الراصد القديم

2016/04/02

الإسرائيليون والفلسطينيون: الوصول للحائط المسدود!نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي

 
مجدي منصور
«إن علينا أن نناقش كل ذلك بهدوء، من غير غضب، من غير انفعال، من غير حزن، من غير دموع؛ فلقد فات أوان الدموع».وليام شكسبير

لقد كنتُ أبتعد دائمًا عن تناول ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (عامدًا متعمدًا)؛ وذلك لأن تناول هذا الملف (يُزعج) كل من له (عقلٌ يُفكر)، و(يؤلم) كل من له (قلبٌ ينبُض)، و(يحسر) كل من له (ذاكرةًلاحية لم يعلها الصدأ) أو (تغطها الأكاذيب والأباطيل).


فما نراه مُنذ فترةً طويلة، من (استكبار) إسرائيلي، و(تخاذُل) عربي، (يُدمى) القلب، و(يُحير) العقل، و(يجرح) الفؤاد، و(يُهيج) النفس بمشاعر مختلطة، ما بين “الحزن”، و”القهر”، و”العجز”، و”الاكتئاب”.


ولعل كثيرين ممن تحدثوا عن الإنتفاضة الجديدة التي أُطلق عليها (انتفاضة السكين) في الأراضي المحتلة حاولوا تفسير تلك الظاهرة، وردوها لـ”أسباب كثيرة” و”مسببات عديدة”، ولعل هؤلاء، وهم يتحدثون (بكل الفخر الواصل إلى حد المبالغة) أو (بالحزن المؤدي إلى التشاؤم) أو بأسلوب يجمع ما بين الاثنين نسوا أن كل أطراف الصراع قد وصلوا إلى الحائط المسدود، ولم يعد أمامهم طريق مفتوح يسيرون فيه، وأن لحظة الحقيقة قد أزفت.

خريطة إسرائيل إلى الحائط المسدود

«المسيحيون تركوا القدس إلى روما، والمسلمون تركوها إلى مكة، واليهود وحدهم بكوا عليها» الحاخام الأكبر في مصر حاييم ناحوم للملك فاروق

  1. كان هم الأباء المؤسسين للفكر الصهيوني هو (فتح باب الهجرة لفلسطين)، وتوافق ذلك مع بروز (محمد على) في مصر، وبداية فتوحاته والتقائه بوادي الشام مما أقلق بريطانيا في ذلك الوقت؛ لأنها كانت تجهز نفسها لوراثة رجل أُوروبا المريض (الإمبراطورية العثمانية) في ذلك الوقت، وبالفعل استطاعت بريطانيا هزيمة (محمد علي) وإخراجه من سوريا وحصره بعد ذلك داخل حدوده، ويلخص أحد آباء الفكر الصهيوني، تلك الفترة في مذكراته، وهو “ناحوم سوكولوف” بالنص (ما له دلالة اليوم أيضًا!):

(إن السلطان التركي وحده، وبغير مساعدة لا يملك القوة الكافية للاحتفاظ بسوريا.

إن مصر لها الحق في الاستقلال، إذا استطاعت أن تحصل عليه.

ولكن عودة سوريا لتكون جزء من تركيا، سوف تظل باستمرار تهديدًا لمصر.

وإذا ظلت سوريا جزء من مصر فذلك سيجعل تركيا غير آمنة.

وإذا أحست تركيا بعدم الأمان فذلك سوف يُهدد السلام في أُوروبا. ونتيجة لذلك (فمن الضروري إنشاء كيان عازل يفصل بين مصر وتركيا ويبقى كلا منهما في مكانه).

ثم يستطرد “سوكولوف” قائلا: (إن تلك كانت الفرصة الذهبية أمام الحركة اليهودية؛ لكى تملأ هذا الفراغ وتطالب “ببعث إسرائيل من جديد”).(1)
 2 –كان القرار الصهيوني قد استقر على أن تكون (فلسطين)، وليست “أوغندا” أو “الأرجنتين” هي الوطن المنتظر، وبدأ الآباء الصهيونيون يحاولون طرق كل الأبواب؛ من أجل الموافقة على هجرة كبيرة من اليهود إلى فلسطين، وقد ذهب هؤلاء الآباء إلى كل الجهات؛ ليطلبوا ذلك، ذهبوا إلى والى “مصر” وقتها (محمد علي)، وكذلك (للسلطان العثماني) في “إسطنبول”، و(لفرنسا) و(لبريطانيا).


لكن الملاحظ: “أن هؤلاء اليهود لم يفكروا مرةً واحدةً في الحديث أو للتفاوض مع أصحاب الوطن الأصليين: الفلسطنيين”. وخصوصًا بعد أن أرسل (تيودور هيرتزل) باثنين من حاخامات فيينا لمهمة استطلاع. ومن فلسطين أرسل إليه الاثنان تلغرافيًا يقولون له بالرمز: “إن العروس جميلة، لكن المشكلة أن لديها زوجًا”(يقصد الحاخامان أن الأرض عليها شعب).

ومن يومها، من رؤية (تيودورهيرتزل) حتى خطط (دافيد بن جوريون) كانت “الاستراتيجية الإسرائيلية” حتى قيام الدولة: ( تقوم بـ”استخدام السلاح” (بكافة أنواعه وأشكاله) “لقتل” الزوج أو “طرده” على الأقل لكى يحل شعب محل شعب أو زوج محل زوج). ليحققوا شعارهم الدعائي (إنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).

 
 وكان (بن جوريون) فاهمًا واعيًا ومتحسبًا؛ لكي لا (يجور السلاح) على (استراتيجية الدولة العليا)، وعارفًا أن (السلاح يجب أن يكون في خدمة السياسة، وليس العكس).

ومثلًا: (عندما استطاع “مناحم بيجن” أن يأتي بسفينة سلاح في عز حرب 1948م طلب منه “بن جوريون” وهو (رئيس الوزراء) وقتها تسليم تلك السفينة للدولة، ثم تقوم الدولة، بعد ذلك، بمهمة توزيع السلاح، إلا أن “بيجن” رفض، فما كان من “بن جوريون” إلا أن أمر بإغراق سفينة السلاح تلك).

إن نظرة على مذكرات (دافيد بن جوريون) تستطيع أن تكشف بجلاء عن أهدافه وتخوفاته التي تعكس بالطبع أهداف وتخوفات الدولة العبرية في تلك الفترة:

  • 16 يناير 1949م
  • في العاشرة مساء خابرني (ييجال يادين). عاد ديان بعد لقاء مع الملك “عبد الله” (ملك الأردن) سيحضر إلى هنا غدا. العجوز عبد الله يشكو من الإنجليز ويطلب عدم ترك المصريين لا سمح الله في غزة. من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان أو نأخذها نحن.
  • 29 يناير 1949م
  • الهزيمة العربية كاملة، لكنى أتخوف طوال الوقت من نداءات في العالم العربي تدعو إلى إنشاء حركة شبيبة وتدريبها، وتوحد قيادة الجيوش العربية، وتقيم مصانع للسلاح، وتطبق عقوبات اقتصادية علينا، وتلغي الامتيازات، التي تمكن الإمبريالية من السيطرة على العرب، وإنشاء تنظيمات عمالية، وتعزيز الصناعة والقيم العصرية، وفتح مؤسسات للتعليم العالي، وإزالة الحدود الجمركية بين البلاد العربية، وتنظيم دعاية فعالة في العالم العربي. هذا هو الطريق الذى يحلم به العرب، “وأنا أتخوف طوال الوقت من أن يقوم زعيم عربي ذو كاريزما بقيادتهم عليه“.
  • 14 يوليو 1949م
    • جاء (أبا ايبان) . لا يرى ضرورة للركض وراء السلام، الهدنة تكفينا. فإذا ركضنا وراء السلام فإن العرب سيطلبون منا ثمنًا: حدودًا، أو عودة لاجئين، أو كليهما. لننتظر بضعة أعوام.

      (2)

«ما الذى يريده هؤلاء الجنرالات ؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده إلى ما لانهاية»
ليفي أشكول عن الجنرالات
3 –عقب قيام الدولة بقليل حدث ما كان (بن جوريون) يتخوف منه، ويقيم له ألف حساب؛ إذ ظهر ذلك الشخص الذى كان (بن جوريون) يتخوف منه: (جمال عبد الناصر) في البلد الذي كان دائم القلق والخوف منه: (مصر)، وخصوصًا أن ذلك الزعيم مضى إلى كل ما كان (بن جوريون) خائفًا ومحذرًا منه: ( المُضى على طريق التقدم)، وبالتالي تطورت وتحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى:(إعاقة مصر دائمًا أو تعطيلها على أقل تقدير عن السير في طريق التقدم والاطمئنان على إبعاد وادى النيل “مصر” عن “وادى الفرات” الشام التاريخي)، ولأن ذلك أمر صعب بالسياسة، فكان على السلاح أن يتكفل بتحقيق هذا الهدف (أي الدفاع عن الوطن من خارج حدوده)، وليس الانتظار عند باب البيت.

إختلاف التعامل الإسرائيلي مع مصر وسوريا وأسبابه؟

«في الجنوب مع مصر لم يكن مأمونًا أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل الهاربون» الجنرال أهارون ياريف مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية

  • إن المدقق في السياسة الإسرائيلية سيجد حتمًا اختلافًا ظاهرًا وواضحًا في أسلوب التعامل مع مصر وسوريا، فمع أن عداء إسرائيل للبلدين مُحقق ومؤكد، إلا أن التعبير الإسرائيلي عن العداء في الحالتين متباين.
  • والحاصل أنه مع (سوريا) فإن (العداء الإسرائيلي يعتمد أسلوبًا يكاد تركيز ضغطه أن يكون على الأعصاب بحيث يستثيرها ويفقدها التوازن). وإزاء محدودية القدرة على رد الفعل، فإن الضغط على الأعصاب (كذلك التقدير الإسرائيلي وفق ما هو ظاهر من الوثائق الأخيرة المفرج عنها أخيرًا) يُحول كل التفاعلات إلى احتقان يرتد أثره إلى الداخل السوري قبل أن ينفجر نارا على الحدود.
  • و أما مع (مصر) فإن (العداء الإسرائيلي يظهر منذ اللحظة الأولى تصميمًا على القتل) . فالعداء على الجبهة المصرية دائمًا وباستمرار (حرب لسفك الدم دون أي اعتبار أخلاقي أو إنسانى ولكسر الإرادة) وليس لمجرد (استثارة الأعصاب) أو الاعتماد على احتقان داخلي!

أسباب التباين في أسلوب التعامل الإسرائيلي مع كُل من مصر وسوريا

«في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة، تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها، أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأمونًا أن نصطاد (الوحش بالشبكة)، ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل الهاربون» أهارون ياريف
  • عداء إسرائيل لمصر يهدف الى إبعادها وإخراجها من الصراع العربي الإسرائيلي، ويعزز ذلك اعتقاد بأن عودة مصر إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن.
  • وأما في الحالة السورية فإن سوريا موجودة بالجغرافيا والتاريخ داخل البؤرة المباشرة للصراع العربي الإسرائيلي، حتى تكاد فلسطين أن تكون جزءً من سوريا (وإذن فإن سوريا على عكس مصر، لا يمكن إخراجها وإذا كان ذلك فهي باقية مهما حدث.
  • وعلى هذا الأساس فإن أقصى العنف ضروري مع مصر؛ لأن الهدف هو قطع اتصالها بالمشرق العربي، فهي جراحة دموية، وبدون تطهير للجرح أو تضميد.
  • وأما مع سوريا فإن الجراحة ليست ضرورية، والجرح ليس مطلوبًا، والترويض أنفع من العنف، والتطبيب أنجع من الجراحة، إلا في الحالات القُصوى، وفي أضيق الحدود(2).
ومن سنة 1952م حتى 1970م تركزت قوة السلاح الإسرائيلي أكثر ما تركزت على (مصر) بالذات. بهدف إبعاد (مصر) عن (الشام) والتقدير الإسرائيلي وقتها ـ ولا يزال ـ “أن عودة مصر وعزلها إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن بالإكراه، وببعض العنف”.

ولعل أفضل من عبر عن ذلك كان رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إبان حرب يونيو (1967م) الجنرال (أهارون ياريف) حينما قال: (إن السلام سوف يداوى كُل جراح الحروب السابقة بيننا وبين العرب. وصحيح أننا لجأنا إلى العنف مع المصريين أكثر من غيرهم، لكنكم تعرفون أنهم الطرف الأقوى والأخطر، ولقد كان أسلوبنا في الحرب مع العرب إذا أخذنا بفنون الصيد في البحر وتنوعها هو:

  • في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة، تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها.
  • أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل (الهاربون)Harpoon (الرمح أو الحربة المُثبتة على بندقية، والتي تُستعمل للصيد في الأعماق، وهي تلحق جراحًا غائرة، وأحيانًا قاتلة، بالسمك الكبير الذى يصيبه)(3).
وقد حاول السلاح الإسرائيلي في عدوان السويس (1956م) وفشل. وظل (مُتحينًا الفرصة) حتى آتت في عام(1967م)، ولكن جنرالات إسرائيل وقتها (عزرا وايزمان) و(إريك شارون) و(إسحاق رابين) و(إسرائيل تال)، ومعهم من الخارج وقتها (موشى ديان) و(شيمون بيريز)، لم يصبروا حتى تأتي الأضواء الخضراء من (واشنطن) مُعلنة الانطلاق من أجل تحطيم الأسطورة في القاهرة (جمال عبد الناصر)، وتحويل التجربة الثورية المصرية الرائدة في القاهرة (من “مثل” يُحتذى به إلى “أمثولة” يتعظ منها). (أُعد حاليًا بحثًا مفصلًا عن خفايا حرب يونيو 1967م في ضوء الوثائق الإسرائيلية والأمريكية التي خرجت مؤخرًا، والتي تحوى مفاجآت مُذهلة).

وقام الجنرالات من وقتها وحتى اليوم (باغتصاب سلطة القرار السياسي) من رئيس الوزراء المسكين المنكسر مهيض الجناح وقتها: (ليفي أشكول)، الذي رضخ لمطالبهم خوفًا من حدوث (انقلاب) يقوده العسكر في الدولة التي تصدر صورتها على أنها (الديموقراطية الوحيدة في المنطقة!). وقال بغضب مكبوت، ممزوج بأسى، مُعلقًا على تجاوزاتهم لعدد من زُملائه الوزراء، وفق ما سجله مدير مكتبه الجنرال: “إسرائيل ليور” بقوله: (ما الذى يريده هؤلاء الجنرالات؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده، وأن تعيش بالسيف وحده، وعلى السيف وحده إلى ما لانهاية!)(4).

وفى يونيو سنة (1967م) وإلى هذه اللحظة (2016م) وقع المحظور الذي كان يخشاه كثيرون من الآباء المؤسسين، الذين شاركوا في إقامة المشروع، وساعدوا على تحقيق مهامه، وبينهم ـ على سبيل المثال ـ رجل مثل “ناحوم جولد مان” الذى رأس المؤتمر اليهودي و”موشى شاريت” الذى أصبح وزيرًا للخارجية بعد قيام الدولة، ثم تولى رئاسة الوزراء لسنة واحدة فقط. ورجل مثل الدكتور “يهودا ماجنس” الذي (قام على بناء النظام التعليمي في دولة جاء سكانها من 92 دولة أخرى).

كان كل هؤلاء وغيرهم قد فهموا وتصرفوا بإدراك أن (قوة السياسة وليست قوة السلاح هي أمان اليهود طوال تاريخهم قبل الدولة وبعدها).

 
 كانوا جميعاً يدركون حاجة المشروع الصهيوني إلى استخدام السلاح، لكنهم جميعًا جاهدوا؛ حتى يلتزم السلاح حدوده، ولا يُفسد على المشروع دعاويه المعنوية وضروراته العملية!

والذي حدث أن الجنرالات في عام 1967م اعتبروا أنفسهم المسئولين الوحيدين عن أمن وبقاء الدولة العبرية، وفي سبيل ذلك اندفعوا، واندفع السلاح معهم إلى ما يمكن اعتباره نقطة تحول في التاريخ الإسرائيلي (فالجنرالات استولوا على الحرب، ومع استيلائهم على الحرب، استولوا على السياسة، وتجاوزوا واخترقوا حدودًا لم تطلبها استراتيجية إسرائيل العُليا، كما رسمها الآباء المؤسسون).

  • في حرب (يونيو1967م) تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده واحتل كل سيناء (في حين كان المطلوب وفق التخطيط الإسرائيلي أقل من نصفها) ( ولتلك قصة أخرى).
  • ثم تجاوز السلاح حدوده، فاحتل كل الضفة الغربية للأردن بما فيها القدس (في حين كان المطلوب سياسيًا ومعنويًا، وعند الضرورة، حائط المبكى وحده).
  • ثم تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده تمامًا، فصعد إلى هضبة الجولان، (ولم يكن ذلك مطلوبًا من الأصل؛ لأن الاستراتيجية العليا لإسرائيل كانت تُحاذر من جراحات دموية في الشام، فهي تُريد المنطقة سليمة بقدر الإمكان – هادئة بقدر الإمكان – بلا دم في الحاضر ولا ثأر في المستقبل!)
والنتيجة: أنه في ثلث القرن الأخير وجدت إسرائيل نفسها في الشام التاريخي دولة إمبراطورية (وفى الإمبراطوريات كبير وصغير)، لكن الإمبراطورية مهمًا كان حجمها قد تكون لها (مزايا مُغرية)، لكن لها مع مرور السنين (تكاليف مُرهقة)، خصوصًا عندما تتنازل كافة عوامل القوة وتترك مكانها للسلاح وحده.

ولقد تعلمت الإمبراطوريات (حتى الكبيرة منها) أن تكاليف الإمبراطورية حين يكون اعتمادا على السلاح وحده عبئا ثقيلا خير منه الانسحاب، وحتى بغير (شروط)، وأحيانًا بغير (كرامة) كما فعلت الإمبراطورية البريطانية في السويس (مصر)، وكما فعلت الإمبراطورية الفرنسية في (ديان بيان فو)، وحتى كما فعلت الإمبراطورية الأمريكية في (سايجون) في (فيتنام).

لكن مثل ذلك لم يكن في مقدور إسرائيل؛ لأن الإمبراطورية كانت من حول حدود الدولة نفسها، فإذا كان لابد من انسحابها فإن الشرط المطلوب توافره أن يكون انسحابها مصحوبًا باعتراف كامل (تاريخيا) و(قانونيا) و(سياسيا) و(عسكريا) لا يملك العرب أن يقدموه، وحتى إذا قدموه، فإن إسرائيل لن تصدقه!(5)

(3)

«القتال انتهى لصالحك، ولكن العرب كسبوا استراتيجيًا»
هنري كيسنجر لجولدا مائير

4 – وفى 6 أكتوبر 1973م تلقى السلاح الإسرائيلي ضربة موجعة وصادمة، على كلٍّ من الجبهتين المصرية والسورية ضربة كادت تُفقده ثقته بنفسه إلى الأبد، ورغم معاندة بعض الساسة وقتها في إسرائيل.

ويروى(هنري كيسنجر) في مذكراته: (أنه قابل رئيسة وزراء إسرائيل وقتها “جولدا مائير” في واشنطن بعد وقف إطلاق النار، وأنه لم يتردد في أن يصارحها بالحقيقة، على الأقل لتكون عارفة بها كأساس لحُسن تقدير موقفها).

ثم يمضى (كيسنجر) في شرح تجربته مع (جولدا مائير) قائلا: (لقد قابلتها صباحًا في وزارة الخارجية، وفي البيت الأبيض، وكانت عنيدة مثل: ” بقرة نامت وسط الطريق وعاقت حركة المرور فيه”.

وقابلها بعد ذلك مساءً وقال لها: ( القتال انتهى لصالحك، ولكن العرب كسبوا استراتيجيًا، وعلينا جميعًا أن نفهم ذلك؛ لكي نتحرك من “هنا” إلى ما يُلائمنا).

ويضيف (كيسنجر): ( لكنها ظلت طول اليوم تعاند، ومنطقها أنهم ( أي الجيش الإسرائيلي) “استعادوا كل الجولان وأكثر على الجبهة السورية، وأن لهم قوات يقودها الجنرال “شارون” عبرت قناة السويس إلى الشرق في (أفريقيا)”.

ويستطرد (كيسنجر): (أنه حاول لساعات مُتأخرة من الليل أن يشرح لها الفارق بين “القتال” و”الحرب”، وأنها في تلك الجولة التي انتهت ربما تكون قد “ربحت القتال، ولكنها خسرت الحرب”، لكنها ظلت تعاند).

ويُكمل (كيسنجر) :(ليلة بأكملها مع امرأة واحدة، وامرأة اسمها (جولدا)! والرجل الجالس معها (أي هو كيسنجر) يبذل جهده ليجعلها تفهم بأدب ورقة “أنها لا تملك الجمال الذى يُمكنها من تزويق الواقع”، ثم إن عليها الاعتراف بالواقع؛ حتى تعرف كيف تتعامل معه).

ولم يكن كيسنجر يفعل ذلك حُبًا في العرب ولا خوفًا على مصلحتهم فالرجل يهودي أصيل مُحب لأهله، ولكنه كان يريد إجراء حساباته على أساس سليم، حتى يستطيع أن يحصل لإسرائيل على ما تريده.

هو نفسه (كيسنجر) يروى في نفس المذكرات أنه كان في غرفة عمليات البيت الأبيض يتابع الحرب ومسارها، وكانت كل الأخبار والمعلومات تفيد باكتساح القوات المصرية والقوات السورية للجيش الإسرائيلي، وكان كل المتواجدين داخل تلك الغرفة، سواء من السياسيين مثله، أو من العسكريين، لا يصدقون ما يأتيهم من معلومات من قدرة العرب على هزيمة إسرائيل في الأيام الأولى من الحرب.

ويقول (كيسنجر): إنه اختلى في ركن بوزير الدفاع الأمريكي وقتها (جيمس شيليزنجر)، ودار بينهم الحوار التالي:

(هنري كيسنجر): ( ألا نستطيع مساعدتهم بعمل من جانبنا ؟)

(جيمس شيليزنجر): ( من الصعب فعل شيء في هذا الوقت؛ لأن كل الأعيُن مفتوحة، وكل الآذان مُتيقظة).

(هنري كيسنجر): ( ولكننا فعلناها من قبل في حرب 1967م، ولم يكتشفنا أحد!)

(4)

«هل تعرف يا سيد بيجن: بأن الإعلام العالمي بأسره يشبه زيارتي لكم بنزول أول إنسان على سطح القمر؟

سيادة الرئيس: إن الإنسان قد صعد إلى القمر، ولكنه نزل ثانيًا على الأرض!» بيجن ل أنور السادات
5 –وعندما عرض  أنور السادات على كيسنجر ما أسماه: الاتفاق الاستراتيجي، والذي بمقتضاه تبتعد مصر عن الاتحاد السوفيتي، وتقيم اتفاقًا استراتيجيًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ حوار مصري إسرائيلي ينتهى إلى معاهدة سلام بينهم). لم تكن إسرائيل، وهى تسمع العرض (الساداتي!)على لسان “ساحر فيتنام” (هنري كيسنجر) مُصدقة ذلك، ولعل أفضل من قدم صورة التفكير الإسرائيلي من هواجس وشكوك وحيرة! في ذلك الوقت محضر مباحثات هنري كيسنجر مع القادة الإسرائيليين في تل أبيب بتاريخ 16 ديسمبر 1973م:

(جولدا مائير): (إن ما قرأته في رسالة السادات، وما سمعته منك عن نواياه، شيء طيب، ولكن ما أستغربه هو لماذا يفعل ذلك؟)

(هنري كيسنجر): (إن تفسيري لموقفه مُركب بعض الشيء .. الحقيقة أننى أنا شخصيًا مندهش من مسلكه؛ إن الرئيس المصري لا يبدو حتى الآن مستعدًا لاستعمال قوته السياسية الكاملة التي تعطيها له حقائق موقفه، كما أنه لا يأخذ الموقف الدولي الجديد في اعتبارته وهو يتفاوض).

ثم استطرد (كيسنجر) قائلًا وفق محضر الاجتماع: (إنني أعتقد أن الرئيس السادات في استطاعته أن يستخدم ما لديه؛ لتحقيق اتفاق كامل بانسحابكم على شروطه، وإلى خطوط 4 يونيو 1967م. وحتى إذا خاطر باحتمال تجدد القتال فإن العالم كله سوف ينحو باللوم على إسرائيل).

ثم تساءل(كيسنجر) في عرضه أمام (جولدا مائير) ووزرائها قائلًا: ( لماذا إذن لا يستعمل “السادات” كل عناصر موقفه ليضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل؟)

وأجاب على سؤاله قائلًا: (السبب في رأيي أن “السادات” قد وقع ضحية للضعف الإنساني human weakness. إنه في الحالة النفسية لسياسي يتشوق إلى أن يرى نفسه وبسرعة سائرًا في موكب نصر في سيارة مكشوفة عبر مدينة السويس وآلاف الناس على الجانبين يصفقون له كمنتصر)(6).

 
 وعندما قرر الرئيس المصري المؤمن! (أنور السادات) السير في مقامرته إلى النهاية، وذهب إلى القدس في سنة 1977م كانت الاستراتيجية الإسرائيلية ترى (أن ذلك يُعزز مطلبها “إبعاد وادى النيل عن الشام”).

وعندما توصلت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة إلى عقد معاهدة كامب ديفيد (1979م) مع مصر كان مقصدها الأكبر (إبقاء القوة المصرية، وفيها الجيش المصري وراء قناة السويس شرقًا).

ولتسهيل ذلك على مصر فإن إسرائيل أصبحت على استعداد للانسحاب من سيناء كُلها بما فيها (شرم الشيخ)، برغم مقولة (موشى ديان) بشأنها يومًا “أنه يفضل شرم الشيخ بدون سلام، على سلام دون شرم الشيخ”. ثم إنها كانت على استعداد أيضًا لهدم أية مستعمرة أقامتها في سيناء، بما في ذلك مستعمرة “ياميت” رغم عملية تمرد وعصيان على القرار، تزعمها في ذلك الوقت صقر الصقور في إسرائيل من يومه الأول، وحتى وفاته الجنرال (إريك شارون).

6 – ومع اطمئنان إسرائيل لتحقيق الهدف الاستراتيجى لها بعد المعاهدة مع مصر (إبعاد مصر عن الشام) قامت إسرائيل بالتصرف (كدولة إمبراطورية)، ولكنها لا تملك، إلا وسيلة السلاح تعتمد عليها. (الاعتماد على السلاح، وليس على السياسة). وتلك كانت الخطيئة التي بدأت في حرب يونيو (منذ أن اختطف الجنرالات القرار السياسي سنة 1967م).

ولأن استخدام السلاح كان قد أصبح هو (الخيار الأول)، وبمرور الوقت، ومع حالة الضعف العربي (بعد خروج مصر من المعادلة) بالإضافة إلى الاختلال على الساحة الدولية (بسقوط الاتحاد السوفيتي) أصبح استخدام السلاح هو الخيار (الأول والأخير) لدى كل قادة الدولة العبرية.

ولعل الناظر إلى الساحة الإسرائيلية سيجد أن أغلبية رؤساء الوزارات في إسرائيل الذين نجحوا، والذين فشلوا هُم من الجنرالات. الذين حاربوا (وقتلوا بأيديهم وخنقوا بأصابعهم)، والأمثلة كثيرة (بيريز ورابين وشارون وباراك)، حتى المدنيين من أمثال ( بن جوريون وبيجن وشامير) هم من قادة عصابات الهجاناة والاشيترون وهم أبطالٌ لمذابح ضد الفلسطنيين والعرب، وحتى (نتنياهو) شارك، وهو مجند في عمليات لاغتيال قادة فلسطينيين.

وبعد خروج مصر من المعادلة قررت إسرائيل أن تمارس دور الدولة الإمبراطورية في لبنان فقامت بغزو لبنان في 3 يونيو 1981م. كانت مطالب إسرائيل في تلك العملية العسكرية كبيرة وظاهرة لا تحتمل التأويل:

  1. فهي في لبنان تستطيع أن تثبت أنها قوة عظمى إقليمية regional superpower.
  2. وهى تستطيع أن تؤكد ذلك بتحطيم القوة العسكرية لمنظمة التحرير وتفقدها بذلك استقلالها السياسي.
  3. وهى تقدر على إعادة ترتيب أوضاع لبنان وتحوله إلى تابع عربي لإسرائيل.
  4. وهى بذلك تستطيع أن تمارس ضغطًا أكبر على سوريا، سواء عن طريق إثبات عجزها عن حماية لبنان، أو عن طريق إرغام (دمشق) على أن تسير على طريق التسوية.
  5. إن بلوغ ذلك كله يقدر في نفس الوقت أن يساعد على تثبيت معاهدة السلام مع مصر التي ظهر عليها بعض التردد بعد اغتيال الرئيس المؤمن!(7)
  • والغريب أن دخول إسرائيل إلى لبنان كان السبب الأساسي والرئيس في خلق الكيان الذى يؤرق إسرائيل اليوم (حزب الله)، وذلك للأسباب التالية:
    • لأن خروج الفلسطنيين من لبنان أعاد أهله طرفًا في مصائرهم.
    • إن قوى القاع اللبناني كانت كتلا إنسانية ضخمة لها جذورها التاريخية والثقافية في تاريخ لبنان (الشيعة والدروز) مثالًا.
    • إن الحرب الأهلية انتهت وقد تغيرت موازين القوة على الأرض لصالح (الشيعة) الذين كانوا دومًا عنصرًا من عناصر التركيبة اللبنانية، ولكنهم باتساع الحجم، وباتساع الدور مع المقدرة على التضحية إلى درجة الاستشهاد أكدوا أنهم ليسوا عنصرا في التركيبة فقط، وإنما هم ركن من أهم أركانها، وببروز الثورة الإيرانية تعزز دورهم أكثر.
    • إن قوة الثورة الإسلامية في إيران كان إضافة للطائفة الشيعية عكس نفسه على الواقع السياسي اللبناني(7).

      (5)

    «سوف نكسر ونسحق عظامكم» إسحاق رابينل لأطفال الانتفاضة

    7– فجأة في أوائل شهر ديسمبر 1987م اندلعت نيران الانتفاضة الأولى في قطاع غزة، ومنها انتشرت إلى بقية الأرض المحتلة كان مشهد الأطفال الفلسطينيين، وهم يرمون قوات الاحتلال بالحجارة يبعث على الفخر والاعتزاز بشجاعة وجسارة هؤلاء الأطفال، وقد عبر (إسحاق رابين) وهو وقتها وزير الدفاع إسرائيل في حكومة (شامير) عن مأزق الجيش الإسرائيلي في عبارتين شهيرتين، قال أولاهما في بداية الانتفاضة، ونطق بالثانية في حالة يأس من إخمادها في المرة الأولى، قال: “رابين” مهددًا أطفال الحجارة: (سوف نكسر ونسحق عظامكم). وفي المرة الثانية كان قوله: (إن الجيش الإسرائيلي لا يمكن تحويله إلى قوة بوليس تطارد أطفالا في شوارع مدينة فقيرة من مدن العالم الثالث).

    «إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد ، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية فى المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993م اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها» يوسى ساريد عن إتفاقية أوسلوا
كانت الانتفاضة أهم الاسباب التي اضطرت عددًا من قادة إسرائيل على مراجعة أفكارهم، وكان على رأس هؤلاء (شيمون بيريز) و(إسحاق رابين)، وكانت الانتفاضة، إلى جانب الصعود القوى للإسلام السياسي، أهم الأسباب للذهاب إلى توقيع اتفاقية (أوسلو) في (13 سبتمبر 1993م) تلك الإتفاقية التي قال عنها شاعر الثورة الفلسطينية الكبير(محمود درويش): ( إننا بهذه الاتفاقية قد دخلنا إلى زمن بغير ماضٍ).

كان الفرح بتلك الاتفاقية من قبل (المؤسسة اليهودية في أمريكا) كبيرا فقد اعتبروا هذا اليوم يومًا فاصلًا؛ لأن التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ يعني، قبل أي اعتبار آخر، أن الشعب الفلسطيني وقيادته قبلوا لأول مرة بدولة إسرائيل، وكانت الأهمية المعنوية لذلك لا تقدر، فالغزو يستطيع أن يُعطى للقوى فرصة يفرض فيها على الضعيف ما يشاء، لكن الشرعية تظل مع الضعيف طالما ظل متمسكًا بحقه، حتى وإن كان الحق مسلوبًا، وحتى إذا كانت السيادة منتهكة، لكنه حين يعترف الضحية، ويضع توقيع بالقبول ويضع توقيعه بالقبول فإن الأمر لا يصبح مسألة قوة، وإنما يصبح مسألة اتفاق، وهذا يستكمل له القيمة المعنوية للشرعية، وكان هذا ما عبر عنه يومها وزير البيئة الإسرائيلية وقتها (يوسى ساريد):(إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية في المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر، ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993م اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها).

(6)

«نحن نريد عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!» بيريز لميتران

  1. كان الهدف الإسرائيلي من توقيع اتفاقية (أُوسلو وأخواتها) فيما بعد هو:
أولا- إعطاء الشعب الفلسطيني أملا في إنهاء معاناته، بدون تضحيات لكي تخف مقاومته ويسهل ترويضه.

ثانيا – سحب البساط من تحت أقدام القيادة الفلسطينية (عرفات ورفاقه) وتحويلهم في نظر شعبهم الفلسطيني من (مناضلين ضد إسرائيل) إلى (مفاوضين مع إسرائيل) والفرق كبير بين المعنيين.

ثالثا- أنه بمرور الوقت مع المفاوضات سوف يتعود الطرف الفلسطيني على تخفيض سقف توقعاته.

ويروى الأستاذ (محمد حسنين هيكل) رحمه الله : ( أنه في نهاية عام 1993م أي بعد أسابيع من إعلان اتفاق أوسلو قابل الرئيس الفرنسي وقتها (فرانسوا ميتران) في (قصر الإليزيه) أنه سأل الرئيس (ميتران):
( إن كان يتوقع قريبا نتائج مع الآمال المعلقة على اتفاقية “أوسلو” ورد(ميتران) بما ملخصه (أن ذلك يتوقف على ما أعنيه بكلمة قريبا؟) وقلت، أي: (هيكل): ( إننى لا أتحدث عن غد أو بعد غد، ولكن عن شهور خمسة أو ستة) ورد(ميتران) بتؤدة بما مؤداه( أنه سوف يكون راضيا إذا توصل الطرفان إلى حل خلال خمس أو ست سنوات، وليس شهورا) وأضاف (ميتران) بنبرة أقرب إلى التساؤل منها إلى السؤال:(فهمت أن عرفات متفائل بنتائج سريعة؟) ويومها قلت للرئيس الفرنسي مندهشا: ( إننى لا أتصور أن عرفات بعد كل هذا الذى قدمه قادر على الانتظار خمس أو ست سنوات). ورد هو بسرعة قائلا: (وهذا بالضبط ما يريدونه).

ثم راح يروي لي طرفا من تفاصيل حوار بينه وبين “شيمون بيريز” قبل أيام، قال لي إنه بنفسه سأل (بيريز) (هل لديكم ما تقدمونه لعرفات بعد هذه المخاطرة التي أقدم عليها باتفاق أوسلو؟) – ورد عليه (بيريز): بـ(أنهم لم يفكروا بعد!)- ولم يصدق (ميتران) أن ذلك يمكن أن يكون صحيحا، فسأل (بيريز) بما معناه: )ألم يكن لكم تصور لمشروع تطرحونه على الفلسطينيين عندما دخلتم معهم في مفاوضات سرية في أوسلو؟)

 
 ورد(بيريز):(بأن كل تصورهم كان أن يتعاملوا مع قيادة منظمة التحرير نفسها، وليس مع وفد يحمل ورقة تفويض بالكلام نيابة عنها في مدريد أو واشنطن).

وأضاف بيريز إيضاحا قال فيه: (إننا شعرنا أن الفلسطينيين يتحتم عليهم تخفيض سقف توقعاتهم، وأن أي وفد يحمل تعليمات من القيادة الفلسطينية لن يستطيع القيام بهذه المهمة، وعلى فرض أن وفدا فلسطينيا فهم هذه الضرورة، وتصرف بالتجاوز مع تعليماته، فأسهل الحلول تغييره بوفد آخر، وأما إذا كانت القيادة نفسها هي المفاوض، فمعنى ذلك أن الجالس أمامنا هو الذى يملك القرار، وحينئذٍ يكون الباقي علينا).

وطبقا لرواية الرئيس (ميتران) فإنه حين طلب من (شيمون بيريز) مزيدا من الشرح، سمع من (بيريز) ما معناه ( أنهم يحتاجون وقتا طويلا يأخذون فيه الفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات، ثم يعودون بهم من قرب المائدة، ويطرحون عليهم صيغا واسعة مفتوحة لكل الإجهادات، ثم يأخذونهم معهم إلى تمارين في الصياغة قد تكون مفيدة في تعليمهم، دون أن تكون بالضرورة مؤدية إلى اتفاق معهم، ثم إنهم سوف يعرضون عليهم وساطات ووسطاء يذهبون بأفكار ومقترحات ويجيئون بأفكار ومقترحات، ويتركونهم يذهبون إلى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك، ثم يكون من هذا الجهد كله أن يؤقلم الطرف الفلسطيني نفسه تدريجيا على كيفية تخفيض سقف توقعاته).


وحين لاحظ (ميتران) أننى أسمعه باستغراب، اختصر الطريق ليقول بسرعة: (اعترف لي بيريز صراحة أن علينا جميعاً أن نعطيهم فرصة لعملية (تحضير) سياسي يؤدى إلى تخفيض سقف توقعات الطرف الفلسطيني). ثم وضعها على بلاطة كما يقولون ليضيف: (كيف أقولها لك؟ هم يريدون عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!)(8).

ولعل التدقيق في نجاح نتانياهو كرئيس للوزراء في إسرائيل أكثر من مرة يكشف عدة حقائق :

  • الحقيقة الأولى– أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب، ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.
  • الحقيقة الثانية– إن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلا للسلام، وإنما يريد كما يقال أن (يعطى السلام مقابل السلام). وهذا معناه بالضبط للطرف العربي الاستسلام إلى أبد الآبدين.
  • الحقيقة الثالثة– إن هذا المجتمع ليس جاهزا لكى يبت في المؤجلات والمعلقات، وهي كثيرة: المستوطنات، اللاجئون ، الحدود النهائية. ثم إنه، وفوق ذلك، ليس مستعدا على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس، مع العلم أن أقصى ما كان يفكر فيه (بيريز)، ومن خلفوه بعد ذلك هو رفع علم عربي– أي علم عربي أو إسلامى على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة. وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية كان اقتراحه جادا- إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يطلق عليها اسم (القدس العربية) وذلك يحل المعضلة!
ومن عام 1993م وحتى اليوم عام 2016م أي ثلاثة وعشرين عاما، والسياسة الإسرائيلية على حالها وأغلب الظن أنها لن تتغير، وخصوصا بعد التطورات في المحيط العربي سقوط العراق وليبيا وسوريا واليمن والقلاقل في مصر والعلاقات الإسرائيلية الخليجية التي صارت علنية، وعلى رأسها العلاقات مع السعودية (بعد الربيع العربي). كانت تلك أبرز المحطات على الخريطة الإسرائيلية للوصول للحائط المسدود؛ لأن الإسرائيليين ليس لديهم شيء يعطونه للفلسطينيين، ولا للسوريين، أي أن (السياسة الإسرائيلية تُدير الصراع ولا تعمل من أجل إنهائه).

وأخيراً فإن إطلالة واحدة على المشهد العربي نستطيع من خلالها أن نلمح فيها الكثير والكثير، وكله بغير استثناء مزعج أو محزن أومُخز، ثم إن أغلبه في غالب الأحيان مأساوي و دموي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر