الراصد القديم

2016/05/01

«دستة» نصائح للسيسي


عبد الحليم قنديل

ربما لا يصح لأحد أن ينكر إنجازات ملموسة للرئيس السيسي، فقد نجح في السيطرة على الوضع الأمني بتكلفة اجتماعية فادحة، وفي صياغة سياسة عربية وخارجية جديدة، وفي استعادة ركائز للاستقلال الوطني، وتقليص التبعية الموروثة للأمريكيين.

وفي رد اعتبار الجيش المصري، الذي أصبح العاشر عالميا، ومد حضوره بكامل هيئته، داهسا مناطق نزع السلاح في سيناء، وصولا إلى الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، واستئناف المشروع النووي المصري بعد توقف وتعطيل لأربعة عقود، وإنشاء ورش عمل هائلة بإشراف وإدارة هيئات الجيش، يعمل فيها قرابة المليوني مهندس وفني وعامل مدني، وشق فيها قناة سويس جديدة في وقت قياسي، وعجل بتطوير بنية أساسية لمنطقة قناة السويس الاقتصادية الصناعية، ومد شبكة طرق واسعة هي الأفضل من نوعها في تاريخ مصر، وأضاف محطات طاقة ومدن جديدة غاية في التطور، وأعطى دفعة كبرى لمشروعات تنمية غير مسبوقة في سيناء، ولمشروع استصلاح زراعي طموح يصل إلى مليون ونصف المليون فدان، وجلب استثمارات متنوعة، وعقد اتفاقا مع السعودية لبناء «الجسر البري»، وهو أعظم انقلاب استراتيجي في تاريخ المنطقة منذ نشأة كيان الاغتصاب الإسرائيلي عام 1948.

ولسنا من الذين ينكرون، ولا من الذين يهللون، فنحن لا ننكر إنجازا ملموسا مرئيا بالعين وباليد، وقد اكتفينا بذكر العناوين، وإن كانت إنجازات الأصول بطبعها من الاستثمارات الميتة، التي لا تظهر آثارها المنتجة إلا بعد سنوات، وهو ما يفسر جانبا من الأزمة النفسية والعصبية البادية على الرئيس، فأعصابه مشدودة دائما، ويكاد لا يتوقف عن العمل، ولا يخلد إلى نوم، لكنه لا يجد اعترافا مكافئا مناسبا بما يفعله، ولا يفتأ يعبر عن ضيقه من إنكار إنجازه، ومن التعتيم عليه، وقد يكون للرئيس بعض الحق والعذر في شعوره، لكنه لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى خلل جوهري في حكمه حتى الآن، فهو رجل إنجاز بلا مراء، لكن إنجاز الرئيس يبدو بلا انحياز للفقراء والطبقات الوسطى، والأخيرون هم أغلبية الشعب المصري، ويشكلون ما يصل إلى تسعين بالمئة من المصريين، ولا تبدو إنجازات السيسي بطبعها طويل الأمد، ذات أثر إيجابي فوري مباشر في حياتهم، وأحوالهم المعيشية تزداد سوءا، والرئيس يبدو بعيدا عن همومهم، بل منحازا ضدهم كثيرا بإجراءاته الاقتصادية والاجتماعية القاسية، وهو ما يهبط بشعبية السيسي، ويعزله عن القطاع الأوسع من المصريين، وهذه حالة لا يبدو الرئيس مستعدا للاعتراف بها، بل يحمل المسؤولية للإعلام، الذي ينشر الإحباط واليأس في رأيه، ولا جدال في فوضى الإعلام المصري وبؤسه، لكنه يدار غالبا من أجهزة أمن ومليارديرات لا يعاديهم الرئيس، وقد سيطروا على البرلمان بعد الإعلام، وعلى الجهاز الحكومي والإداري في غالبه، وزادوا في مأزق الرئيس وحيرته، بل زحف بعضهم إلى خانة مستشاريه ومقربيه، وهو ما فاقم من أزمته، المهتم بإنجازات تجرى على طريقة المقاولات، وبدون صوغ سياسة ظاهرة مقنعة بدعوى الخوف من «أهل الشر»، والأخير تعبير أخلاقي غامض، يلجأ إليه الرئيس في العادة، ويترك تفسيره للأهواء، مع أن الإرهاب ينحسر إلى نقطة لا تكاد ترى على خريطة مصر في أقصى شمال شرق سيناء، ومع أن الإرهاب ليس الخطر الأهم على بنية الدولة المصرية، بل الفساد أخطر من الإرهاب، والأخطر هو التخبط التائه في السياسة، أو ـ بالأحرى ـ غياب السياسة، وهو الغياب الذي تتراكم بسببه المشكلات فوق المحن، وتكاد تغلق الطريق على نهوض تستحقه مصر، وعلى نجاح ممكن جدا للسيسي. وحتى لا تتوه القضية في انطباعات عمومية، فقد نقترح على الرئيس دستة إجراءات عاجلة، أو ربما دستة نصائح في خمسة اتجاهات، إن كان لا يجد حرجا في قبول النصيحة على النحو التالى بيانه: فقد نقترح على الرئيس ـ أولا ـ أن يراجع الموازين المختلة في معادلة الأمن والحريات، فلا جدال في أهمية ضمان الأمن، ولكن بدون مبالغات وفظاظات تحطم حيوية البلد، فليس بوسع الإرهاب أن ينتصر أبدا في مصر، وما من مبرر لتخويف المصريين بمصائر العراق وليبيا وسوريا واليمن والصومال وغيرها، فمصر نسيج مختلف عظيم التجانس، ولها شعبها وجيشها الحافظ الحارس بعناية الله، لكن تغول قمع أجهزة الأمن الداخلية يدهس المصريين، ونقص حرفيتها وكفاءتها يصنع المآسي والفضائح، وأجهزة الأمن تحتاج إلى إصلاح جوهري، يتجاوز مجرد تغيير وجوه قادتها كما فعل الرئيس مرارا، ويركز على إعادة هيكلتها بصورة شاملة، وعلى نحو يكفل تطهيرها من العاجزين والفاسدين، ويحل العلم والتكنولوجيا والتدريب الراقي والحساب الدقيق محل الممارسات العشوائية البائسة، خاصة أن عددا لا بأس به من الأجهزة يتصرف بطريقة ثأرية وانتقامية، ويسعى لنشر مظلة التخويف العام، على نحو ما كان قبل الثورة الشعبية، وهو ما خلق حالة خطرة من الاحتقان السياسي والاجتماعي لا لزوم لها، وذهب بعشرات الألوف من المصريين إلى السجون السياسية، وراكم مظالم مفزعة للضمير الإنساني، اعترف بها الرئيس نفسه مرارا، ووعد بإخلاء سبيل المظلومين، ولم يفعل سوى مرات قليلة عابرة، لا تفي بالمطلوب الآن وليس غدا، فالمطلوب ببساطة، وبغير لف ولا دوران، هو وضع خط أحمر فاصل بين الإرهاب والسياسة، وتعديل قانون التظاهر المطعون عليه أمام المحكمة الدستورية العليا، والمبادرة بقرار رئاسي إلى إخلاء سبيل شامل لعشرات الآلاف من المحتجزين في غير تهم العنف والإرهاب المباشر، واتخاذ إجراءات «جبر ضرر» شامل لأسر ضحايا الصراع السياسي في سنوات ما بعد الثورة إلى الآن، وبغير تمييز ولا استثناء سياسي، فدم المصريين السلميين كله حرام، مع التعجيل بإصدار قانون الإعلام الموحد، ومنع الحبس في قضايا النشر، ووقف تدخل أجهزة الأمن و»المصادرات المكتومة» للصحف.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثانيا ـ إجراء عملية تطهير شامل لجهاز الدولة، وكنس الفساد بالجملة، وليس الوعد بمحاربته بالقطعة، فالفساد في مصر ليس مجرد ظاهرة عامة، ولا هو انحرافات متفرقة، بل نظام حكم متسلط، جوهره التحالف بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وقد اقترحنا على الرئيس ـ أول حكمه ـ أن يجري ما سميناه «مذبحة مماليك»، وعلى طريقة ما فعل محمد علي في نهوض مصر الحديثة الأول، وما فعل جمال عبد الناصر في أزمة مارس 1954، ولم يفعل الرئيس، وواصل تردده إلى الآن، وهو ما فاقم من خطورة الوضع، وجعل النظام متآمرا على الرئيس نفسه، وأدى لسيطرة المماليك من أجهزة الأمن وجماعة البيزنس على المشهد في غالبه، وبصورة جعلت الرئيس في وضع الأسير لمصالح مسيطرة، أعجزته عن اتخاذ إجراءات ملموسة لتصفية الفساد، والمبادرة إلى التصحيح، ورد الأموال المنهوبة، بل جعلته قفازا تحتمي به، وتتقدم لاحتواء الأجهزة الرقابية، وتحطيمها بعد تدجينها، وعلى طريقة ما جرى ويجري في الجهاز المركزي للمحاسبات، وفي العبث بقوانين الكسب غير المشروع، وإجراء «مشالحات» يسمونها مصالحات، وشل مبدأ المحاسبة، والتلهي بتكوين لجان ينتهي عملها دائما إلى نتيجة صفرية، فلم تسترد الدولة شيئا من قيمة الأراضي المنهوبة، التي وصلت بحساب الدفاتر الرسمية إلى تريليون جنيه مصري في المجتمعات العمرانية وعلى الطرق الصحراوية، وبحساب النهب الشامل و»المصمصة» إلى تريليونات فوق طاقة الحصر والعد.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثالثا ـ أن يلتفت إلى قيمة العدالة، فالعدل أساس الملك الصالح، وقد ضاعت قيمة العدالة بالكامل في سنتي حكم الرئيس إلى الآن، وزاد الفقراء فقرا، وضاعف الأغنياء من تكدس ثرواتهم، في بلد يملك واحد بالمئة من سكانه نصف إجمالي الثروة الوطنية، فيما لا تملك أغلبية التسعين بالمئة من المصريين سوى فتات ربع الثروة، وقد نتفهم حالة الاقتصاد المعتل، والعجز المخيف في الموازنة العامة، وعجز الدولة عن توسيع الإنفاق الحكومي، وكل ذلك مفهوم ومقدر، لكنه لا يبرر أبدا غياب العدالة الاجتماعية بالمطلق، ولا غياب العدالة في تحمل وتوزيع الأعباء، وتحميل الفقراء والطبقات الوسطى تكلفة عجز الدولة الناهبة المنهوبة، واستسهال خفض دعم الطاقة وفاء لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وجعل حياة غالبية المصريين جحيما فوق الجحيم الذي يعيشونه، بينما يلجأ الرئيس إلى تدليل مليارديرات المال الحرام، الذين خذلوه في تجربة صندوق «تحيا مصر»، ويحرقون الأرض من تحت أقدامه، ويشعلون جنون الدولار، ويهربون المليارات إلى الخارج، ولا يدفعون القليل المستحق عليهم من ضرائب، بل يخضع لهم الرئيس في قراراته، ويلغي قرارات الضريبة الاجتماعية وضريبة أرباح البورصة، ويخفض الحد الأقصى لشرائح ضريبة الدخل إلى 22.5 ٪ لا غير، بينما يصل الحد نفسه في الدنيا الرأسمالية كلها إلى الضعف على الأقل، فوق أنه بوسع الرئيس اتخاذ إجراءات عدالة لا تكلف الدولة مليما، من نوع تعيين الشباب المتفوقين المستحقين في وظائف القضاء التي حجبت عنهم ظلما، وإنصاف ضحايا مذبحة القضاة الأخيرة.

وقد نقترح على الرئيس ـ رابعا ـ أن «يصبح على مصر بمصنع»، وليس بملاعب غولف ولا بمارينا يخوت ومنتجعات وفنادق على طريقة مدينة «جبل الجلالة» التي يتفاخر بها، فالتصنيع هو الحل في مصر، واقتصاد الانتاج وفرص العمل والتكنولوجيا هو المطلوب، وتعبئة الموارد للتصنيع هي الأولوية المطلقة في أي نهوض، ونقطة البدء في نسج روابط «العروة الوثقى» بين الصناعات العسكرية والمدنية، وبناء مجمع صناعي جديد، يربط مصانع الإنتاج الحربي و»الهيئة العربية للتصنيع» بمصانع القطاع العام المتوقفة، وتوجيه طاقة ورش عمل الجيش والاكتتاب الشعبي العام إلى هذه الغاية قبل وفوق سواها. وقد نقترح على الرئيس ـ خامسا ـ أن يطور سعيه لاكتساب الاستقلال الوطني، وأن يطلب تعديل معاهدة العار المعروفة باسم معاهدة السلام مع «إسرائيل»، وتفكيكها تدريجيا، وهذه قصة طويلة قد نعود إليها في مقام آخر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر