الراصد القديم

2016/03/01

أول دروس الوحدة المصرية السورية


عوني فرسخ


في 22 فبراير/ شباط 1958 جرى الاستفتاء العام في مصر وسورية على إقامة الوحدة بين القطرين ، وانتخاب عبد الناصر رئيسا للجمهورية العربية المتحدة ، وعلى دستورها المؤقت. وقد أيَد الناخبون في القطرين بما يقارب الاجماع الوحدة ورئاسة عبد الناصر لجمهورية رئاسية. وذلك بعد أن كان مجلس الأمه المصري ، ومجلس النواب السوري يوم 5/2/ 1958 قد أقرّا قيام الجمهورية العربية المتحدة ، وترشيح عبد الناصر للرئاسة ، واعتماد دستور وفق مبادئ الديمقراطية الاجتماعية ، متجاوزا الليبرالية شكلا ومضمونا. وبذلك تكون قد اعتمدت في إقامة الجمهورية العربية المتحدة الإجراءات الدستورية اللازمة ، وأنها قامت بأسلوب ديمقراطي في توافق مع الفكر السياسي الحديث.

وكانت قد تواصلت خلال السنوات الثلاث السابقة للوحدة التفاعلات والاتصالات بين صناع القرار والنخب السياسية والعسكرية في القطرين ، إذ التقوا على مقاومة الأحلاف الاستعمارية ، واتفقوا تماما في الموقف من الصراع العربي- الصهيوني. وجرى توقيع عدة اتفاقيات بينهم سياسية واقتصادية وثقافية. بحيث كانت الوحدة بينهما تتويجا لتلك الاتفاقيات والتفاعلات ، ما ينفي نفيا قاطعا كل إدعاء بأن وحدة مصر وسورية جاءت متسرعة و غير مدروسة.

وكان الطموح الوحدوي للنخب الفكرية والسياسية السورية محصورا في الهلال العربي الخصب ، ونحو العراق خصوصا. غير أن اتضاح التوجه القومي التحرري لثورة 23 يوليو/تموز بمصر ، وبروز الدور القيادي لعبد الناصر ، أحدث نقلة نوعيه بالتوجه نحو مصر. وفي سبيل تحصين سورية في مواجهة اشتداد التآمر على استقلال قرارها الوطني ، وانطلاقا من مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي الداعية للوحدة والتحرر ، اغتنمت القيادة القومية للحزب مناسبة عيد الجلاء السوري في 17/4/1956 للدعوة لوحدة مصر وسورية ، وسرعان ما استقطب الشعار تأييدا جماهيريا واسعا ، فيما قوبل بمعارضة حزب الشعب والقوى الداعية للوحدة مع العراق. واحتدم الجدل الإعلامي بين الفريقين ومؤيدي كل منهما.

وفي 14/5/1956 شُكلّت وزارة " التجمع الوطني " برئاسة صبري العسلي ، وحاول ممثلو البعث تضمين البيان الوزاري نصا بالتزام الوزارة العمل على تحقيق الاتحاد مع مصر ، الأمر الذي عارضه غالبية الوزاء بحجة عدم استعدادهم للعمل وفق شعار حزبي ، فيما أكد البعثيون أن مشاركتهم في الوزارة مشروطة بالتزامها العمل على مباشرة مفاوضات الاتحاد مع مصر ، وتحت ضغط الشارع المؤيد بقوة مطلب الاتحاد ، ودعم المجلس العسكري الأشد تأثيرا في صناعة القرار السياسي ، اتخذت الوزارة قرار في 5/7/1956 بتشكيل لجنة وزارية تبدأ المفاضات مع مصر لإقامة اتحاد فيدرالي بين القطرين.

وتعكس لقاءات عبد الناصر مع القادة السوريين مدنيين وعسكريين ، تحفظه تجاه التسرع بإقامة الوحدة أو الاتحاد بين القطرين ، انطلاقا من إدراكه بأن الوحدة العربية تعني قيام دولة كبرى في موقع استراتيجي ، ووطن يمتلك أكبر مخزون نفطي ، وفي تضاد مع واقع التجزئة ، ما يجعلها تواجه بعداء الدول الكبرى والإقليمية ، والقوى العربية المعادية للوحدة. فضلا عن حداثة فكر الوحدة مع سورية بالنسبة للرأي العام المصري ، ما يتطلب التمهيد لذلك بتكثيف التفاعلات بين القطرين. إضافة لمعرفة أركان النظام المصري بالنزاعات المحتدمة بين الساسة السوريين ، وعمق تدخل الكتل العسكرية في القضايا السياسية ، وتحسبا من انقلاب عسكري يطيح بأي اتفاق وحدوي. وذلك ما أوضحه لوزير الخارجية السوري صلاح البيطار عندما استقبله في 31/12/1957.

وقد تدارس قادة البعث انطباعات البيطار عن اجتماعه بعبد الناصر ، وقرروا النشاط في صفوف الضباط لتحريك المطالب الوحدوية. وفي الوقت ذاته كان عدد من كبار أركان النظام بمصر قد توصلوا إلى أن المؤسسة العسكرية ، السورية هي الأكثر تجسيدا للتحولات الاجتماعية في المجتمع السوري ، الممثلة بتراجع فعالية القوى الإقطاعية لمصلحة نخب الطبقة الوسطى. وعليه جرى إيفاد اللواء حافظ إسماعيل إلى دمشق ، وبمشاركة عبد المحسن أبو النور، ممثل مصر في القيادة المشتركة ، عقدا لقاء مع جميع أعضاء " المجلس العسكري" السوري ، ممثل المؤسسة العسكرية ، تناولوا فيه وجهة نظر عبد الناصر حول التمايزات القائمة بين القطرين على محاور : صغر الجيش السوري وحداثته قياسا بالجيش المصري ، وتمايز الوضع الاقتصادي في القطرين ، وكون الثورة المصرية تصدّت لقوى متعددة داخلية وخارجية ، وأنه لابد من حماية الوحدة التي لن تقابل دوليا بالارتياح خاصة من الغرب.

وبعد أن تفهم الضباط السوريون موقف عبد الناصر انتهوا إلى الاتفاق على ، السير في طريق تنفيذ الوحدة في أقصر وقت ممكن ، وأعدوا مذكرة بطلب الوحدة الاندماجية ، وشكلوا وفدا ضم 14 منهم لمقابلة عبد الناصر. وحين التقوه مساء 14/1/1958 أفاضوا في استعراض أوضاع سورية ، وحالة الطوارئ القائمة فيها ، ومبيتهم في الثكنات لأن كلا منهم يتوجس من الآخر ، وعن صراعات الأحزاب ، وضغط حلف بغداد ، وتهريب السلاح عبر الحدود ، وتسرب الشيوعيين إلى الأعصاب الحساسة في البلاد ، وعن الفساد المستشري في الوسط السياسي ، والشخصيات التي تعتاش على الأموال من الخارج. وبعد أن استمع لهم عبد الناصر بإصغاء تام قال : هذا كله لا يبرر قيام وحده ، تلك كلها أسباب سلبية ، سوف تكون عبئا على الوحدة بأكثر مما تكون قوة دافعة لها. وأفاض باستعراض المشاكل والتحديات الواقعة. ولكن حديثه لم يزد الضباط إلا إصرارا على طلب الوحدة ، وطالبوه بألا يتخلى عن سورية التي علقت آمالها على مصر وعليه شخصيا ، وأنه إن فعل ذلك يكون قد تخلى عن الدعوة القومية وعن الأمة العربية من أجل مصر وحدها. وأعادوا تأكيد اجماع الضباط على قيام الوحدة فورا ، وأنهم لن يعودوا إلا بعد إقرار الوحدة. وفي اللقاء الثاني أبلغهم استعداد القيادة المصرية قبول الوحدة الفورية إذا تحققت ثلاثة شروط : حل الأحزاب السورية وتشكيل " اتحاد قومي " ، وعدم تدخل الجيش في السياسة ، وإجراء استفتاء شعبي عام على الوحدة بين القطرين.

وفي صباح 16/1/1958عاد غالبية الضباط لدمشق ، فيما تشكلت لجنة لصياغة بيان مبادئ تضم صلاح البيطار ، واللواء عفيف البزري ، رئيس الأركان السورية ، وأربعة ضباط يمثلون وحدات الجيش. بينما مثّل مصر على صبري ومحمد فهمي السيد. وفي 22/1/1958 عاد صلاح البيطار وبقية الضباط إلى دمشق وقد حمل إعلان المبادئ الذي جرى الاتفاق عليه. وقد أقر أركان الحكم السوري إعلان المبادئ بعد مناقشته.

ومما سبق يتضح أن صناع القرار السوري كانوا أصحاب الدور التاريخي في إقامة الوحدة ، ويذكر لهم تميزهم بالنظر إلى الوحدة باعتبارها عوامة إنقاذ ودرعا واقية لسورية دولة ومجتمعا وأحزابا وجيشا من التحديات الداخلية والخارجية. والسؤال التاريخي هل في الواقع العربي من يدرك دور التكامل العربي في تجاوز الواقع المأزوم قوميا وقطريا ؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر