الراصد القديم

2016/08/31

رثاء جمال عبد الناصر في الشعر الفلسطيني - دراسة


زاهر محمد الجوهر حنني

" كثيرون مروا على هذا التراب، ولكن قليلون هم الذين تركوا آثارا تدل على عظمة من مروا فوقه ".

مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله النبي العربي الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن صفحات كثيرة في تاريخنا العربي بكل محتوياتها ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث، لعل رثاء جمال عبد الناصر وصورته في الشعر الفلسطيني، واحدة من تلك الصفحات التي لم تفتح بعد. وقد آن الأوان لهذا الفتح، الذي أعده بداية للبحث في هذا المضمار وليس خاتمة له، ولدى قراءة الشعر الفلسطيني نلاحظ بروز ظاهرة رثاء القادة في كل أوان، الأمر الذي يدعو إلى الكشف عن هذه الظاهرة وتجلياتها، ودلالاتها.

ظلت القضية الفلسطينية طوال القرن المنصرم مركزا لهموم الأمة العربية والإسلامية على حد سواء، فقد امتطى صهوة هذه القضية كل القادة دون استثناء، فمنهم من كان صادقا وحاول العمل من أجل تخليص الفلسطينيين والعرب من هموم المحتل والمعاناة تحت سطوته، فناضل من أجل فلسطين وقضيتها، وقضى في سبيلها، ومنهم من اتخذها مطية يصل إلى أهداف شخصية من خلالها، فكان كاذبا في ادعائه بأنه يعمل من أجل تخليص الفلسطينيين من الاحتلال البغيض، ومنهم من لم يستطع فعل شيء من أجلها ولم يحاول إلا بالكلام.

جمال عبد الناصر واحد من القادة العرب الذين حاولوا النهوض بالحالة العربية من العجز والهوان إلى مصاف الأمم المتحررة، فوقفت كل قوى الشر أمام تطلعاته التي ظل يرنو لتحقيقها حتى وفاته، وقد اختلفت الآراء حول مدى صدقه في ما كان يقوله ويفعله من أجل الأمة وتحررها وفلسطين وأهلها، فذهب بعضهم إلى أنه كان دكتاتوريا ظالما لم يعمل إلا من أجل تحقيق مصالح شخصية وتطلعات فردية وآمال العظمة الذاتية، وذهب آخرون إلى أنه كان صادقا في كل ما يقوله ويفعله من أجل الأمة وقضاياها المصيرية.
في الشعر الفلسطيني لم أقرأ لشاعر واحد قصيدة تقول أنه لم يكن صادقا، والشعر تعبير عن حالة شعورية في واحدة من صوره وهمومه، فكان في الشعر الفلسطيني فارسا وقائدا ومجاهدا وشهيدا وبطلا ومقداما ومخلصا. وقد يقول قائل: إن العرب اعتادوا على ذكر محاسن موتاهم، فلا يذكرون المتوفى إلا في خير. وفي هذه الحالة أقول: لا يمكن أن يجتمع الجميع على خطأ.

لهذا كان هذا البحث في ثلاثة أقسام؛ تناول القسم الأول منها صورة جمال عبد الناصر في عناوين القصائد، التي أضاءت م
ساحة واسعة من المكانة التي حظي به عند الشعراء. وجاء القسم الثاني متحدثا عن مطالع القصائد التي أضاءت مساحة أخرى عبرت عن لحظة المفاجأة ولحظة الصدمة الأولى لخبر الموت، واللمحة الأولى لصورة عبد الناصر في أذهان الشعراء. وربما يجد بعضهم هذا التقسيم غريبا في البحث ولكنني أتحدث عن صورة اكتملت بإضاءات مرحلية أجدها استدعت هذه الطريقة في العرض والدراسة.
أما القسم الثالث فقد عرضت فيه صورا في مضامين قصائد هؤلاء الشعراء، مسبوقا بإيضاح لرؤى مختلفة حول الصورة الفنية، ثم أوضحت أن ذلك الجزء من البحث اعتمد على ما يقارب الدراسة الانطباعية، تبعا لأهمية ذلك في هذا الجزء من البحث.

وقد تناولت الدراسة تسعة نصوص من بين مجموعة كبيرة في رثاء القائد جمال عبد الناصر، رأيت فيها معبرا واضحا عن الشعر الفلسطيني، فهي نصوص لعدد من كبار الشعراء الفلسطينيين، وهم معين بسيسو، سميح القاسم، هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان، محمود درويش، توفيق الحاج.

ولما كانت القصائد في الرثاء فقد رأيت أن المنهج الشخصي القريب من الانطباعية هو الأفضل لاستخدامه في هذا البحث، فمحاكمة النصوص على أساس غير هذا لا يليق بقصائد قيلت في لحظة سيطر فيها هم الموت والفقد والمشاعر الإنسانية على الشعراء.
راجيا المولى تعالى أن أكون قد وفقت لما فيه الخير، وأن يكون هذا البحث فتحا فيه جدة وإضاءات مفيدة للباحثين.

والله الموفق
أولا- في عناوين القصائد
لم يشغل جمال عبد الناصر السياسيين وحدهم، ولو كان كذلك لظل رجل سياسة وحسب، كذلك فإنه خرج من دائرة القيادة الضيقة إلى الجماهير العريضة التي هتفت له ومعه طوال عشرين سنة، فاستقر في أذهان الناس جميعا عربا ومسلمين وغيرهم قائدا وفارسا وطنيا قوميا أمميا، استحق أن يتربع على عرش فوق قصائد الشعراء[1]، فكانت قصيدة الشاعر معين بسيسو تحت صورة عبد الناصر لا تحته. فهذا القائد الأسمر – كما دأب الناس على تسميته – برغم انتقاله من حياتنا الدنيا إلى حياة أخرى، إلا أنه ظل محفورا كصورة في أذهان الناس ومنهم الشعراء، وتلك الصورة محلقة في علو مهما بلغ ارتفاع تحليق خيال الشعراء يظل تحت ذلك العلو، ولا يبلغه، وإذا كانت صورته قد بلغت تلك المرتبة العالية التي لا يبلغها خيال الشاعر مهما حلق في فضاء الموجود واللاموجود، فإن صاحب الصورة في مرتبة أعلى وأسمى وأعز وأجل. وظلت القصيدة عند معين بسيسو تحت جمال عبد الناصر وتحت صورته. وهذه الدلالة في عنوان القصيدة تلتقي مع دلالة أخرى أعمق غورا وأكثر بعدا في رؤيا بسيسو في قصيدته (رسالة في زجاجة إلى جمال عبد الناصر)[2] فبعدما كانت قصيدة صارت رسالة، والرسالة ينبغي أن تحمل أخبارا من المرسِل إلى المرسَل إليه، وهي تشير في مجمل الأحوال إلى التواصل المعنوي في أقل تقدير، ولا يتواصل فرد مع آخر إلا إذا كانت بينهما علاقة (رسمية أو شخصية) والعلاقة العامة التي نسجها عبد الناصر مع جماهيره جعلت كل عربي يشعر بأن له علاقة خاصة معه، أما لماذا في زجاجة؟ فمع أن الأمر منوط بالشاعر أولا إلا أن ذلك يشير إلى الخصوصية التي يحتلها المرسل إليه عند المرسل، فالزجاجة عازل جيد لما بداخلها عما بخارجها، وعليه يظل مضمون الرسالة محفوظا بطريقة لا يمكن أن يؤثر ما هو خارجها على ما بداخلها. وكأن الشاعر أراد أن يقول أن رسائل الفلسطينيين أو العرب أو رسائل الإنسان في كل مكان إلى عبد الناصر مهما حاول بعض الناس أن يغيروا محتواها تظل محفوظة ولا يؤثر ما يقولونه في تاريخه النضالي. ويدلل على ذلك مضمون القصيدة نفسها. وفي قصيدة ثالثة يتأكد المعنى والإحساس نفسه عند الشاعر عندما يضع عنوانا لقصيدته (شهرزاد وفارس الأمل –جمال عبد الناصر-)[3] أهي مصر حلم الفارس أم فلسطين أم الأمة كلها يمكن أن تكون شهرزاد؟ كل ذلك يمكن أن يكون صحيحا، فالفارس عبد الناصر (شهريار) يبحث عن شهرزاده لا التي تسامره حتى يأتي الصباح فتسكت عن الكلام المباح، بل تلك التي يحلم بلقائها، لأنه الفارس الذي يتطلع إلى تحقيق الأمل، والأمل مرتبط في كل مرة بتطلع إنساني أرحب يتجاوز حدود الفردية والشخصية إلى الجماعية وهمومها الواحدة، حتى صارت كأنها شهرزاد وصار الجميع كأنهم شهريار، ممثلين في الفارس (فارس الأمل) الذي يتطلع الجميع إليه محققا لتطلعاتهم التي يعجز عن تحقيقها الإنسان العادي، وهي بحاجة إلى فارس يمتلك كفاءات خاصة، وليس ذاك إلا جمال عبد الناصر.

أما الشاعر سميح القاسم فقد اتخذت دلالات العنوان عنده منحى آخر[4]، أقرب إلى الوجد الصوفي، عندما يتوحد الشاعر مع ذاته محلقا في أجواء دينية ترسخت في أعماقه بالاعتقاد والتقادم، وفي ظلال تلك الأجواء يبدأ الشاعر أمام الموت بالبحث في الذاكرة عن مكنونات لم تبارحه ولم يبارحها، فيستحضر ما تيسر من تلك الدلالات. وإذا كانت كلمة (سورة) مرتبطة في ذهن الشاعر وفي أذهاننا أيضا بسور القرآن الكريم ودلالاتها الدينية التي تعكس جانبا من الاعتقاد بها، فإن القرآن الكريم لم يحتو سورة بعنوان (سورة الموت) لكنه أكدها في كثير من الآيات الكريمة الواردة فيه. وإن لم يفرد لها سورة خاصة، سميح القاسم أراد أن يقول إن الموت حق وكأنه مثلما هي سور القرآن الكريم حق، وعقيدة التوحيد التي يؤمن بها سميح القاسم تقر بهذا المعنى، كذلك أراد أن يبين بعض جوانب متعلقة بهذا الاعتقاد، الأمر الذي لم يتناوله بهذا الوضوح في القصيدة، وإنما راح يستعرض صور الحياة التي عندما تتوقف يستدعي بعضها البكاء دون إرادة، فالحياة مرتبطة بالعطاء، وبالموت يتوقف ذلك العطاء.

الشاعر هارون هاشم رشيد الذي تميزت قصيدته (شهيد الفداء)[5] بالمباشرة أكثر من غيرها، عبر عن نبض عام عند العرب عموما يمثل الاعتزاز الكبير بتاريخ هذا الرجل الزعيم القائد، فجعله مع الشهداء، ومعروف أن الشهداء ثلاثة؛ شهيد دنيا وشهيد آخرة وشهيد دنيا وآخرة.وعليه يحق للشاعر أن يعتقد في هذا ما يشاء، وأن يحتسب الإنسان الذي يحبه شهيدا عند الله – تعالى – والله أعلم بذلك، فالشاعر رشيد اعتقد ذلك عندما ربط بين الشهيد والفداء، فإذا كان الشهيد من قتل مدافعا عن دينه أو ماله أو عرضه أو... فإن الفداء يرتبط بهذه الأمور جميعها لأنه يرتبط بالدفاع. وعبد الناصر كان مدافعا عن الإنسان وإنسانيته بكل معاني الدفاع وأنواعه، الأمر الذي يجعله من أهل الفداء، وأن يقضي بالطريقة التي أثارت كثيرا من الشكوك يجعل الناس يعتقدون باستشهاده وهذا من حقهم، ليكون شهيدا للفداء. وقد ربط الشاعر عنوان القصيدة بمضمونها الذي حمل بعضا من هذه المعاني وغيرها.

أما الشاعرة فدوى طوقان فقد كانت لها رؤية أخرى في الأمر، إذ اعتقدت غير ما اعتقده هارون هاشم رشيد، فلفظ (مرثية)[6] يحمل معنى الاعتقاد بالموت لا الشهادة، لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، أما الموتى فهم غير ذلك. ومع هذا فلم تقلل فدوى طوقان من شأن عبد الناصر لأنها ربطت المرثية بالفارس، والفارس وإن كان اللفظ ومعناه استخدمه الشاعر معين بسيسو رابطا إياه بالأمل (فارس الأمل) فإن طوقان حملت قصيدتها معنى الفروسية المرتبطة بالبطولة والفداء، من خلال استعراض صفحات من التاريخ ترتبط في أجزاء منها بالبطل عبد الناصر، إذ قسمت القصيدة إلى أربعة أقسام ووضعت لها عنوانين جانبيين، هما (أيلول والفادي)، ويبدو جليا أن قصيدتها هذه جاءت بأثر الفاجعة التي أصيبت بها بموت جمال عبد الناصر.

إذا كانت الألوان تحمل دلالات عامة في العادة، فإن لها دلالات خاصة في كل مرة عند محمود درويش، وهذه المرة يصف عبد الناصر بالرجل[7] لأن الرجولة لها دلالات ومواصفات خاصة عند العربي فلا يوصف المرء بالرجولة إلا إذا تحققت فيه تلك المواصفات، وعبد الناصر رجل لأنه يحمل معاني الرجولة كلها، وهو ذو الظل الأخضر، والظل هو أثر وقوف المرء بين الضوء والسطح الذي يتكون عليه، وهو دائما يبدو أسود أو بدرجة من درجاته، ولا يمكن أن يكون ملونا، حتى لو كان الضوء نفسه كذلك، وهذا يعني أن درويشا وصف ظل الرجل كما هو في نفسه لا كما في الواقع، واللون الأخضر يترك في العادة انعكاسا إيجابيا في النفوس، ويكاد يكون كذلك عند جميع الأمم. هذا من جانب أما من جانب آخر إذا كان ظل الرجل أخضر في نفس الشاعر فكيف يكون الرجل نفسه؟! إنه أكثر من ذلك بكثير، إنه حياة بكل إيجابياتها، وعطاء بكل تجلياته، وفداء بكل معانيه، وخلود في كل زمان ومكان. وهذه المعاني جميعها نقرأها في النص نفسه وليس في العنوان وحده.

(صلاة أخرى.. و..موت أخير)[8]، هو عنوان قصيدة الشاعر توفيق الحاج في الذكرى العاشرة لرحيل (الأب المعلم) جمال عبد الناصر –كما كتب تحت العنوان مباشرة-، أي صلاة أعمق من صلاة في حضرة الحاضر الغائب الذي تمر عشر سنوات على رحيله وما زالت الصلاة في حضرة ذكراه تستدعي موتا أخيرا وكأنه آخر من تبقى من العرب ممن يستحقون الحياة، وكأنه العربي الذي في حضوره حضور وفي غيابه غياب، بل موت، وموت أخير بجزم هكذا..، فالصلاة أخرى بينما الموت أخير، وبين الآخر والأخير فرق كبير، كالفرق بين حضور عبد الناصر وغيابه.

وعليه فإن جمال عبد الناصر حلق في ضمائر الشعراء الفلسطينيين إلى مكانة غير مسبوقة في عصرنا هذا، قائدا فوق الشعر كله، يتواصل الشعراء معه على الرغم من انتقاله من عالمنا إلى عالم آخر، فارس الأمل شهريار الباحث عن شهرزاد الوطن والأمة، الذي قضى لأن الموت حق على كل البشر، وترك لنا عملا كثيرا علينا أن ننجزه، وهو شهيد الفداء، الذي لم يحتمل الناس ومنهم الشعراء فراقه، لأنه الرجل المضحي الذي توقف لون تضحياته بقضائه، ففي حضرته وغيابه صلاة أخرى من نوع آخر، وفي موته غياب أخير عن هموم هذا العالم؛ عالم الحياة الدنيا.

ثانيا- مطالع القصائد
لا يختصر معين بسيسو مصر كلها في طفل من (بولاق)، وإنما أراد لكل مصر أن تكون كذلك الطفل الذي يرفع صورة قائد مصر، ويحمل فوق الأعناق، وفي قوله لا يعرف أين يسير تعبير يحتمل تأويلات كثيرة أبرزها ربما أن هذا الطفل ليس الوحيد - بدليل تنكيره- الذي يريد أن يصل إلى تطلعات الأطفال جميعهم في مصر والوطن العربي، تلك التطلعات التي حماها عبد الناصر وعمل من أجل تحقيقها ، وعليه يكون هذا الطفل هو أطفال العرب جميعا، أو رمز لهم. وهذا المطلع يفتح النص على تأويلات كثيرة لكنها تظل في إطار رؤيتنا قابلة للتحديد، يقول[9] :
هى ذى مصر ...
طفل من "بولاق" ...
محمول فوق الأعناق ...
يرفع "صورتك" ، ولا يعرف أين يسير
ويرادف هذه المعاني معنى آخر في مطلع قصيدته الثانية (رسالة في ....) التي تبدو منذ الوهلة الأولى وكأنها دفاع عن عبد الناصر الذي تعرض لكثير من الطعن في الخاصرة، وبشيء من الجزم أنه شهيد الفقراء والشعراء، الأمر الذي يجعله شهيد الغالبية العظمى من أبناء الأمة، إذ يبدأ الشاعر قصيدته بقوله[10]:
سقط شهيـداً
كى يستبدل أحـد الفقراء
رغيفا بجريـدةْ
كى نكتب نحن الشعـراء التعساء
قصـيدةْ ...
ولفظ الفقراء يحملنا على تأويل الرؤية الطبقية للمجتمعات، ولكن الشاعر في لفظ الشعراء لم يترك لنا مجالا للتأويل؛ إذ وصفهم بالتعساء مقدما، ليسد الباب علينا. أما في قصيدته (شهرزاد وفارس الأمل....) فقد صار شهريار أبا الليالي، ويقدم روحه على النطع أمام السياف فداء لشهرزاد الحلم والأمل والتطلع العربي، وشهرزاد هذه ليست شهرزاد الحكاية، بل هي حكاية خاصة وفيها جراح خاصة أيضا، لا تحتمل مطلقا أن تكون هي الحكاية، يقول[11]:
يا شهـر زاد ـ
على جناح السيف كان "أبـو الليالي" شهريار
يهوى إليك وفى الـركاب
النطـع والسياف ـ
يا أم الليالـى والحكايةْ
غير الحكاية والجـراح
غير الجـراح
أما سميح القاسم فيقسم قصيدته ( ما تيسر من سورة الموت) إلى قسمين الأول تحت "عنوان تهليلة لأجمل الجياد"، والثاني تحت عنوان "مصارع الرجال"، يفتتح القسم الأول بمفارقة فنية فيها رؤيا فلسطينية نابعة من واقع المأساة الفلسطينية فالرقص وعرس الموت ضدان لا يجتمعان إلا في حالة كالفلسطينية، والفلسطيني مرهق من تكرار هذه الحالة، إنه يعيش الحياة رغما عن الموت الذي يحاول أن يصبغ التفاصيل الكثيرة، ويصير الرقص موحيا بتحد غير مسبوق للموت الذي يمتد الآن أعواما على أعوام عندما يستشهد عبد الناصر ولما يتحقق الحلم، فعبد الناصر سيد لا يشبهه السادة إنه قادم من الأحلام، وهذا تصريح واضح أن الحلم الذي ارتبط بعبد الناصر هو حلم الشعب الفلسطيني والأمة كلها،وقوله[12]:
أرهقني الرقص .. وعرس الموت
يمتد أعواماً على أعوام ،
خوفي ، يمر الوقت
ولم أعانق سيدي الآتي من الأحلام
يتعانق مع قوله في مطلع القسم الثاني:
وجهي إلى كل جهات الأرض
مجللاً بالنار
وجهي إلى الأعالي
وجهي إلى الأغوار
وفى جراحي تكبر الأزهار
وصية الميلاد ملء جبهتي
ملء فمي ورئتي
فالعفو ، إن سال دمى .. سال على الأوتار
أبكيك لكن واقفاً
وصامداً وزاحفاً

فيشكلان حالة واحدة تكاد تكون الحالة الفلسطينية الناصرية – إن جاز التعبير- ففي عرس الموت لا يكون رقص وإنما يكون بكاء الأمر الذي لا نقرأه في مطلع القسم الأول ونقرأه في مطلع القسم الثاني، ليلتقي المطلعان ويشكلان حالة من التكامل في الرؤيا، قلما نجدها عند شاعر، إلا أنها عند القاسم تتخذ بعدا فكريا شخصيا أقرب إلى توحيده بالبعد الوطني القومي الذي لا يجد القاسم مندوحة من توحيده في بوتقة واحدة في الجانب الفكري وهذا انعكاس لفكر القاسم.
ويرفد هذه الفكرة ويؤكدها مطلع قصيدة الشاعر هارون هاشم رشيد، إذ يعلن فيها منذ البداية عن تلك الآمال التي يتطلع لتحقيقها العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون، فقد كان الفلسطينيون يتطلعون إلى تحقيق النصر على يد القائد جمال عبد الناصر، حبيب الأمة الذي يمضي بها إلى شاطئ تحقيق الآمال، في وقت علقت الأمة كلها من المحيط إلى الخليج لآمالها على هذا القائد الذي لا يتكرر كثيرا في التاريخ، فهو الذي يحمل عبء الأمة كلها بصبر، ولم يأبه لأي نوع من أنواع الأعداء مهما كانوا سيئين، ومهما تلونوا وكثرت أعدادهم ، ومهما كانت مواصفاتهم السيئة، فأنت برغمهم جميعا بقيت فارسنا ورائدنا ليوم جولة الحق التي سننتصر فيها على الشياطين، يقول[13]:
كنا على موعد للنصر ميمــون
لراية الحق تعلو في فلســـطين
وأنت تمضي بنا يا حــب أمتنا
لشــاطئ رائـع الآمـال مأمـون
من المحيط حملت العبء مصطبرا
إلى الخليج ولـم تأبه لمـأفـون
ولا تعثرت والدرب الطويل بـه
آلاف .. آلاف تجـار التـلاويــن
هذا يقــول ويهـذى دونمـا عمـل
وآخـر غائص في الوحـل والطيـن
وأنت فارسنـا المـرجو رائـدنـا
لجولة الحــق في وجـه الشياطيـن
وعلى الرغم من سطحية هذه المعاني إلا أنها حملت صدقا مباشرا يعبر عما في خواطر ملايين العرب تجاه هذا القائد الذي لم يعط من العمر إلا القليل.

فدوى طوقان تنقلنا في مطلع قصيدتها (مرثية الفارس) إلى أجواء واحدة من العواصم العربية التي ضجت بموت الفارس عندما سمعت نبأ موته، فتنظر إليها وكأنها في مهرجان لكنه ليس مهرجان فرح وإنما مهرجان موت القائد العربي، الذي لا ينبغي لموته أن يكون موتا عاديا، وإنما في ذروة الزمان والمكان والمشاعر التي تلتحم أمام الموت الذي يحيلها إلى تابوت وقبر، وفي هذا الوقت نفسه لا يفرح إلا طواغيت الشر في كل مكان ويعبرون عن فرحهم بالسكر والنشوة، لحالة من الجنون والجنون له بحر مليء بما يقذف به في وجوهنا، وهذا الحدث الكبير واحد من تلك التي فاض بها بحر الجنون، إذ تقول[14]:
مهرجان الموت في الذروة ، عمّانُ
استحالت فيه تابوتاً وقبرا
والطواغيت سكارى منتشون
بالذي فاض به بحر الجنون
محمود درويش يبدأ كعادته بداية غير عادية، بذكر الحياة أولا، ثم العيش فيها ثم ما فيها من معاناة، وكل ذلك نحن فيه، نحن الذين نحب عبد الناصر نكون معه في كل شيء، ولأن الحياة لها فضل على الموت في أن من يظل، يظل كي يعمل من أجل الأمة التي تريد الحياة - ومحمود درويش يؤكد دائما أنه يحب الحياة وأننا نحب الحياة- وحتى عندما نموت فإننا نموت من أجل أن نحيا، ولهذا فإننا نرفض الموت، وإن كان هذا الرفض أخذ شكل استحياء أو رفض غير مجزوم فيه، بقوله (نحاول) عندما يقول في مطلع قصيدته (الرجل ذو الظل الأخضر)[15]:
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك !
أما الشاعر توفيق الحاج فيبدأ قصيدته ( صلاة أخرى .. و.. موت أخير) في الذكرى العاشرة لرحيل جمال عبد الناصر، مصورا الذكرى وكأنها ما زالت حديثة جدا فهي تدق الباب ومهما حاولنا تجاهلها ونسيانها أو تناسيها تظل مصرة على الحفر في الذاكرة لأنها مرتبطة بأشياء كثيرة ظل عبد الناصر عنوانا لها كما ظلت هي الأخرى عنوانا له، وكأنه في أمس القريب على الرغم من مرور عشر سنوات على رحيله، الأمر الذي يشير إلى أن القصائد التي قيلت في رحيله ليست حالة آنية عند الفلسطينيين ارتبطت بوقت وفاته، وإنما ظلت جديدة وكأن جمال عبد الناصر محفور في الذاكرة، بكل تاريخه وأعماله، يقول الشاعر في مطلع قصيدته[16]:
· دق الباب
ولا أحباب تدق الباب قبيل الفجر برغبتها
- من؟!
اعتقد رفيق يكبرنا أنا الليلة مدعوون إلى الديون رقم "6"
مصادفة... أم عين القصد
هذي ال "6" تلج النجمة
جرح حزيران
وباب النفط
هكذا حاول كل شاعر جهده أن يكون مطلع قصيدته متميزا عن غيره على الرغم من أن كل شاعر منهم كتب قصيدته دون أن يقرأ قصائد الآخرين، باستثناء الشاعر توفيق الحاج ربما، الذي كانت له قصيدة أخرى في ديوانه نفسه بعنوان (أبتاه) مهداة إلى روح الهرم الرابع، وقد كتبها في الذكرى التاسعة لرحيل جمال عبد الناصر.

ثالثا- صور في مضامين القصائد
ما زلت أعتقد جازما أن الشكل والمضمون في الشعر لا ينفصلان في أي حال من الأحوال، وفي هذا وذاك تظل الصورة الشعرية المحرك المحسوس لمشاعرنا، والرابط المعنوي الأقوى بينهما، مهما اختلف في تحديد ماهيتها وفاعليتها، فلقد استغرقت الصورة الشعرية مساحات واسعة من الجهود المبذولة لتحديد مفهومها بدقة ووضوح ، ولم تتوقف تلك الجهود حتى اللحظة ، غير أنها ترسمت الخطوط العريضة لملامحها العامة ، وجدير بالقول أنها لا تنفصل بحال عن بقية مكونات القصيدة ، فالنص شكلا ومضمونا وحدة واحدة يكمل بعضه بعضا ، ولا يمكن النظر إلى النص الشعري بوصفه أجزاء منفصلة بعضها عن بعض ، وإنما هو كل تترابط أجزاؤه ترابطا وثيقاً . إن الصورة الشعرية قديمة قدم الشعر نفسه ، وإن يكن المصطلح قد ظهر بعد ذلك . فالصورة الشعرية جزء أساس من مكونات النص الشعري ترتبط مع بقية الأجزاء ارتباطا وثيقا وتتفاعل معها لتشكل تكامل القصيدة الشعرية ، وقد ذهب بعض النقاد في الحديث عن الصورة الشعرية إلى أنها هي الشعر ، وأن الشعر الحديث أصبح الكتابة بالصورة، يقول شاكر النابلسي : " وكما أن الشعر هو اللغة .. فإن الصورة هي الشعر ... فالصورة الشعرية هي المغامرة .. هي اللعب الشعري ... وهي الحلم ، لأنها لا تطابق الواقع . ربما تتصل به من بعيد ، ولكنها لا تنسخه ، ولا تنقله كما هو . والحلم فيه السحر ، وفيه غير المألوف ، وفيه الأسر . ومن هنا كانت علاقة وثيقة بين الشعر وآلية الحلم ."[17] بينما يوضح ذلك عبد الخالق العف على نحو آخر بقوله: " إن الصورة الشعرية بوتقة تنصهر فيها الرؤى والأفكار والمدركات الحسية فتشكل بنى تصورية متتابعة ينظم الشعور علاقاتها الجديدة " [18] وكان أدونيس قد ذهب قبل ذلك إلى أن " شعر الصورة يكون شعر المفاجأة ، والدهشة، والرؤيا، وتغير نظام التعبير عن الأشياء " [19] ويتضح فصله بين شعر يسميه شعر الصورة وأشعار أخرى قد لا تكون الصورة مركزها . ويؤكد هذا الفصل ساسين عساف ، عندما يقول إن الصورة الشعرية أصبحت " أداة توحيد بين أشياء الوجود .. وصهر وإعادة تركيب ، بها نمتلك الأشياء امتلاكا كليا ، .. والشعر الذي يمتلك الصور هو فعل نفاذ وفعل إضاءة لجوهر الوجود ، والصورة – بهذا المعنى – رؤية فكرية وعاطفية في لحظة من الزمن ، لئن تجردت من فعلها الرؤيوي أغلقت دوننا أبواب الواقع " [20] وكأنه يقول بوجود شعر لا يمتلك صورا . مع العلم أنه لا يخلو الشعر من الصور الشعرية ، فالشاعر عادة " لا يصور الشيء كما هو ، ولكن كما يبدو له ، ولا يرسم منه هيكله العريان ، بل يخلع عليه من حلل الخيال بعد أن يحركه الإحساس " [21] فبعض الألفاظ الحسية " ليست في الحقيقة إلا رموزاً لما تأخذه العين من الأشياء " [22] ومما يؤكد عدم إمكانية خلو النص الشعري من الصورة ، مقاربة تحديد مفهومها بأنها " تشكيل لمعطيات عمليتين تمثلان جناحي الوعي الإنساني بنفسه وبعالمه ، هما عمليتا "الإدراك " Perception و" التخيل " Imagination " [23] وهو ما نعتقد به ، ويؤكد جابر عصفور عدم إمكانية خلو النص الشعري من الصورة صراحة بقوله : " إن الصورة الفنية هي الجوهر الثابت والدائم في الشعر ، قد تتغير مفاهيم الشعر ونظرياته، فتتغير –بالتالي– مفاهيم الصورة الفنية ونظرياتها ، ولكن الاهتمام بها يظل قائما ما دام هناك شعراء يبدعون ، ونقاد يحاولون تحليل ما أبدعوه ، وإدراكه ، والحكم عليه "[24] .

لا يمكن تصور النص الشعري خاليا من الصورة الشعرية التي هي جزء من الصورة الفنية العامة ، وفي حين يذهب النابلسي إلى التفريق بينها وبين التشبيه ، نرى أن التشبيه بمكوناته جزء من الصورة الشعرية على نحو ما . يقول : " التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين ، ويبقى الجسر ممدودا بين الأشياء لذا ، فالتشبيه ابتعاد عن العالم . والصورة اقتراب من العالم ، والصورة تهدم الجسر ، لأنها توحد بين الأشياء . وهي إذ تتيح الوحدة مع العالم تتيح امتلاكه " [25].

الصورة الشعرية تتكون في العادة من ثلاثة أنواع رئيسة تتفرع إلى أقسام جزئية كثيرة يذهب إليها النقاد عادة لتحديد فاعليتها ضمن سياقها النصي ، وارتباطاتها بعضها مع بعض ، ومع المكونات الأخرى للقصيدة فالصورة الشعرية " يجب أن تتجاوب أصداؤها في كل مكان مع القصيدة ، فإذا انفصلت الصورة الجزئية عن مجموعة الصور الأخرى المكونة للقصيدة ، فقدت دورها الحيوي في الصورة العامة . أما إذا هي تساندت مع مجموعة الصور الأخرى اكسبها هذا التفاعل الحيوية والخصب" [26] ونقصد بالأنواع الثلاثة ؛ الصورة المفردة، والصورة المركبة، والصورة الكلية [27].

لا يخفى أن تجويد الصورة الشعرية وإبداعها يحتاج قدرات فنية وإمكانيات عالية ، لا تتيسر للجميع ، وهي تتفاوت من شاعر لآخر ، وتشكيل الصور الشعرية لا يتأتى للشاعر بمجرد أن يلم بالحقائق ، وإنما تتفجر الرغبة في الاتجاه نحو هذا التشكيل الجديد في نفس الشاعر المعاصر وفقا لثقافته ومدى وعيه بحقيقة التعبير الفني. ومن ثم لا يجدي التقليد قط إذا لم يكن الشاعر على وعي تام بهذه الحقيقة الفنية . ومن ثم كذلك تخفق بعض محاولات التشكيل الجديدة أو يجانبها النجاح على أقل تقدير[28].

ربما يتساءل البعض عن سبب ضرورة توجه الشعر إلى الواقع النفسي والاجتماعي والهموم الذاتية والموضوعية في الوقت نفسه. ولماذا لا يكون النثر وحده متصديا لهذه الغاية فهو أقدر عليها وعلى تحقيق أهدافها من الشعر ؟ إن السبب في ذلك يعود إلى أن الشعر نشاط تخيلي متميز في طبيعته عن غيره من الأنشطة الإنسانية عامة والفنية بشكل خاص . وعندما نقول بأن الشعر نشاط تخيلي فإننا نقصد أن الصورة الشعرية تتخلق بفعل القوى التخيلية عند الشاعر ، فالخيال يقوم "بالدور الأساسي في تشكيل الصورة الشعرية وصياغتها، فهو الذي يلتقط عناصرها من الواقع المادي الحسي، وهو الذي يعيد التأليف بين هذه العناصر والمكونات، لتصبح صورة العالم الشعري الخاص بالشاعر بكل ما فيه من مكونات شعورية ونفسية وفكرية " [29] و" إنه بمقدار نشاط الخيال وإيجابيته في التأليف بين العناصر ، ترتفع القيمة الفنية للصورة الشعرية وتتضاعف إيحاءاتها" [30] فالتركيز يكون على التأليف بين العناصر ، لأن كل عناصر الصورة الشعرية مأخوذة في الأصل من الواقع الحسي " مهما ابتعد التخيل عن الواقع ومهما ابتكر أشكالا وصورا خيالية لا وجود لها في عالم الحس ، فإنه لا يمكن أن يبتكر شيئا لم يؤد إليه الحس بنحو من الأنحاء. قد يشكل التخيل عالما لا حقيقة له ، وقد يصل إلى عالم بعيد كل البعد عن المادة، ولكن ذلك العالم – في النهاية – لا يمكن صياغته ، أو تشكيله أو التعبير عنه ، إلا من خلال جزئيات وعناصر أدركها الحس من قبل " [31].

وينصب اهتمامنا بشيء من التركيز حول فكرتين أساسيتين ؛ الأولى تحدث عنها شوقي ضيف بقوله :" والشاعر الحق هو الذي تبلغ عنده ملكة هذا الكشف أقصى حدودها، فإذا كل ما حوله في الوجود أرواح وأشباح وعالم من الرؤى والأحلام ، عالم تتحول فيه الأشياء من صورة إلى صورة تحولا مستمرا ، وكأنما يصيب الشاعر ما يصيب المتصوفة من الاتحاد بالوجود ، أو كأنما تهبط عليه أنوار من السماء يرى خلالها روح الكون منبثة في كل مظهر من مظاهره وفي كل شيء من أشيائه ، بل يرى الأبد كله في اتساعه وفي أسراره التي تتفجر فيه " [32] ، أما الثانية فقد تحدث عنها محمد غنيمي هلال في قوله : " ... ولا نقصد إلى القول بأن الشاعر يحصر عمله في دائرة "الذاتية" المحضة ، إذ إن مثل هذه الحالة لا تتصور إلا إذا غاب في شعوره عن كل شيء حوله ، وهو في هذه الحالة لا يكون على وعي يمكنه من التعبير الشعري، ومن إثارة ما يريد من صور إيحائية، لأنه في تعبيره التصويري يعتمد على الأشياء والحقائق والموضوعات التي تحيط به، والصور التي ينقلها في شعره موجودة ولها صبغة إنسانية عامة، وقد تكون هذه الصور حقائق خارجية ذات وجود مادي أو اجتماعي خارج في الأصل عن نطاق ذاته. وقد يحتوي الشعر على عنصر قصصي يتخذه الشاعر أساسا لتجربته الشعرية وقد توحي تجربته باتخاذ موقف ذي أثر كبير في دلالته الاجتماعية، وفي هذا الموقف تتجلى تعبيراته التصويرية نفسها قوية مؤثرة تترجم عن آمال واسعة أو عن قلق وضيق قد يتمخضان عن صراع بين الواقع الموجود والمستقبل المنشود " [33] وما بين الفكرتين يتضح دور العقل في ضبط الصورة كي لا تكون عشوائية إلى الدرجة التي يصعب معها لم أشتاتها، فالعقل هو الذي يحدد كيفية تشكيل الصورة الشعرية بعد أن يكون قد حدد دور كل جزء منها، وحتى لا يكون الخيال مجرد زينة، فالخيال " جوهر الأدب وهو ليس زينة كزينة الحلي والرياش، وإن من أخطر الأشياء على الأديب أن يستعمله وشيا وتطريزا لأدبه، وأن يصبح كالأصداف التي تغري البصر ببريقها دون أن تفضي إلى رمز أو دلالة تؤديها " [34]وهذا لا يتعارض بحال مع القول إن من " خصائص الخيال الشعري الأصيل أنه يحطم سور مدركاتنا العرفية، ويجعلنا نجفل لائذين بحالة من الوعي بالواقع، تجعلنا نشعر كما لو كان كل شيء يبدأ من جديد، وكما لو كان كل شيء يكتسب معنى فريدا في جدته وأصالته" [35] بل إن ذلك كله يؤكد أن الخيال في معناه الحديث ليس ركضا مع النجوم بل غوص في أعماق النفس والحياة [36].

لقد ظلت الصورة الشعرية الفلسطينية لها خصوصيتها التي تنبع من الواقع الخاص الذي يعيشه الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، لذلك تعارف الجميع على مفاتيح خاصة أيضا للصور الشعرية الفلسطينية، حتى أصبحت سمة لها ، ومن ابرز تلك المفاتيح [ الأرض، التراب، الأنبياء، الزيتون، الصلاة، المسيح، الصلب، الدم، البرتقال، التضحية، الفداء، البحر، الرمل، ... وما يتصل بها من صور شعرية] وقد رأى بعضهم [37] أنها فقدت بريقها وفاعليتها في نفس المتلقي بعد أن صارت تقليدية أو كادت، لذا كان لا بد من تفعليها من جديد، وبث الحياة فيها، وجعلها قادرة على التطور واستيعاب المستجدات في الحياة عامة، وقد حاول الشاعر الفلسطيني المعاصر تحقيق فكرة إحياء تلك الصور مضيفاً إليها بعداً فلسطينيا خاصا ينسجم مع إطارها القومي والإنساني من خلال حديثه عن موضوعات قومية ترتبط بمشاعر الإنسان الفلسطيني تجاهها، وليس أدل على ذلك من رثاء القادة العرب الذين امتلكوا مشاعر الإنسان الفلسطيني الشاعر، فكانت لهم خصوصية في حياتهم، ولكن الخصوصية الكبرى كانت لهم عندما قدموا أرواحهم فداء للأمة، فكانت عنوانا لتاريخهم، الأمر الذي ما زال ينفي بقوة خلو الأمة العربية من القادة العظماء.

يحاول هذا الجزء من البحث أن يترسم خطوات تفعيل الصورة الفنية الفلسطينية في رثاء الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر عند عدد من الشعراء الفلسطينيين. وذلك من خلال رسم صورة انطباعية عن صورة شعرية كلية أو جزئية بارزة عند كل واحد منهم، وهي ليست دراسة انطباعية بكل معنى الانطباعية كما هي مفهوم (لوميتر) مثلا إذ يقول:" أكان النقد اعتقاديا أم لا، وأيا كانت ادعاءاته، لا يهدف إطلاقا إلا إلى تحديد الانطباع الذي يتركه فينا في وقت معين هذا المصنف الأدبي الذي دون فيه المؤلف نفسه الانطباع الذي تلقاه من العالم في ساعة معينة، وإذا كان الأمر على هذا الأساس لنحب الكتب التي تعجبنا"[38] ولا كما في إعلان (أناتول فرانس) عندما قال:" النقد كما أفهمه هو كالفلسفة والتاريخ نوع من الرواية تستخدمه العقول النبيهة والفضولية، وكل رواية إذا أخذناها كما يجب، ليست سوى سيرة حياة كاتب يدونها بقلمه، والناقد الجيد هو ذاك الذي يسرد مغامرات نفسه في وسط الروائع. اللذة التي يقدمها مصنف ما، هي القياس الوحيد لجدارته"[39] إذ هي لا تحتكم إطلاقا لتلك الأفكار على ما فيها، وإنما تتجاوز ذلك إلى بعض الخصوصية، وخصوصا تلك التي ينبغي أن تميز الدراسات العربية من غيرها بحكم الخصوصية العربية في فهم النصوص وعرضها والتأثر بها.

الشاعر معين بسيسو تأخذه انفعالاته بموت عبد الناصر إلى رؤيا شعرية مرتبطة بفكر حاول عبد الناصر تجسيده من خلال حديثه عن آلام العروبة وآمالها، وفي مقدمتها جميعا حرية الإنسان التي تصبح بعد وفاة عبد الناصر – كما يرسمها بسيسو – عمياء لا هادي لها، تتحسس باحثة عن جنسيتها وانتمائها وعن الذي رسم لها طريق الانتماء لهذه الأمة بالطريقة الصحيحة وهو جمال عبد الناصر"وكنت لها الجنسية"، تلتقي هذه الصورة مع صورة كرسي الزعيم الذي مهما جاء بعده من زعماء يظل شاغرا، لأنه لن يوجد من يسد مكان هذا الزعيم الذي أعطى لهذا الكرسي معنى خاصا، حتى أن الكرسي نفسه بقي فاغرا فمه، مثل جرح مفتوح، لا توقف نزيفه أية ضمادة، وكبر هذا الجرح حتى أصبح في حجم الهرم الأكبر، وحوله يلتف نهر النيل كتنين أخضر، ولا نعرف من الخرافات ما يقول أن لون التنين أخضر، ففي الصورة رسم جديد لتنين جديد، ومع أن الصورة مرعبة إلا أن اللون الأخضر خفف من هول الصورة ليضعها بشيء من الطمأنينة في النفوس، وهذه الطمأنينة خلقها ذكر عبد الناصر، أما عن ارتباطه باللون الأخضر في شعر بسيسو كما سنقرأه فيما بعد عند درويش، فنحن نعلم أن اللون الأخضر قبل درويش وبسيسو هو دلالة رمزية في حياة عبد الناصر وفكره.يقول بسيسو[40]:
والحرية ...
تتحسس بأصابعها المرتعشة ...
أوراق جواز السفر ، وأوراق الجنسية ...
كنت جواز السفر ، وكنت لها الجنسية ...
والكرسي الشاغر يا عبد الناصر ...
هذا الجرح الفاغر ...
فمه ،
أكبر

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر