الراصد القديم

2016/05/01

دخلوا تونس الهادئة، وأرواحهم عالقة في بيروت


أحمد نظيف


لم يكن خروج قوات المقاومة الفلسطينيّة من بيروت صيف العام 1982، نهاية الكفاح الفلسطينيّ ضد الاحتلال. لكنه كان بداية النهاية للثورة الفلسطينية التي انطلقت في أعقاب هزيمة العام 1967. كانت لهذا الخروج تبعاته السياسيّة الخطيرة على القضية الفلسطينية، بعد ان جنحت قيادة الثورة إلى السلم على جرعات، من لحظة الخروج وصولاً إلى إتفاق أوسلو. وكانت له تبعاته النفسية والإجتماعية على ألاف الشباب والشابات الذين غادروا لبنان إلى جهات الأرض الأربع. تركوا أرواحهم /ن هناك، الذكريات الحميمة. تركوا فلسطين صغيرة داخل المخيمات، لتلقي بهم التفاهمات الدولية بعيداً. لا شك، فإن النتائج السياسية التي أعقبت الخروج من لبنان وما آلت إليه القضية الفلسطينية اليوم قد غطّت على الندوب النفسية والإجتماعية التي خلفها شتات المقاومة بعد الحصار، لكنها تجلت، أي الندوب، في المُنجز الإبداعي والثقافي الفلسطيني لاحقاً، وإبداعات أغلب المثقفين الذين عايشوا تلك المرحلة، فلسطينيين كانوا أو عرباً.

إلى تونس، نفرت القيادة الفلسطينية ومعها آلاف الفدائيين والمثقفين والصحافيين. وجد هؤلاء أنفسهم في كوكب ثانٍ. لا رصاص ولا متاريس. لا مطابع ولا صحافة حرّة. بلادٌ هادئة جداً، لا تصلح للمقاتلين ولا تحدّها إسرائيل من أيّ جانب. ماذا يفعل الفدائي الفلسطيني في تونس بعيداً عن حدود الوطن المحتل؟ ماذا يفعل المثقف الفلسطيني العضوي بعيداً عن المعركة؟ أنهى الخروج القسري مجتمع الثورة الذي تشكل في بيروت منذ بداية السبعينيات، وأسس لشتاتٍ جديد في تونس. كانت مرحلة التشظي الاجتماعي الفلسطيني.

بيروت، التي اشتهاها الفدائيون والشعراء
"وجدنا أنفسنا مقاتلين بلا معركة، نرتدي ملابس نظيفة بدلاً من بدلة الكاكي، ولا نحمل كلاشنيكوف، كانت غربةً مرّةً، لم أتوقع يوماً أن أعيش بعيداً عن الطخّ، بعيداً عن فلسطين". هكذا يصف أحمد الحيج (بن بلة) حاله بعد الوصول إلى تونس، خريف العام 1982. كان لبنان آخر ساحات الإحتكاك بين المقاومة والاحتلال، وكان الخروج إلى تونس يعني نهاية الكفاح المسلح، مهما حاولت القيادة الفلسطينية، يومذاك، إعطاء مبررات لابتعادها عن دول الطوق، فقد كشفت السنوات اللاحقة أن اختيار المحطة التونسية لم يكن عبثاً. لم يكن الأمر يحتاج كثيراً من الذكاء والثقافة، فالمقاتل البسيط كان يدرك ذلك.
في هذا السياق تماماً، يضيف بن بلة، وهو مرافق أبو إياد والعضو بـ "منظمة أيلول الأسود": "عندما صعدت السفينة مغادراً بيروت بصحبة أبو إياد، وكانت وجهتنا يومذاك ميناء اللاذقية السوري، طلبت منا القوات الغربية، التي كانت تؤمن عملية الخروج، وضع بنادقنا في مخازن السفينة. رميت بندقيتي، وأدركت عندها أن الثورة انتهت فعلياً. مرّ أمامي شريط الأحداث الطويل، منذ تركت صفوف كلية فيصل العسكرية في الأردن وانخرطت في الثورة، أًمنّي النفس، يومها، بالعودة إلى بلدتي صوريف المحتلة في الخليل. في تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى بأن الطريق إلى فلسطين بعيد جداً. في هذا الشريط الطويل والدامي، كانت بيروت أحلى المراحل وأجملها. بيروت المدينة التي احتضنتنا يوم تخلى عنا الجميع. بيروت التي التفت حولنا كالأم الحنون يوم طلب منا أخوة العروبة بأن ننتحر داخل أسوارها، ثم وصفونا بالخراف".
كذلك كانت الحال بالنسبة إلى مثقفي الثورة وشعرائها، إذ كانت الساحة البيروتية منبعاً للإبداع ومتنفساً. كانت ساحة جذب للمتمردين العرب، يأتونها هرباً من أعين الرقيب ورجال المخابرات ودعماً للفدائي الفلسطيني. الشاعر السوري، هادي دانيال كان من بين هؤلاء الذين زحفوا إلى بيروت بعد وصول "منظمة التحرير الفلسطينية" مطلع سبعينيات القرن الماضي. قدم إليها مندهشاً وخرج منها غريباً: "عندما توجّهت بمحض إرادتي من سوريا إلى لبنان ولكن في الوقت نفسه متَفَلّتاً مِن ظلال كثيفة لسلطة مركّبة أحِسّ بثَقَلها ولا أعيها كشاعر في سنِّ المراهقَة يشعر أن المكان (على الرّغمِ من احتفائه بموهبته الواعدة) يزداد ضيقاً ويكاد يكسر أجنحة طُموحاته الجامحة، كانَ شعوراً حاداً بالغربة يتملَّكني. وفي بيروت التي دخلتها من بوّابة الفاكهاني مُجَمَّع مكاتب فصائل الثورة الفلسطينيّة – قبلَ عامين مِن بدءِ "الحرب الأهليّة" – لم أفرد جناحيّ اللذين نبتا في دمشق فقط بل نبتت لي أجنحة إضافيّة. قبل الحرب، عشت عامين مِن الدّهشة المُتواصلة، دهشة المغامرة الشاملة". ويضيف دانيال: "في مجتمع صاخب بنداءات الحريّة والتّحرّر، مجتمع استجاب تلقائيّاً لنزوعاتي الفرديّة بل حرّرني لاحقاً ممّا علق تحت جلدي من لواجم مجتمعي الأصليّ. لا أستطيع أن أسمّي هذا المجتمع الجديد باللبناني أو الفلسطيني لأنّه كان فقط "مجتمع الثورة بكيميائها الخاصّة التي مزجت جميع روافدها المحليّة والإقليميّة والدوليّة" وحتى في إبّان الحرب الأهلية اللبنانيّة كنّا نشعر أننا في صلب الحياة وقلب العالم وأنّ العالم يأتي إلينا بما ينتجه ويهجس به فكريا وإبداعيا إلى جانب أنواع التبوغ والخمور والأزياء إلخ.. على الرغم من أشكال الموت والحصار، ولقد كان لبيروت رائحة مسكرة تحفّز الخيال والحبر. هناك، تلمّست بحواسّي كلّها الحريّةَ ككائن فرد محتف بذاته ويهبها بشغف لقضيّة الجّماعة، وَكمبدع شاب لا لاجم لطموحه الشعريّ غير أوهامه السياسيّة الأيديولوجيّة آنذاك".

التعامل مع الواقع: مثلان
عندما خرجت "منظمة التحرير" من الأردن إلى لبنان في أعقاب أحداث "أيلول الأسود"، لم يكن التحوّل الإجتماعيّ جذرياً، لجهة أن الانتقال حدث من بيئة مشرقية شامية إلى بيئة مشابهة تماماً مع اختلافات طفيفة تتعلق بطبيعة النظام السياسي. لم يواجه الفلسطينيون في لبنان مشكلات على مستوى اللغة والعادات، ولا حتى في أنواع الطعام. في لبنان، كانت المخيمات الفلسطينية وسكانها وطناً صغيراً، لا يشعر فيه الفدائي بالغربة. في تونس، وجد الفلسطينيون أنفسهم غرباء في مجتمع مختلفٍ جذرياً، على الرغم من الحب الذي وجدوه. يقول أحمد الحيج (بن بلة): "ولأن الانسان الفلسطيني لم يتعود على الاحترام والتقدير من أجهزة القمع العربية، فكانوا ولا زالوا يتندرون ويتحدثون وكأنهم في حلم. كيف يبتسم لهم رجال الأمن التونسيون ويحترمونهم ويقدرونهم ويرحبون بهم رغم أنهم في بعض الاحيان مخطئون أو متجاوزون للإشارات الضوئية او دخلوا في صراع مع اولاد توانسة. إلا ان الشرطة تقول للتونسيين إنهم أحبابنا وضيوفنا وإخواننا الفلسطينيون سامحوهم ورحبوا بهم". لكن هذا الحب لم يمنع مشاعر الغربة والوحشة التي ألمّت بكلّ من تمّ انتزاعه من بيروت غصباً. ما دفع بالكثيرين إلى البحث عن حضنٍ جديد ينتشلهم من الضياع النفسيّ والفراغ الذي تركته في أنفسهم وأرواحهم بيروت وشوارعها ومتاريسها.

أحمد بن بيلا، المقاتل المشاغب، شارك في صولات "منظمة أيلول الأسود" وواجه الاجتياح الإسرائيلي مقاتلاً ومراسلاً حربيا في "صوت فلسطين". وجد نفسه وحيداً في تونس، ينهشه الفراغ فهو لا يحسن سوى إطلاق الرصاص على العدو. يقول بن بيلا: "كنت قد عقدت العزم على العودة باي وسيلة الى لبنان واستمرار التواصل النضالي مع أقرب النقاط من حدود الوطن. وفي جلسات متواصلة ليلاً مع الاخ أبو إياد في بيروت، كنا قد تدارسنا إعداد خطة تنظيمية لإعادة إحياء النضال الفلسطيني كما تصورناها، وتم الاتفاق على أن نتخذ مراكزاً للتدريب والاعداد. وما إن أصبحنا على متن الباخرة المتوجهة من ميناء بيروت الى ميناء اللاذقية، حتى همس لي أبو إياد قائلاً: "يا بن بيلا انسى كل ما قلناه في بيروت، قدرنا مواصلة النضال السياسي من الخارج". فأدركت أن مرحلتي قد انتهت وانني كبقية رفاق السلاح أصبحنا لا شيء. كنت قبل ذلك لا أفكر في الاستقرار والزواج وتكوين عائلة، إذ لم أكن أملك حياتين، وحياتي نذرتها للثورة. توقّف الكفاح المسلح دفعني للتفكير مجدداً في الزواج. كنت أبحث عن وطن صغير أستقر فيه ريثما أعود إلى فلسطين".

ويروي بن بيلا قصة زواجه العجيبة قائلاً: "يعود أصل الحكاية الى الفترة التي كنت فيها قائداً لعملية ابو داود في الأردن وحُكمنا بالإعدام ثم المؤبد، وكانت غايتنا يومذاك قلب النظام في العام 1973. وانا في الزنزانة رقم 7 في مبنى المخابرات الأردنية في العبدلي، جاءني ليلاً صوت هاتف في الرؤيا قال لي يا أحمد هذه نجوى زوجتك. ورأيت فتاة ذات شعر طويل يغطي وجهها وكامل صدرها. وما إن رفعت رأسها حتى ارتسمت في ذاكرتي صورة وجهها. لاحقاً، خرجت من السجن وغادرت الأردن هروباً إلى الجولان ومنها إلى جنوب لبنان متخفياً. جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وكنت خلالها باحثاً عن نجوى التي شاهدتها في الرؤيا، مسلماً بأنها قدري وزوجتي التي لا مهرب منها. بعد وصولي إلى تونس، التقيت بالفتاة! كانت تعمل في الاذاعة والتلفزيون التونسي، جاءت باحثةً عن تسجيلات وأغاني وطنية فلسطينية، فارشدوها الى بن بيلا لأنني كنت احمل معي من بيروت الاناشيد الوطنية للإذاعة حيث عملت مراسلاً عسكرياً. وبعد دقائق معدودة من اللقاء والتأكد من سنها وطول شعرها ووجهها الذي كان منطبقاً تماماً مع الرؤيا التي شاهدتها في زنزانتي عام 1973، لم أتأخر لحظة ففاجأتها بالقول: "شو رأيك نتزوج؟" "كانت قدري وما زالت".

بالنسبة إلى هادي دانيال، كان الاندماج قسرياً، تماماً كما كان الخروج من بيروت والتوجه إلى تونس. كان، في لحظة وصوله كما وصف نفسه، كقصبة جَوفاء في مهبّ رياح غربة عاتية. يقول دانيال: "أردت أن ألتصق بالمجتمع الجديد "بالقوة"، فدخلت في حوار مع المشهد الثقافي التونسيّ كانت من أولى نتائجه زواجي من شاعرة تونسية بعد أشهر من التعرّف عليها. واستمرّت حياتي في تونس بعدما انفصلت عن زوجتي. استمرّت ليس لأنني تمكنت من الاندماج اجتماعيا وثقافيا، فأنا ما زلت وسأبقى يتيم مجتمع الثورة ذاك (في الفاكهاني) لأنّني حتى عندما عدت إلى سوريا سنة 2004 بعد 30 سنة من الغياب، شعرت باختلال في توازني وبغربة اجتماعية مُرّة بين أهلي تماما كالشعور الذي انتابني في تونس سنة 1982. ولكن قدرتي على الاستمرار في تونس يُغذّيها أن الدولة والمجتمع التونسيين يتيحان لك إمكانية أن تعيش وحدك لا شأن لأحد بك ما دمت تؤمّن مصاريف حياتك اليوميّة من خارج الحدود التونسيّة ولا تتدخّل في شؤونهم. فأنا في تونس أعيش كسائح منذ 34 عاماً، أحترم قوانين البلاد وفي منأى عن أوساطها الثقافية والسياسيّة، وفي كل عام أجدّد إقامتي عند السلطات التونسيّة".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر