب أن نتذكر فنذكر صلاح الدين البطل العربى الذى لايهزم . أولى بنا أن نعرف لماذا انتصر ولماذا انهزم وماهو دور مصر فى الحالتين . ونحن نعرف أن سورية قد انفصلت عن مصر على أثر وفاة السلطان نور الدين محمود . ولقد حاو ل صلاح الدين حاكم مصر ، بمصر وحدها، أن يتحدى الصليبيين مرتين فانهزم فى المرتين . الاولى عام1171 والثانية عام 1173 . هزمه أقل ملوك الصليبيين شأنا حاكم امارة مونتريال الصليبية . وقد أدرك صلاح الدين أسباب الهزيمة فأدرك أسباب النصر فظل يجهز للنصر أسبابه أربعة عشر سنة . انطلق أولا الى دمشق وهناك هزم الملك الصالح بالقرب من حماة يوم 13 ابريل 1175 وصفى قلاع الحشاشين الطائفية المتناثرة فى سورية وأعادها الى الوحدة . بعد هذا ، وليس قبله ، استطاع أن يتحدى الصليبيين فى معركة حطين بجيش عربى شاركت فيه مصر وقاده حاكمها صلاح الدين وليس بجيش مصرى ولو كان بقيادة صلاح الدين . فحرر القدس يوم 2 اكتوبر 1187 . ومن بعد صلاح الدين يقود قطز حاكم مصر جيشا عربيا يهزم المغول فى معركة عين جالوت فى سبتمبر 1261 . وتصبح القاهرة ابتداء من العام الثانى ولمدة ثلاثة قرون مقر الخلافة وعاصمة الدولة بعد أن سقطت بغداد عام 1258 . وتؤدى مصر بكفاءة دور القاعدة والقائدة فى تحرير الوطن العربى من بقايا الامارات الصليبية . فيحرر الجيش العربى بقيادة الظاهر بيبرس الكرك وقيسارية وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكيا . ويحرر الجيش العربى بقيدة قلاوون اللاذقية وطرابلس .و يحرر الجيش العربى بقيادة خليل بن قلاوون عكا وصور وحيفا وبيروت فينتهى الاغتصاب الصليبى عام 1291

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر