الراصد القديم

2016/07/01

تحديات تفعيل الدور الإقليمى لمصر

محمد السعيد إدريس


إذا اتفقنا على أن الدور المصرى، وعلى الأخص فى المجالين العربى والإقليمي، قد أصبح ضرورة ترقى إلى مستوى الحتمية، لأسباب كثيرة أفضنا فى الحديث عنها، فإن هذا الدور لا يمكن أن ينشأ من فراغ، ولكنه محكوم بضوابط ومحددات ومبادئ ويجب أن تكون له أيضاً أهدافه. فهذا الدور يجب أن يكون محكوماً ومنطلقاً من دافعين أساسيين: دافع المصالح الوطنية المصرية ودافع الحرص على الدفاع عن الأمن الوطنى المصرى إلى جانب الدفاع عن المصالح القومية العربية وعن الأمن القومى العربى ثقة بالترابط الشديد بين ما هو مصالح وأمن وطنى مصرى وما هو مصالح وأمن قومى عربي. كما أن هذا الدور يجب أيضاً أن يكون محكوماً بالقدرات والموارد المصرية، وبأجندة أولويات توزيع هذه القدرات والموارد، وفوق ذلك يجب أن يكون واعياً بخصوصيات التطورات التى تحدث فى وطننا العربى وعلى مستوى كل من البيئة الإقليمية والبيئة الدولية وما تفرضه من تحديات.


إذا اتفقنا على ذلك فإن الدعوة الواردة فى المبادرة المقترحة لتأسيس مؤتمر للأمن والتعاون الإقليمى فى الشرق الأوسط تضم أربع دول عربية على رأسها مصر وكل من إيران وتركيا مع استبعاد متعمد للكيان الصهيونى للبحث فى قضايا التعاون والأمن المشتركة يمكن اعتبارها من الطموحات المأمولة، أو الآمال الآجلة، نظراً لأن مصر مهمومة الآن بضغوط وقضايا أخرى ذات أولوية وتدخل ضمن المطالب العاجلة التى يجب أن تحظى بكل الاهتمام، أو على الأقل بمعظم الاهتمام، وبالذات القضايا الثلاث الداخلية وهي: التحديات الاقتصادية والتهديدات الأمنية والأزمة المائية المتصاعدة، إضافة إلى القضايا العربية الساخنة وبالذات خطر تفكك وتقسيم بعض الدول العربية المفعمة بصراعات عرقية وطائفية مثل سوريا والعراق، وخطر الإرهاب الذى يتهدد أمن واستقرار هذه الدول، والخطر الذى يتهدد القضية الفلسطينية بسبب الاختلال الشديد فى توازن القوى بين العرب والكيان الصهيونى الحريص على استغلال هذا الاختلال لفرض السلام الذى يريده، وهو السلام الذى يستهدف القضاء الكامل على كل حقوق الشعب الفلسطيني، هناك أسباب أخرى تجعل دعوة تأسيس مؤتمر للأمن والتعاون الإقليمى هدفاً آجلاً من أبرزها أن مصر فى حالة اشتباك راهن مع تركيا أو على الأقل مع النظام الحاكم فى تركيا بسبب تدخلاته السافرة فى الشئون الداخلية المصرية وانحيازه المرفوض لجماعة الإخوان المسلمين، كما أن مصر فى حالة استياء من المشروع السياسى الإيراني. استياء مقرون بتوجس مشروع تدعمه التدخلات الإيرانية السافرة فى الشئون الداخلية للعديد من الدول العربية، ناهيك عن حالة الصراع الساخن الراهنة بين دول عربية شقيقة لها مكانتها المحورية لدى مصر مثل السعودية والإمارات مع إيران. على نفس المستوى فإن معظم الدول العربية تكاد تكون فى حالة انقسام فيما بينها على العلاقة مع كل من إيران وتركيا، فالسعودية مثلاً فى حالة تحالف إستراتيجى مع تركيا (عكس مصر) وفى حالة عداء شديد مع إيران. وسلطنة عمان فى حالة تقارب مثيرة مع إيران وليست لها عداءات مع تركيا، والكويت فى علاقة تقارب حرجة مع إيران وليست فى عداء مع تركيا، الأمر بالنسبة للعراق وسوريا واليمن ولبنان شديد الارتباك بالنسبة للعلاقة مع إيران وتركيا حيث توجد حالة انقسام داخلى حادة على العلاقة مع هاتين الدولتين الأمر الأكثر خطورة، هو أنه فى الوقت الذى تنقسم فيه الدول العربية على العلاقة مع إيران وتركيا بين أنماط من تفاعلات: الصراع والتنافس والتعاون، فإن دولاً عربية بدأت تدخل فى علاقات دافئة مع العدو الصهيونى لأسباب كثيرة فى مقدمتها أولوية الصراع مع إيران والرفض الأمريكى للانحياز إلى جانب هذه الدول العربية ضد إيران، معنى ذلك أن دعوة واشنطن لتأسيس شرق أوسط جديد منذ صيف عام 2006 وفى ذروة العدوان الإسرائيلى الإجرامى ضد لبنان بدأت تتحقق بكل ما تعنيه من دعوة إلى استبدال الصراع العربي- الإسرائيلى بصراع بديل هو الصراع العربى الإيراني، وإلى استبدال إسرائيل كعدو مركزى وتاريخى للعرب بعدو آخر بديل هو إيران، وإطلاق الصراع السُني- الشيعى باعتباره الوسيلة الفعالة لتفجير الصراع بين العرب وإيران، ناهيك عن فعاليته الأهم فى تفجير الصراع الداخلى فى الدول العربية كخطوة لإعادة تقسيم وتجزئة هذه الدول على أسس عرقية وطائفية تخدم طموحات توسيع النفوذ الإسرائيلي.

فقادة الكيان الصهيونى حريصون الآن على توظيف الصراعات المتأججة داخل الدول العربية والتورط الإيرانى فى بعض هذه الصراعات إلى إعادة تقسيم العرب أولاً بين دول سُنية تقودها السعودية بالتعاون مع تركيا وبين دول شيعية تقودها إيران، وإعلان النية الإسرائيلية، بل الحرص الإسرائيلي، على مشاركة إسرائيل كطرف أصيل فى التحالف السُنى لمواجهة التحالف الشيعى الذى تقوده إيران. ووسط هذا كله يجد قادة الكيان الصهيونى الفرصة سانحة للتخلص نهائياً من عبء القضية الفلسطينية من خلال طرح التعاون العربي- الإسرائيلى كأولوية لمواجهة الخطر الإيراني، وهذا التعاون يستلزم من الدول العربية المعنية به تخفيض سقف انحيازاتها السابقة للقضية الفلسطينية، وتأجيل البحث فى هذه القضية، والترويج لأكذوبة تقول أنه ربما يؤدى التعاون العربي- الإسرائيلى إلى تفاهمات لحل القضية الفلسطينية، ومن هنا جاء الرفض الإسرائيلى للمبادرة الفرنسية لصالح ما يسمونه بـ «الحل العربي» أى الحل المطروح من دول عربية يصفونها بـ «الدول العربية المعتدلة»، أبدت، حسب تصريحات أدلى بها زعيم المعارضة فى الكنيست اسحق هرتسوج «اهتماماً ملحوظاً بالتعاون الدبلوماسى مع إسرائيل».

أما على مستوى العلاقات الإقليمية بين كل من إسرائيل وتركيا وإيران فإنها تزيد من ارتباك فرص تفعيل تعاون عربى مع كل من إيران وتركيا حيث نجد أن التعاون الإسرائيلي- التركى بدأ يشهد دفئاً غير مسبوق قد يعود بالعلاقات بينهما إلى مستوى «التحالف الإستراتيجي» السابق، فى ذات الوقت فإن تركيا شديدة الحرص على تطوير علاقات التعاون الاقتصادى مع إيران، والطموح للوصول بهذا التعاون إلى 30 مليار دولار مع نهاية هذا العام بهذا المعنى يبدو أن الطموح إلى تأسيس مؤتمر للتعاون والأمن الإقليمى بين دول عربية وكل من تركيا وإيران فى الوقت الراهن طموحاً غير منطقى رغم أهميته وضرورته، لكنه طموح يجب أن يخضع لأجندة أولويات الدور المصرى أولاً وخاصة مواجهة التهديدات الداخلية العاجلة، كما يجب أن يكون محكوماً برؤية مصرية لإعادة تأسيس وتفعيل للنظام العربى وأن يكون التوجه نحو القوى الإقليمية محكوماً بأهداف وآليات النظام العربى الجديد والمأمول.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر