الراصد القديم

2016/04/02

حين خدمت السعودية "حزب الله"... بشهادة الولايات المتحدة!


حسين عاصي
فيما كانت المملكة العربية السعودية تجد في الداخل اللبناني من "يبرّر" لها إجراءاتها "الانتقامية" من لبنان على المواقف المناهضة لها من قبل "حزب الله"، كان للدول الغربية "الحليفة" للمملكة موقفٌ آخر، موقفٌ تخطى درجة "القلق" لحدّ "الامتعاض"، باعتبار أنّ "حزب الله" كان عمليًا "الرابح الأكبر" من كلّ "المعمعة" التي حصلت.

ولأنّ الأمور تجاوزت "الخطوط الحمراء"، كسرت هذه الدول "حاجز الصمت"، فأعربت الخارجية الأميركية عن قلقها، رافضة ترك الساحة اللبنانية لـ"حزب الله" ومن يدعمه(1)، وسرّب الفرنسيون أجواءً مشابهة بعد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن نايف الاخيرة لباريس، ما دفع السعوديين لـ"تليين" الموقف، على لسان وزير خارجيتهم عادل الجبير(2).
الرابح الأكبر

لا يحتاج المرء للكثير من الذكاء، حتى يستخلص أنّ الخطوات السعودية "الثأرية" بحقّ لبنان لم تضرّ إلا "حلفاء المملكة"، بل أنّها خدمت "حزب الله" من حيث لا يحتسب.
منذ اليوم الأول، كان هذا لسان حال المعنيين في الحزب والحلفاء، وأتى تصنيف الحزب "إرهابياً" ليعزّز من "أسهم" هؤلاء، الذين خرج منهم من رأى في ذلك "وساماً" على "صدرهم"، غامزًا بشكلٍ خاص من زاوية "التطابق" بين الموقفين السعودي والإسرائيلي من حزبٍ مقاومٍ، وصولاً حتى "التهليل" الإسرائيلي بالموقف "العربي" غير المسبوق.

وبعيدًا عن "المعنويات"، لم يكن "حزب الله" هو المتضرّر من الخطوات السعودية التي لم تحقّق أصلاً غاياتها في تأليب البيئة الحاضنة للحزب ضدّه، ولعلّ العودة بالتاريخ إلى التجارب الإسرائيلية والتكفيرية تثبت "استحالة" هذا الأمر، لتكون "الدولة اللبنانية"، التي يتّهم السعوديون الحزب ومن خلفه إيران، بالتحكّم فيها، هي المتضرّرة.
وبين هذا وذاك، كان "حلفاء المملكة"، أو "جماعتها في لبنان"، كما يحلو للبعض توصيفها، الأكثر تضرّراً من كلّ ما حصل، حيث وُضعوا في موقفٍ "متذلّلٍ" و"متوسّلٍ" لا يمكن لأحدٍ أن يحسدهم عليهم، هم الذين تحوّلت السفارة السعودية إلى "محجّ" بالنسبة إليهم، والذين تخلّوا عن شعارات "الحرية والسيادة والاستقلال" ليجدوا أنفسهم في موقع "تأليه" السعودية ومنع المسّ بها، ومصادرة حق أيّ مواطنٍ لبناني بالتعبير الحرّ عن رأيه، المنصوص عنه في مقدّمة الدستور.
خطوط حمراء
وبعيدًا عن الحسابات الداخلية، فإنّ لـ"تجميد" مفاعيل الخطوات السعودية، معطوفاً على كسر الغرب لـ"الصمت" الكثير من المعاني والدلالات التي يجدر التوقف عندها، وأولّها أنّ الاستقرار في لبنان خط أحمر، وهو ما أبلغه الأميركيون والأوروبيون للسعوديين بشكلٍ واضحٍ لا لبس فيه، استناداً إلى المظلّة الحامية للبنان، والتي لا يجب التفريط بها في الوقت الحاضر، في ضوء الفوضى المستفحلة في المنطقة ككلّ.
أما الدلالة الثانية، والتي تكاد تتفوّق على سابقتها، فهي أنّ من يرغب فعلاً بـ"محاصرة حزب الله" عليه أن يقف إلى جانب الدولة اللبنانية، لا أن يعاقبها، وبالتالي فإنّ وقف المساعدات الدولية للبنان لن يخدم سوى زيادة نفوذ الحزب في الداخل اللبناني، باعتباره سيصبح حاجة لا غنى عنها. وفي هذا السياق، كان لافتاً أنّه، وبدل أن تكون إيران مثلاً المستفيدة من الخطوات السعودية للدخول إلى لبنان من الباب العريض، كانت أميركا هي المستفيدة، والتي بدأت منذ اليوم الأول تسرّب عبر مصادرها وأوساطها نيّتها ليس فقط استكمال مساعداتها للبنان، بل تعزيزها وتطويرها، قبل أن تجاهر بذلك من خلال الناطق باسم خارجيتها جون كيربي.
ولا يعني هذا الأمر أنّ الولايات المتحدة لا تريد من الدول العربية محاصرة "حزب الله"، بل هي تسعى إلى ذلك منذ سنوات طويلة، ولا تمانع أن تساعد في تقديم المعلومات والمعطيات المطلوبة على هذا الصعيد، لكنها تريد أن تُحصر الإجراءات به دون غيره من الأفرقاء المحليين، كي لا تأتي النتيجة عكسيّة، ما يعني أن واشنطن تعتبر أن المعركة مع الحزب تتطلب دعم خصومه، لا محاصرتهم مالياً وإقتصادياً، كي يقدموا نفسهم بديلاً قادراً على تقديم الخدمات الأساسية إلى المواطنين.
هواجس مبرّرة...

من جهة ثانية، فإنّ الهواجس الغربية، خصوصًا على خلفية قضايا النزوح التي أرخت بثقلها على العالم بأسره، لا تبدو بعيدة عن الحسابات الأميركية والأوروبية في مقاربة الملف اللبناني، فواشنطن لا تريد، ومعها الدول الأوروبية بشكل رئيسي، تكرار تجربة زحف المهاجرين غير الشرعيين نحو أراضيها، خصوصاً أن القارة العجوز هي من دفعت ثمن ذلك بالدرجة الأولى، والدليل هو رضوخها إلى مطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عمل طوال الفترة السابقة على إبتزازها من أجل أخذ الإجراءات التي تحدّ من الهجرة غير الشرعية. ولعلّ النقطة المركزية التي يجدر التوقف عندها في هذا الإطار تكمن في أنّ انفلات الأوضاع الأمنية في لبنان سيحوّل، كما تؤكد جميع المؤشرات، هذه الساحة إلى نقطة إنطلاق قوارب المهاجرين الأساسيّة.

بالإضافة إلى ذلك، ترى واشنطن أن لا مصلحة لها في خسارة الساحة اللبنانية، نتيجة "مغامرة" غير محسوبة النتائج من قبل حلفائها، خصوصاً أن رهانها عليهم في الساحتين العراقية والسورية لم يأت بأي نتائج إيجابية، بل على العكس من ذلك وجدت نفسها مضطرة إلى الدخول في تفاهم مع الحكومة الروسية، التي باتت الطرف الأقوى في المشرق العربي، بالتزامن مع مخاوفها من تداعيات إنفلات الأوضاع على الحدود اللبنانية الجنوبية على أمن حليفتها إسرائيل، حيث تؤكد المعلومات أن الحرب السورية لم تمنع "حزب الله" من البقاء على الجهوزية نفسها لمواجهة أي تهديد يأتي من تل أبيب، وتعتبر أن البلدان الخليجية، العالقة في الحرب اليمنية، تريد منها الحرب عنها، في حين أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما تقوم على عدم الدخول في مواجهة مباشرة.

جرس إنذار!
دقّ الغرب إذاً جرس الإنذار، وكاد يرفع البطاقة الحمراء بوجه المملكة العربية السعودية، ليس حباً بلبنان ولا رغبة بـ"التودّد" لـ"حزب الله" بطبيعة الحال، ولكن انطلاقاً من حسابات متأنيّة ودقيقة لموازين الربح والخسارة، في مرحلةٍ دقيقة وحسّاسة، لا مجال فيها للرهانات الخاسرة.
وفي النتيجة، بدأ التراجع السعودي يُرصَد، تارة من خلال القول أنّ ما حصل كان "غيمة صيف عابرة"، وطوراً من خلال "تعهّدات" بـ"تحييد" لبنان، دولة وجيشاً وشعباً، ليبقى الأكيد أنّ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وكأنّ شيئاً لم يكن، من سابع المستحيلات وأكثر...
 
(1)  أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي أن واشنطن أعربت للرياض عن قلقها من وقف السعودية المساعدات للقوات المسلحة اللبنانية، معتبراً أن المساعدات الدولية للبنان أساسية في الحد من نفوذ "حزب الله"، وشدد على أن المساعدة الأميركية للقوات الأمنية اللبنانية ستتواصل، وقال: "لن نترك الساحة لحزب الله أو من يدعمه".
(2)  بعد لقائه وزير البيئة اللبناني محمد المشنوق، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أنّ "الخطوات التي لجأت اليها السعودية لم تكن تستهدف الحكومة اللبنانية بل هناك تقدير لرئيس مجلس الوزراء تمام سلام وللمواقف التي يتخذها"، فيما قال المشنوق أنّ التوتر "أصبح وراءنا".
 

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر