الراصد القديم

2016/06/01

القطب الشمالي ساحة مقبلة للصراع الروسي ـ الأميركي

 

لا يُخفى أن روسيا باتت تتعامل خلال السنوات الأخيرة مع مسألة القطب الشمالي، الغنية بالموارد الطبيعية وغيرها، على أنها مسألة صراع مُحتمل يتعلق بأمنها القومي وأمنها الاقتصادي لسنوات مقبلة. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، دميتري روغوزين، في 24 أيار الحالي عن ضرورة أن تقوم بلاده بتعيين الخطوط الحدودية في المحيط المتجمّد الشمالي، مُطالباً وزارة الدفاع الروسية بتوضيح ما تمّ إنجازه في مسألة خطوط الترسيم على طول ساحل القطب الشمالي. وقال روغوزين: «إن الإحداثيات والنقاط الجغرافية الحالية في هذه المنطقة، التي أُقرّت زمن الاتحاد السوفياتي، لا تتناسب مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لروسيا».

وفي العام الماضي، أكد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنه «يعتبر الوجود العسكري الروسي الدائم في القطب الشمالي وإمكانية حماية المصالح الوطنية الروسية بالوسائل المسلحة جزءاً أساسياً من سياسة ضمان الأمن القومي الروسي». وكشف الوزير الروسي أن بلاده ستعمل على زيادة القوات الروسية المتمركزة في شبه جزيرة «تشوكوتكا» لضمان أمن الطريق البحري الشمالي ومواجهة التهديدات المحتملة في منطقة القطب الشمالي. وقد تمّ تشكيل أفواج دفاع كيميائي وإشعاعي وبيولوجي في تلك المنطقة. كما نُشرت وحدات رادار ومراكز لتوجيه الطائرات في هذه المنطقة في العام 2014. ومجرد إمساك ملف القطب الشمالي في روسيا، بشكل أساسي، من قبل وزارة الدفاع يعكس في ما يعكس احتمالات الصراع المقبل على هذه المنطقة. إن المصالح المتعارضة في منطقة القطب الشمالي تتسم بمزيد من التعقيد لغياب اتفاق شامل بين الأطراف المتصارعة، وغياب نية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب. ومع تطوير معدّات وتكنولوجيات التنقيب في المياه المتجمّدة، فإن النزاع على تقاسم مناطق التنقيب سيستمر في غالب الظن، وستزداد حدته مدعومة بالقوة العسكرية لهذه الأطراف. واللافت أن دول منطقة القطب الشمالي قامت بتصنيع 66 سفينة عسكرية تستطيع خوض الحرب في شمال الكرة الأرضية. وتنوي روسيا، هي الأخرى، تصنيع خمس عشرة غواصة وكاسحة جليد جديدة لهذه المنطقة تحديداً. وتسعى موسكو إلى الحصول على الاعتراف الدولي بملكيتها لأجزاء من المحيط المتجمّد الشمالي تبلغ مساحتها 1,2 مليون كيلومتر مربع، تعتقد أنها تحتوي على حوالي 10 مليارات طن من النفط على أقل تقدير.

وكانت بعثة روسية نصبت العلم الروسي في قاع المحيط المتجمّد الشمالي في العام 2007، في إطار السعي إلى إظهار حقوق روسيا في أجزاء معينة من منطقة القطب الشمالي لكونها دولة تُطل على المحيط المتجمد الشمالي، بجانب كل من كندا والولايات المتحدة والدنمرك والنرويج.

تشير بعض التقديرات إلى أن الجرف القاري للمحيط المتجمّد الشمالي يضمّ حوالي ربع احتياطات بحار العالم من موارد الطاقة. وتؤكد تقارير أخرى أن احتياطي هذه المنطقة من النفط وحده يبلغ حوالي 90 مليار برميل. أما التقديرات الروسية، فتشير إلى تركز ما بين 70 و80 في المئة من مجمل احتياطيات منطقة المحيط المتجمّد الشمالي من النفط والغاز في منطقة الجرف البحري الروسي. وكانت روسيا أكدت أن استخدام موارد منطقة القطب الشمالي يُعدّ ضماناً لأمن الطاقة فيها خلال السنوات المقبلة، وسارعت إلى إصدار تشريعات برلمانية لتحديد المنطقة التابعة لها في القطب الشمالي. كما أعلن مجلس الأمن القومي الروسي في 2010 عن استراتيجية جديدة تقضي بتشكيل قوة عسكرية لحماية مصالح روسيا في المنطقة القطبية الشمالية. وتتوقع هذه الاستراتيجية أن تُصبح هذه المنطقة المصدر الرئيس للنفط والغاز في روسيا خلال السنوات المقبلة.

ويتعلق الصراع على القطب الشمالي كذلك بما ينجم عن ارتفاع حرارة المناخ من جعل الطرق البحرية الشمالية مفتوحة للملاحة خلال فترات أطول، أي أن الأمر يتعلق أيضاً بطرق المواصلات والتجارة المحتملة في المستقبل.

يُقابَل التحرك الروسي بمنافسة شرسة من قبل الولايات المتحدة وكندا والدنمرك والنرويج، التي تمتلك جميعها شريطاً ساحلياً مع القطب الشمالي وتدّعي سيادتها على أجزاء منه. وكانت الولايات المتحدة وكندا قد أرسلتا في السنوات السابقة بعثة مشتركة إلى المنطقة لجمع معلومات تؤكد حقهما في أجزاء من هذه المنطقة. ويتعقّد الوضع أكثر لأن عدد الدول التي تقف عند أبواب القطب الشمالي أكبر بصورة ملحوظة من عدد الدول المطلة على ساحاته الجليدية. فالصين هي الأخرى بدأت تتوجه إلى المنطقة استعداداً للمشاركة في تقاسم الثروات الطبيعية الهائلة هناك، حيث وجهت إلى «أركتيكا» أكبر كاسحة جليد مُطورة غير نووية في العالم، كانت قد صُنعت في الحقبة السوفياتية في أوكرانيا. ولا تدّعي الصين بوجود حقوق قانونية لها على أي جزء من أجزاء القطب الشمالي، لكنها تنتظر اتفاق الدول المطلّة عليه كي تستفيد من النفط والغاز هناك. وفي هذا الصراع الدائر، ترى واشنطن أن ايسلندا والسويد وفنلندا لها الحقوق ذاتها في الموارد الكامنة في المحيط القطبي الشمالي. ففي العام 1996، تأسس ما يُسمّى «مجلس القطب الشمالي» بمبادرة من فنلندا. ويُعدّ هذا المجلس أهم منظمة إقليمية لهذه المنطقة، ويضم الدنمرك وفنلندا وايسلندا وكندا والنرويج وروسيا والسويد والولايات المتحدة.

في ضوء ما سبق، لا يُستبعَد أن تُصبح منطقة القطب الشمالي حلبة مستقبلية لتصادم المصالح الاستراتيجية لدول عدة، في مقدمها روسيا والولايات المتحدة. ويمكن أن يُضاف مثل هذا الصراع إلى الصراع الجيوسياسي الراهن والعلاقات المُعقدة بين موسكو وواشنطن على خلفية الوضع في أوكرانيا وسوريا، وعلى خلفية التوتر الملحُوظ بين الجانبين بشأن اقتراب «حلف شمال الأطلسي» أكثر فأكثر من حدود روسيا وزيادة الوجود العسكري للحلف في دول البلطيق، وبداية نشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية ــ «الأطلسية» في بلدان شرق أوروبا. كل هذا دفع ببعض المراقبين الروس والغربيين إلى التكهن باحتمال تطور الخلاف حول ثروات هذه المنطقة مستقبلاً إلى صراع مسلح «غير نووي». ولكن حتى في حال عدم حصول ذلك، فإن ما يجري حول القطب الشمالي يُنذر بعسكرة هذه المنطقة، في إطار سباق تسلح بات واضحاً للعيان بين روسيا وأميركا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر