الراصد القديم

2016/04/02

إيران وروسيا: شفير الاتفاق والخلاف حول سوريا

سامي كليب

 فقدت إيران وحليفها الأول في العالم «حزب الله» كثيراً من خيرة ضباطهما ومقاتليهما في سوريا. كان سبب انخراطهما العسكري المُلكف واضحاً: منع انهيار نظام الحليف العربي الأول  بشار الأسد. كان انهياره يعني بداية انتهاء محور المقاومة وتشديد الطوق على إيران، وفقدان طهران القدرة على الاحتفاظ بدورها الذي كبر كثيراً في المحيط العربي وضد إسرائيل في السنوات التي أعقبت سقوط نظام  صدام حسين.

استفادت إيران من صمود الجيش السوري وقتال «حزب الله» الى جانبه. ربحت اتفاقاً نووياً بشروط جيدة. عادت الى ساحات العالم من بواباته الواسعة. صارت شريكاً في محاربة الإرهاب وشريكاً في البحث عن حلول سلمية لحروب عربية. رفعت عنها العقوبات وبدأ سيل الصفقات التجارية مع الغرب. المصلحة إذاً مشتركة بين دمشق وطهران. فإيران ساعدت كثيراً وربحت أيضاً كثيراً. ولا حاجة للتذكير بالوقوف التاريخي للرئيس حافظ الأسد الى جانب طهران ضد النظام البعثي الآخر في المنطقة أي نظام صدام.

مع الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، ظهر تحليلان، أولهما يؤكد أن الانخراط هو بالأصل ثمرة اقتراح إيراني مقرون بالوثائق والخرائط، وثانيها يجزم بأن دخول روسيا من الباب الواسع يعني بداية خروج إيران من الأبواب نفسها، وأن الجيش السوري قد يفضل في نهاية المطاف التعامل مع جيش روسي، وأن دمشق عاجلا أو آجلا ستعود للانفتاح على الغرب أيضا. (كلام الدكتورة بثينة شعبان عن إيجابية الاتفاق الروسي الأميركي لافت).

الآن يبدو أن العلاقة الروسية الإيرانية في سوريا تزداد تعقيداً، لماذا؟
في المعلن أولا، يمكن أن نقرأ تصريحاً لافتاً أدلى به قبل فترة الجنرال محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الإيراني لوكالة «مهر» الإيرانية، قال فيه: «إن جارتنا الشمالية (أي روسيا) تساعد في سوريا، لكنها غير سعيدة بالمقاومة الإسلامية، وعلى أي حال فإنها تقدم المساعدات على أساس المصالح المشتركة، ولكن ليس من الواضح أن مواقف روسيا تتطابق مع إيران بشأن الرئيس الأسد».

هل هذا يعني أن إيران متمسكة بشخص الأسد أكثر من موسكو؟ ربما نعم. فروسيا قالت مراراً إنها لا تدعم شخصاً في سوريا وان قضية الرئيس هي من صلاحيات الشعب السوري. لذلك عاد جعفري يقول بحزم أكثر لوكالة «فارس»: «إيران لا ترى بديلا للأسد وتعتبره خطاً أحمر وتعتبر تجاوزه ممنوعاً». هذا ليس كلاماً عابراً، فهو للصديق والعدو على السواء. لا ننسى أن جعفري يمثل القوة العسكرية الأولى في البلاد ويمثل المرشد السيد علي خامنئي.

في المعلن ثانياً، أن الرئيس حسن روحاني الذي صار أكثر ميلاً للتفاهمات بدل الثورات والحروب وفق ما فُهم منه بعد الانتخابات الأخيرة، قال مُحذراً: «إن تناغمنا مع روسيا لا يعني أننا نوافق على أي خطوة تقوم بها في سوريا». ثم قال في معرض آخر: «لقد أبلغنا جميع الأصدقاء والجيران وروسيا صراحة، أن سيادة بلدان المنطقة على أراضيها مبدأ يحظى بتأييدنا، سواء في ما يتعلق بالعراق وسوريا أو في أي بلد في المنطقة، فالسيادة الوطنية ووحدة التراب أمر مهم بالنسبة لنا». أليس في هذا الكلام تحذير لروسيا من قبول الفدرالية أو التقسيم أو قيام دولة كردية؟ ألم يكن هذا هو سبب اللقاء بعد جفاء بين أنقرة وطهران؟ بلا تردد، نعم.

في المعلن ثالثاً: أن وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون قال جهاراً إن إسرائيل وموسكو متفقتان بشأن السماح للطيران الإسرائيلي بضرب «حزب الله» في سوريا. اختصر الموقف بجملة واضحة: «اتفقنا ألا نزعجهم ولا يزعجونا». هذا طبعا يزعج إيران جداً، فهي جاءت الى سوريا لتعزيز دور المقاومة وليس للسماح بضربها.

ماذا في غير المعلن؟
تعمل إيران على تعزيز المصالحات وشراء بعض القوى العسكرية المعارضة. هذا يوفر عليها وعلى حلفائها شهداء وتضحيات واستنزافاً. لكن هل أنها كانت فعلا متحمسة لوقف سريع لإطلاق النار بعد التقدم المتعدد الجبهات والاتجاهات الذي حققه الجيش السوري و «حزب الله» وقوات أخرى مدعومة من إيران ومن الطيران الروسي؟ حتماً لا.

في غير المعلن أولا: ان وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان، حين زار موسكو بعد أيام على القرار الدولي بوقف العداوات، أبدى الكثير من مبررات القلق والتوجس من هذه الخطوة. قال إن القرار جاء سريعاً وكان من الأفضل تأجيله. لم يسمع إلا تبريرات غير مقنعة.

في غير المعلن ثانيا: أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لعبت دوراً مهماً في إرجاء وربما منع تسليم موسكو صواريخ حديثة الى إيران. ثمة تكتم شديد حول الأمر. سيزداد الأمر صعوبة مع فتح اللوبي اليهودي مجددا في أميركا النار على الصواريخ الباليستية الإيرانية وضرورة العودة الى العقاب الدولي. هذه نسخة مكررة عن ضغوط البرنامج النووي.
نتنياهو الذي تربطه ببوتين علاقة جيدة حاليا خلافا لعلاقته بأوباما، رحب بوقف إطلاق النار في سوريا لكنه قال في تهديد واضح آخر الشهر الماضي: «إن أي إجراء في سوريا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وقف العدوان الإيراني ضد إسرائيل من الأراضي السورية. لا نوافق على تسليم حزب الله أسلحة متطورة... لا نسمح بفتح جبهة إرهابية ثانية في مرتفعات الجولان، ان هذا كان وسيبقى خطاً أحمر».
في غير المعلن ثالثا: ان زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو الى طهران، جاءت بعد وصول الصدام بين انقرة وموسكو الى حد التهديد باندلاع حرب عالمية ثالثة، وذلك في أعقاب إسقاط تركيا طائرة روسية. صحيح ان ثمة من قال ان طهران تسعى للتقريب بين الدولتين، لكن الصحيح حتما ان بوتين الذي كان قد خفض 10 في المئة من ثمن تصدير الغاز الى تركيا وعقد معها سلسلة اتفاقيات هامة، لم يكن في هذه اللحظة بالضبط راغباً ربما بتحسين العلاقات الإيرانية التركية وبإعادة تعويم دور أردوغان من طهران.

في غير المعلن رابعا: ان روسيا الدولة العلمانية القلقة من كل ما هو نشاط إسلامي، ربما تريد اليوم ان تطرح نفسها وسيطا وليس طرفا في نزاعات المنطقة، ولعلها تقول لخصوم إيران انه كلما تعزز دول الدولة السورية وجيشها، كلما ضعفت الحاجة لوجود إيراني. هذا يغري إسرائيل ودول الخليج وأميركا على الأرجح وصولا الى تركيا لاحقا. لا شك بأن شكر وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف لدور السعودية في مفاوضات جنيف أمس الأول، يشي برغبة بانفتاح أكبر قد تكلل بزيارة الملك سلمان لموسكو. لم يكن بالصدفة اتفاق بوتين وضيفه ملك المغرب في اليومين الماضيين على توسيع جبهة محاربة الإرهاب. قد نشهد قريباً ترحيباً روسياً بضم قوى عربية سنية.

هل ثمة خلاف بين روسيا وإيران؟
هناك اختلافات في بعض التوجهات وليس خلافات. فالتنسيق العسكري بين الجيش الروسي وإيران و «حزب الله» كان ولا يزال كبيرا على الأراضي السورية. علاقات البلدين شهدت نمواً هائلاً في الأعوام القليلة الماضية توّجت بزيارة بوتين لطهران وإصراره على التوجه مباشرة من المطار لمقابلة  علي خامنئي. خرق بذلك كل البروتوكولات المعهودة في دولتين عريقتين بالبروتوكول كروسيا وايران.

في العلاقات التجارية، تحتل ايران المرتبة الخامسة بين جيران روسيا. يسعى البلدان الى رفع التبادل الى 70 مليار دولار سنويا (هو حاليا أقل من 3 مليارات). فتحت روسيا خطا ائتمانيا بمبلغ 5 مليارات دولار لدعم مشاريع مشتركة. تفاهم البلدان على إيصال الاستثمار في مجال الطاقة الى 40 مليارا، وعلى مشاريع لسكك الحديد بـ5 مليارات، وتحديث محطات الكهرباء بـ6 مليارات. قدمت وزارة الطرق والإعمار الايرانية لموسكو 21 مشروعا في مجالات البنى التحتية بما يقارب 25 مليارا. يجري حاليا تذليل العقبات المصرفية وخطوط التواصل البري. وقّع البلدان مذكرة تفاهم استراتيجية في مجالات النفط والغاز والكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والقطاع المصرفي وغيرها.

ولو أضفنا الى كل ذلك التعاون الهائل في بحر قزوين وآسيا الوسطى والقوقاز ومنظمة شنغهاي وغيرها، ناهيك عن الصفقات العسكرية المعلنة والسرية، نفهم أن بين البلدين طموحات استراتيجية كبيرة للتعاون وللضغط على الغرب الأطلسي... أحدث دليل، هو رفض موسكو فرض عقوبات جديدة على طهران بذريعة الصواريخ الباليستية.

الآن ومع ركوب الحرب السورية قطار التسويات والصفقات والتفاهمات الأميركية الروسية، يجد بوتين فرصة للعب دور الوسيط. أوباما يسلمه مفاتيح الحل. إسرائيل ليست منزعجة. لا بد من جذب دول مجلس التعاون الخليجي والمعارضة؟ فهل يُقدم على خطوات تزيد التوجس الإيراني حين يحين زمن التنازلات المتبادلة؟

ربما نعم، لكن الرجل لم يخدع عبر مسيرته أياً من شركائه، فكيف اذا كان الشريك بأهمية ايران؟ لا شك بأنه سيحاول الحفاظ على أوراق قوته وربح أوراق أخرى. مصير الأسد والدولة الكردية العتيدة ومستقبل المغامرات الإسرائيلية هي الفيصل. يبدو أن المنطقة أمام أشهر خطيرة قبل الانتخابات الأميركية. عممت إيران قبل فترة على مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية أن تستعد لكل الاحتمالات من إسرائيل الى سوريا فالعراق... لننتظر ونر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر