الراصد القديم

2016/05/01

التهرب الضريبي ليس جريمة في لبنان


 عزة الحاج حسن

أحدثت "أوراق بنما" التي كشفت تورط مسؤولين سياسيين ومشاهير حول العالم في عمليات تهرب ضريبي، عاصفة من المواقف والإجراءات في عدد من الدول، وتم التعامل مع الأوراق على أنها فضائح "جرمية"، استُتبعت بسلسلة إستقالات من مناصب رفيعة.

بالنسبة إلى لبنان ورغم تسرب معلومات عن ورود أسماء 462 شخصاً وشركة "متورطين" في التهرب الضريبي، غير أن مفهوم التهرب الضريبي لا يمكن مقاربته لبنانياً بالطريقة نفسها التي تتم فيها مقاربة الفضيحة في كل من الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا على سبيل المثال.

من حيث المبدأ يُعد التهرب الضريبي- تحديداً في أميركا وأوروبا- جريمة، وقد استحدثت الولايات المتحدة الأميركية قانون الإمتثال الضريبي "فاتكا" ويهدف إلى منع دافعي الضرائب الأميركيين من التهرب الضريبي، من خلال استخدام المؤسسات المالية غير الأميركية وأدوات الاستثمار في الخارج، وتسعى أوروبا إلى تطبيق قانون "غاتكا" المشابه لقانون "فاتكا" على المستوى الأوروبي.

ولكن في لبنان التهرب الضريبي لا يعد جريمة، وفق المدير التنفيذي في "شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية" زياد عبد الصمد. فعدم تصريح المكلّف عن أمواله داخل لبنان وتخلّفه عن دفع الضرائب يعد جريمة، أما في حال استثمار المكلّف في أفريقيا أو أي منطقة أخرى من العالم، فإن ذلك لا يعد جريمة رغم اعتباره تهرباً ضريبياً. كذلك الأمر في حال عدم تصريح المكلّف عن أمواله الموجودة خارج لبنان في بنما مثلاً أو جنيف أو أي ملاذ ضريبي آخر فلا يحق للدوله التدخل ولا يُعد تهرباً ضريبياً أو مخالفة قانونية. ويرد عبد الصمد السبب، في حديثه إلى "المدن"، إلى وجود ثغرات في القانون وليس في الأشخاص ولاسيما غياب قانون ينظم مسألة التهرب الضريبي على غرار الولايات المتحدة.

يكمن الخلل الضريبي في لبنان في النظام الضريبي الذي يكرّس اللاعدالة الاجتماعية من جهة ويدفع رؤوس الأموال إلى ملاذات ضريبية منتشرة في العالم من جهة أخرى. ولا بد من إعادة توزيع الثروات عبر استحداث نظام ضريبي عادل في بلد لا يتجاوز حجم إقتصاده 50 مليار دولار أميركي ودين عام يفوق 70 مليار دولار في مقابل إرتفاع في موجودات المصارف إلى مستوى 180 مليار دولار. والحل وفق عبد الصمد، يكون في نظام ضريبي يضمن إعادة توزيع الثروات، "ومع الأسف، ما زلنا في لبنان ننظر إلى النظام الضريبي على أنه مورد مالي أساسي للدولة بينما يجب أن يكون مدخلاً لإعادة توزيع المداخيل بموازاة تعزيز مداخيل الدولة والطريقة هي توسيع قاعدة المكلفين بنسب متفاوتة".

وليس عدم إعتبار التهرب الضريبي بـ"المفهوم اللبناني" جريمة، يعني تشريعه وتشجيعه، بل على العكس، يسلّط الضوء على كيفية تفاديه وتوفير الكم الكبير من المداخيل الضريبية لحساب الخزينة العامة. فالتهرب الضريبي يحرم الدولة جزءاً من إيراداتها، وبالتالي تتقلّص خدمات الدولة، وتقع في خطأ التقصير تجاه المواطن. وبالنتيجة، يؤدي ذلك إلى زعزعة الثقة بين الدولة والمواطن، ما يدفعه إلى تجنب القيام بواجباته المالية تجاه الدولة، فيدخل النظام في حلقة مفرغة من عدم الثقة وعدم الاستقرار الضريبي.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر