الراصد القديم

2016/05/01

بصمت، إسرائيل تنفذ مشروع E1: لا دولتين ولا عاصمة


عبد الرؤوف أرناؤوط

استحق مشروع E1 (إي وان) الاستيطاني لقب وصفه بالأخطر منذ الاحتلال الإسرائيليّ للقدس في العام 1967، لأنه يمتدّ على أرضٍ مساحتها 12443 دونماً من أراضي قرى الطور، عناتا، العيزرية، وأبو ديس في شرق القدس، ويهدف إلى إقامة 4000 وحدة استيطانية و10 فنادق ومنطقة صناعية. فهو يربط الكتلة الاستيطانية "معاليه ادوميم" الواقعة في شرق القدس الشرقية بالقدس الغربية، جغرافياً.

وقد حدّد خليل التفكجي، وهو مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" لـ "السفير" أربعة أسبابٍ جعلت هذا المخطط الاستيطاني، رغم قصر اسمه، الأخطر على الإطلاق: "أولاً، يغلق المنطقة الشرقية من القدس بشكلٍ كامل ويطوّق المناطق (عناتا، الطور، حزما) بحيث تُحرم من أيّ إمكانية توسّع مستقبلية باتجاه الشرق. ثانياً، يمنع إقامة القدس الشرقية (كعاصمة لفلسطين) ويعيق إمكانية تطورها باتجاه الشرق. ثالثاً، يربط جميع المستعمرات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية القدس مع المستعمرات داخل حدود بلدية القدس، وبالتالي يحوّل القرى العربية إلى معازل محاصرة بالمستعمرات. ورابعاً، فإن من شأنه أن يقيم القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي، بحيث تعادل مساحتها نسبة 10 في المئة من مساحة الضفّة الغربيّة، ما يحدث تغييراً جذرياً في قضية الديموغرافيا الفلسطينية للصالح إسرائيل".

تقطيع القدس وتفخيخها بالأسمنت
يشرح وزير شؤون القدس ومحافظ مدينة القدس المهندس عدنان الحسيني لـ "السفير" أن "الهدف من هذا المشروع الاستيطاني هو توسيع مستوطنة معاليه أدوميم باتجاه القدس الغربية على حساب مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بحيث تصبح القدس الشرقية، التي من المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، بلا متنفّس ومعزولة عن باقي أنحاء الضفة الغربية". ويضيف الحسيني: "هو سورٌ استيطاني جديد. فقد أقامت الحكومات الإسرائيلية مستوطنات على أراضي المدينة، وهي تعمل الآن على ربطها ببعضها لعزل القدس شرقاً وشمالاً وجنوباً بالإضافة إلى الاستيطان في داخل المدينة. فتصبح مشوهة بهذه الكتل الإسمنتية الاستيطانية، وهي استراتيجية وضعتها إسرائيل منذ فترة طويلة".

أما جمعية "عير عاميم" ("مدينة لشعبين" بالعبرية) الإسرائيلية فقد وصفت المشروع بأنه "المسمار الأخير في نعش حلّ الدولتين"، وقالت أن "من شأنه أن يدق إسفيناً بين القدس الشرقية والضفة الغربية، ويكسر التواصل الجغرافي المطلوب بين الأراضي لإقامة الدولة الفلسطينية، ويقسم الضفة الغربية إلى كانتونين شمالي وجنوبي".
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قد طالب إعداد هذا المخطط الاستيطاني في العام 1994، وصودق على المشروع للمرة الأولى في العام 1997 من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحق مردخاي. ولكنه جوبه برفضٍ فلسطينيّ ودوليّ واسع تجاوبت إسرائيل معه بأن أعلنت عن تجميده في العام 1999.
ولكن دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" عادت وكشفت أن الإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية صادقت في العام 2002 على الخطة الهيكلية العامة لتنفيذ مشروع المنطقة (إي وان)/ ومن ثم تعهّد وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك بنيامين بن اليعزر للإدارة الأميركية بعدم تنفيذ هذه الخطة.
وأكّدت دائرة المفاوضات في تقرير حصلت "السفير" على نسخةٍ منه أن إسرائيل قدّمت هذه التأكيدات إلى الإدارة الأميركية في ربيع العام 2005 وفي صيف 2009، غير أنها استدركت: "على الرغم من ذلك، فقد باشرت وزارة الإسكان والبناء الإسرائيلية في شهر تموز 2004 بعلميات البناء الأولى في منطقة "إي وان" تحضيراً لشقّ طرقٍ جديدة ولتجهيز الموقع لمركزٍ جديدٍ للشرطة. وقد أكملت إسرائيل منذ ذلك الوقت بناء مركزين للشرطة، يقع أولهما في المنطقة الواقعة بين قرية الزعيم وبلدة عناتا، بينما يقع الثاني في الطرف الشرقي من منطقة "إي وان" على الطريق رقم 1، المحاذي لمستوطنة معاليه أدوميم".

الغرب: قلقٌ ومراقبة
أكّد ديبلوماسيون أوروبيون وأميركيون لـ "السفير"، في أحاديث منفصلة، أنهم يتابعون عن كثب سير الأمور على الأرض في هذه المنطقة تحسّباً لمفاجآت إسرائيلية. وعلمت "السفير" أن البعثات الديبلوماسية الأوروبية في القدس ورام الله أوردت في تقريرٍ سريّ أنه "لا يزال هناك قلق حول المناطق التي تم تصميمها لمزيد من التوسّع الاستيطاني، مثل منطقة (إي وان) الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم. على هذا المستوى، حضرت منذ فترة طويلة خطةٌ لبناء مستوطنةٍ جديدة تضم حوالي 3500 وحدة إستيطانية جديدة تضمّ حوالي 14500 مستوطن /ة. وتتضمن الخطة تشييد منطقة صناعية، مركز للشرطة، بنية تحتية نطاقها واسع، ومرافق للتنمية التجارية والترفيهية".

وأضافت البعثات في تقريرها: "في العام 2008، انتقل مقر الشرطة الإسرائيلية الخاص بمنطقة الضفة الغربية إلى "إي وان". إن تنفيذ المشروع لن يقسّم فقط الضفة الغربية إلى شمالٍ وجنوبٍ، ولكنه أيضاً، عبر تأمين الإتصال ما بين المستوطنات والقدس، يشكّل الخطوة النهائية لعزل القدس الشرقية جغرافياً عن باقي الضفة الغربية".

كان مركز الشرطة الإسرائيلية لمنطقة الضفة الغربية يقع في حيّ رأس العامود المطلّ على المسجد الأقصى، قبل التوصّل إلى صفقة مع عرّاب الاستيطان في القدس الشرقية الثري اليهودي الأميركي إيرفينغ موسكوفتش، والتي بموجبها تم منح المقرّ له بهدف تحويله إلى مستوطنة، مقابل تمويل إقامة مركز الشرطة الإسرائيلية".

وبالنسبة إلى الكثيرين، فإن مركز الشرطة الإسرائيلية الواقع على رأس تلّة في منطقةٍ ما بين مستوطنة "معاليه ادوميم" والقدس الشرقية، هو شاهدٌ رئيس على أن المشروع الاستيطاني الأوسع قد ينفذ في أيّة لحظة. وإن كان نقل مقرّ الشرطة الإسرائيلية غير كافٍ لتأكيد ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية استثمرت ما يعادل 52 مليون دولار أميركيّ لتجهيز البنية التحتية داخل المنطقة (إي وان)".

نظاما مواصلات مفصولان:
إسرائيل تنفّذ
تتابع جمعية "عير عاميم" الخطوات التمهيديّة للمشروع بدقّة. بناء على مراقبتها، تلفت إلى أنه "في العام 2003، تم افتتاح نفق جبل المشارف ليشق طريقاً جديداً من القدس إلى معاليه ادوميم. طريق الحزام الشرقي سيخدم المستوطنات شرق القدس وخارج جدار الفصل ليسهّل الربط مع المدينة. وقد تمت المصادقة على معظم مقاطع طريق الحزام الشرقي، ويتوقع أن تتم المصادقة على المقطع الأخير في المستقبل القريب".

وشرحت: "أن افتتاح المقطع الشمالي من طريق الطوق الشرقي سيمكّن من دفع مخططات بناء "إي وان" من خلال إقامة نظامي مواصلات منفصلين للفلسطينيين والإسرائيليين في شرق القدس، وإغلاق منطقة "إي وان" أمام المركبات الفلسطينية".
وفي هذا الصدد، قالت دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" إن هذه الدلائل وغيرها، مثل اللافتات التي وضعت على طول الطريق رقم (1) والتي كتب عليها "أهلا بكم في مافيسريت أدوميم" (وهو اسم المستوطنة السكنية الجديدة المقرر إقامتها في منطقة "إي وان")، تشي بأن بناء الوحدات السكنية الاستيطانية داخل هذه المنطقة بات وشيكاً".

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر أمراً عسكرياً في أيلول /سبتمبر 2007 يقضي بمصادرة 1128 دونماً من الأراضي الفلسطينية الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه ادوميم، تعود ملكيتها لمواطنين من قرى أبو ديس، السواحرة، النبي موسى، والخان الأحمر، بهدف شقّ "طريقٍ بديل" للفلسطينيين يربط المناطق الجنوبية في الضفّة الغربية بالمناطق الشرقية والشمالية منها، ما يحول دون دخول الفلسطينيين إلى القدس الشرقية ويؤمّن التواصل الجغرافيّ ما بين معاليه ادوميم والقدس الغربية.
يعلّق الحسيني: "هم يعدّون العدّة للبناء بدءاً من البنى التحتية ونقل مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية. يعملون على شقّ الطرق خاصة بالمستوطنين وعزل الفلسطينيين عن أراضيهم عبر طرقٍ بديلة، وستكون إقامة 3500 وحدة استيطانية في المنطقة المرحلة الأولى من المشروع".

ولكن الأمر لا يتوقف على البنى التحتية، إذ كشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية والمختصة بمتابعة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية، أن الحكومة الإسرائيلية تعدّ العدّة للبناء. ففي شهر تشرين أول /أكتوبر 2013، أصدرت وزارة البناء والإسكان مناقصات لبناء عشرات آلاف الوحدات الإستيطانية في الضفّة الغربيّة، بما فيها آلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة "إي وان". على إثر ذلك، وجّهت الدول الغربيّة انتقاداتٍ حادّة لهذا المشروع، ما أقنع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالإعلان عن إلغاء هذه المناقصات. وتزامن ذلك مع تلويح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال شروع إسرائيل بالبناء في "إي وان"، معتبراً ذلك نهاية مشروع حلّ الدولتين.

ولكن، أظهرت معلومات حصلت عليها حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان، بعد عامٍ واحد فقط من إلغاء مناقصات 2013، أيّ في تشرين الثاني /نوفمبر 2014، قد عيّنت من دون اللجوء إلى الإعلان أو المناقصات، مهندسين للعمل على العديد من الخطط التي حُكي عن إلغائها، بما فيها "إي وان". ولفتت إلى أن "منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" هي واحدة من أكثر المناطق حساسية في ما يتعلق بفرص حل الدولتين"، وقالت إن "الاستيطان الإسرائيلي في "إي وان" سيقسم الضفّة الغربية إلى نصفين، ويمنع التواصل الجغرافيّ للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولهذا، فكلما أعلن مسؤول إسرائيلي عن دفع مخططات البناء في "إي وان"، يدينها المجتمع الدولي بشدّة".

مئة ألف مستوطن /ة
كشفت اوراق حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية تعمل بصمتٍ على خطط لبناء 8372 وحدة استيطانية في منطقة "إي وان" بما يشمل "مواصلة العمل على خطط تمت المصادقة عليها للمراجعة من قبل الجمهور في كانون الأول /ديسمبر 2012 لبناء 1262 وحدة استيطانية في "إي وان" جنوب، و2340 وحدة استيطانية في "إي وان" شرق، وإعداد مخطّطٍ جديد لبناء 1000 وحدة استيطانية في "إي وان" شمال، والتحضير لخطة بناء 270 وحدة استيطانية جديدة في "إي وان" غرب".

وإلى ذلك، أضافت معلومات "السلام الآن": "في العام 2011، وظفت وزارة البناء والإسكان مخططين لإعداد خطة لبناء 1000 وحدة لقبيلة البدو "الجهالين" بهدف إخلائهم من منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" ونقلهم إلى قرية مخططة".

ويشير مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" خليل التفكجي إلى أن "مستوطنة معاليه أدوميم تعتبر أكبر المستوطنات في الضفة الغربية وأول بلدية استيطانية أعلنتها السلطات الإسرائيلية، فتبلغ مساحة مخططها 35 كيلومتراً مربعاً ويعدّ سكانها 32 ألف مستوطن /ة". وقال: "إذا ما تم ضم كتلة معاليه أدوميم المكونة من ثماني مستوطنات (كيدار، معاليه أدوميم، إي وان، ألون، كفار أدوميم، علمون، نفي برات، والمنطقة الصناعية مشور أدوميم) تصبح مساحة الأرض المضمومة 191 كيلومتراً مربعاً، جاهزة لإستيعاب ما يزيد عن 100 ألف مستوطن".

ويرى التفكجي أن ثمّة صلة ما بين هذا المخطط وبين مخطط 2020 الذي رسمته الحكومة الإسرائيلية بعدما بلغت نسبة العرب في القدس، بشطريها الشرقي والغربي، 35 في المئة من السكان، وسط تقديرات بارتفاع هذه النسبة إلى 55 في المئة من المجموع العام للسكان في العام 2040.

وقال التفكجي: "المخطط 2020 بكلّ أبعاده السياسية والتخطيطية، يطرح هدفاً واحداً وهو تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة، خاصة خلال هذه المرحلة المصيرية التي تمرّ بها قضية القدس. إذ يخصص فائض الوحدات السكنية ومساحات التطوير للجانب اليهودي بهدف جذب سكان جدد ومنع الهجرة وتقليص عدد السكان الفلسطينيين".

ويختم الحسيني حديثه لـ "السفير" بالقول: "هو احتلالٌ بلطجيّ لا يسمع للعالم ولا يأبه لما يقوله العالم، وفي الوقت ذاته، فإن العالم يكتفي بالإدانة والاستنكار والشجب فيما الاحتلال يعمل على الأرض. لا بد أن يستخدم العالم لغة العقاب ضد هذا الاحتلال إذا أراد فعلا السلام والاستقرار في هذه المنطقة من العالم".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر