الراصد القديم

2016/08/04

الارهاب في فرنسا نتاج "الدولة الاسلامية" أم من مخلفات الاستعمار الفرنسي

ميشيل حنا الحاج

تشهد فرنسا من بين الدول الأوروبية الأخرى، النسبة الأعلى من العمليات الارهابية. فدول أخرى كثيرة في تلك القارة، لم تواجه قط (أو بعد) بأي أعمال ارهابية مهما كان حجمها، ومنها سويسرا والنمسا والبرتغال ولوكسمبرج وايطاليا واسبانيا ودول أوروبية أخرى. والبعض الآخر عانى من بعض تلك العمليات، ولكن لمرة واحدة لم تتكرر، كما حدث في بلجيكا في 22 آذار (مارس) 2016، ومرة في الدانمارك في14 شباط 2015، عندما هوجم أحد المقاهي في كوبنهاجن، وفي 16 شباط 2015 عندما تم اغتيال أحد حراس معبد يهودي من قبل مسلحين مجهولين. وكانت ماسادونيا، وهي احدى الدول التي أفرزتها عملية تفكيك يوغوسلافيا الى عدة دول، قد واجهت أكثر من هجمة مسلحة ومنها واحد في 21 نيسان، وأخرى في 9 أيار 2015. ومثلها البوسنة التي شهدت عمليات مشابهة أبرزها في 27 نيسان 2015. الا أنها جميعها، سواء في البوسنة أوماسادونيا، لم تكن على الأرجح نتاج مخططات نفذتها الدولة الاسلامية، بل جاءت افرازا لصراعات سياسية داخلية. ولم يخرج عن هذا النمط فيما شهدته الدول الأوروبية من أعمال ارهابية، غير المانيا التي ظلت هادئة مطمئنة، الى أن شهدت فجأة أربع عمليات كهذه في أسبوع واحد، وذلك خلال شهر تموز (يوليو) 2016.

ولكن الأمر لم يتوقف لدى تميز فرنسا بنسبة أعلى كثيرا من غيرها من الدول الأوروبية بعدد الهجمات الارهابية الني مورست على أراضيها، اذ تميزت أيضا بحجم الخسائر الكبيرة والعدد المرتقع من الضحايا، سواء كنتاج لعمليات الذئاب المنفردة أو غزوات الدولة الاسلامية الداعشية، كما حدث في الغزوة الداعشية التي ضربت باريس في تشرين ثاني 2015 في ثلاثة مواقع ومنها مسرح باتوكلان، حيث حصدت تلك العملية 130 ضحية وجرح مائتين أو أكثر. ومثلها عملية الدهس في نيس في 14 تموز، اذ أن هذه أيضا قد أدت الى مقتل 84 من المشاة على الأرصفة، كما تسببت بجرح أكثر من مائتين... وذلك خلافا لعدد الضحايا في عملية داعشية كبرى نفذت في بلجيكا في الثاني والعشرين من آذار 2016، والتي حصدت نسبة عالية من الضحايا بلغت 30 قتيلا. فمع أن رقم الضحايا كان عاليا قياسا بهجمات سابقة فيها، الا أنه ظل أقل كثيرا من عدد ضحايا هجمات باريس في العام الماضي، وهجمة نيس في هذا العام، خصوصا اذا أضفنا اليها الهجمة التي وقعت على مجلة تشارلي أبيدو في مطلع العام الماضي. وكانت بلجيكا قد شهدت في ايار 2014 هجمة على متحف يهودي أدى الى مقتل اربعة أشخاص، كما سيطر مسلح في 15 كانون أول 2014 على مقهى في مدينة غانت البلجيكية وحاول اخذ رهائن، لكن الشرطة البلجيكية استطاعت السيطرة عليه دون أن يلحق أي أذى برواد المقهى. ووقعت هجمة أخرى بالسلاح الأبيض في آب 2015، استهدفت ركاب قطار، فجرح المهاجم البعض، قبل أن يتمكن الركاب من السيطرة عليه. والمعلوم أن عدد البلجيكيين المتواجدين في سوريا للقتال الى جانب الدولة الاسلامية، يشكل العدد الأكبر بين مشاركي الدولة الاسلامية في عملياتها الجهادية، والقادمين من الدول الأوروبية. ولا يضاهيها في ذلك، الا المجاهدين الفرنسيين المتواجدين في صفوف داعش ويبلغ عددهم الفي مقاتل.

وفي الوقت الذي يلاحظ فيه أن ايطاليا، أقل الدول تعرضا لهجمات كهذه حتى الآن، فان اسبانيا كادت تتعرض لحوادث كهذه، لكن يقظة رجال الأمن الاسباني قد حالت دون ذلك ( حتى الآن). ففي 19 كانون أول 2014، حاول رجل اقتحام مركز الحزب الحاكم بسيارة مفخخة، لكن رجال الأمن حالوا دون ذلك واعتقلوه. وقد جرى ذلك بعد اربعة ايام من قيام رجال الأمن الاسبان، بالقاء القبض على سبعة مشتبه بهم، متهمين بتجنيد النساء لارسالهم الى سوريا، اما للمشاركة بالقتال أي الجهاد، او بجهاد من نوع آخر اسمه جهاد النكاح.

وازاء هذه المعلومات التي ترجح أن الجمهورية الفرنسية، هي أكثر الدول تعرضا للهجمات، واكثرها حصدا لعدد الضحايا، يضطر المرء للتوقف عند ذلك متسائلا عن السبب الكامن وراءه . هل وراءه ضعف في أجهزة الأمن الفرنسية، أم هناك أسباب أخرى.

الأسباب المباشرة للوضع الفرنسي المتميزعن الدول الأوروبية الأخرى:

1) أحد أهم الأسباب المباشرة لهذا التميز، أن الدولة الاسلامية المعروفة ببطشها ووحشية نهجها، وجدت في فرنسا الأرض الأكثر خصوبة من غيرها، لتنفيذ حاجتها بالحاق الضرر بالدول الأخرى، تأكيدا لبقائها قوية صامدة، خصوصا في اللحظات التي تعاني فيها من خسائر بشرية في صفوف مقاتليها، وخسائر جغرافية باضطرارها للتخلي عن مساحات من الأراضي التي تسيطر عليها.

2) الحجم السكاني للجاليات من أصل عربي أو اسلامي المقيمة في فرنسا، هي أكبر من حجم اولئك المقيمين في الدول الأوروبية الأخرى. وشريحتهم الواسعة تلك، تمكن الدولة الاسلامية من تجنيد بعضهم للقتال في صفوفها، أو لتنفيذ عمليات في الداخل الفرنسي، سواء نتيجة تخطيط مسبق مع البعض منهم الذين انضموا اليها كأعضاء في التنظيم، أو أولئك الذين لم ينضموا، لكنهم تأثروا بدعوتها وآمنوا بتجهاتها، فنشطوا من تلقاء أنفسهم، لتنفيذ عمليات بتخطيطهم الخاص وتمويلهم الخاص، والمعروفون باسم الذئاب المنفردة.

3) السبب المباشر لتواجد شريحة أوسع من الرعايا العرب أو المسلمين في فرنسا، والذين حمل الكثيرون منهم الجنسية الفرنسية، كان مرده الاستعمار الفرنسي لعدة دول عربية واسلامية، وخصوصا دول شمال أفريقيا كتونس والجزائر والمغرب، والذي في ظله شجعت العديد من رعايا تلك الدول المستعمرة فرنسيا، على الانتقال للاقامة في فرنسا، بل ومنحت الكثيرين منهم الجنسية الفرنسية، وخصوصا اولئك القادمين من الجزائر التي اعتبرتها فرنسا أرضا فرنسية على مدى 130 عاما. وساعد على ذلك أيضا قرب اراضي الشمال الأفريقي من البر الفرنسي الذي ساعدهم على الانتقال بيسر وسهولة الى فرنسا. فالجمهورية الفرنسية لم تستعمر سوريا مثلا، لكنها انتدبت لادارتها على مدى ربع قرن من الزمان، (ومثلها لبنان)، ومع ذلك لم تقع هجرة سورية كبرى الى فرنسا، ربما لبعد المسافة، أو نتيجة سعة الشعور القومي لدى السوريين الأكثر قربا جغرافيا من الدول العربية الأخرى. ووقعت حركة انتقال من الجانب اللبناني الى فرنسا، ولكنها ظلت محدودة، وتكاد تكون محصورة بين مسيحيي لبنان الذي اعتبروا فرنسا أمهم الرؤوم وحامية المسيحيين في لبنان. وهؤلاء لم يكونوا بكل تأكيد مهيئين للانضواء أو التعاون مع الدولة اسلامية.

اذن أحد الأسباب االمباشرة لزخم النشاط الارهابي في فرنسا عنه في دول أوروبية أخرى، هو الاستعمار الفرنسي للدول العربية وخصوصا دول شمال افريقيا. ففرنسا تدفع الآن ثمن استعمارها لتلك الدول، والذي تميز بكونه استعمارا جشعا سعى لضم أراض ولاجتذاب أيد عاملة رخيصة، فشجع الانتقال اليها مع تسهيلات في الاقامة والحصول على الجنسية.

ولكن فرنسا لم تكن هي الدولة المستعمرة الوحيدة في القرن الماضي. فبلجيكا قد استعمرت الكونغو وربما دولا افريقية أخرى. الا أنها لم تشجع كثيرا انتقال سكان المستعمرات اليها. وان حصل بعض من ذلك، فرعايا الدول المستعمرة أي بلجيكيا، لم يكونوا من المنتمين الى الطائفة الاسلامية، ولذا لم يكن من الممكن تجنيد أيا منهم من قبل الدولة الاسلامية.

واسبانيا لم تستعمر دولا عربية، بل كانت الدولة العربية والاسلامية، هي التي فتحت اسبانيا والأندلس وهيمنت عليها لعدة قرون في عهدي الخلفاء الأمويين والعباسيين. وهناك بعض الرعايا العرب الذين ما زالوا يقيمون في اسبانيا، ولكن عددهم محدود، والكثيرون منهم ينتمون للطائفة المسيحية مما جعلهم ممتنعين عن التعاون مع الدولة الاسلامية.

والأمر ذاته ينطبق على المانيا التي استعمرت بعض الدول الدول الأفريقية، ولكن أيا منها لم يكن من الدول العربية أو الاسلامية. وان تواجد الآن بعض المسلمين المقيمين في المانيا، فأولئك قد انتقلوا اليها لأسباب خاصة، كلجوء بعض الايرانيين اليها هربا من نظام الحكم الديني الذي سيطر على ايران منذ عام 1979، وبعض الأفغان هربا من الحرب الدامية في افغانستان، دون نفي أن بعضهم قد انتقل أيضا طلبا للعمل. اذ يوجد في المانيا نسبة عالية من العمال الأتراك الذي انتقلوا اليها، لا نتيجة استعمار المانيا لبلادهم، بل نتيجة حاجتهم للعمل وحاجة المانيا دائما لمزيد من الأيدي العاملة وخصوصا الرخيصة منها. وربما انتقل البعض اليها، خلال مرحلة التحالف العسكري الألماني التركي في الحرب العالمية الأولى. الا أن الأتراك المقيمين في المانيا، والذين ينتسبونلولة علمانية، ظلوا ممتنعين عن تعاون بعضهم مع الدولة الاسلامية. أما المانيا، فلعل احد الأسباب الكامنة وراء العمليات الارهابية الأربعة الأخيرة والمفاجئة، مرده اللجوء الانساني الكبير من قبل السوريين الى ألمانيا، حيث أن منفذي اثنين من تلك العمليات، كانا من القادمين الى ألمانيا كلاجئين.

أما ايطاليا، فقد استعمرت كفرنسا دولا عدة في افريقيا ومنها اريتريا والصومال وليبيا. بل وسيطرت لفترة ما على أجزاء من اُثيوبيا. لكن الجيش الأثيوبي الامبراطوري كان قويا، فلم تفلح بالبقاء طويلا في الدولة الأثيوبية. وذهبت ايطاليا الى حد ارتكاب الخطأ الذي ارتكبته فرنسا بالنسبة للجزائر. اذ قامت بضم أريتريا والصومال اليها وحولت سكانها الى مواطنين ايطاليين. ومع ذلك لم يؤد ذلك كما يبدو، الى تواجد شريحة كبيرة من سكان الدولتين على أراضيها. ومع ذلك هناك تواجد واضح احيانا لليبيين في بعض المناطق الايطالية. الا أنه رغم هذا التواجد الليبي على أراضيها، والذي عززه ومكن من نجاحه، كون الشواطىء الليبية لا تبعد الا مائتي كيلومترعن الشواطىء الايطالية، مما سهل كثيرا الانتقال من ليبيا الى ايطاليا وخصوصا بعد اشتعال حالة اللجوءالأخير اليها. ولكنه نشاط (أي الليبي في ايطاليا) قد لا يظل ساكنا لفترة طويلة، نظرا لتعزيز تواجد الدولة الاسلامية في ليبيا والتي بات لها خلال العام الماضي قواعد في سرت ودرنه وأجزاء من بنغازي. فالأرجح أن يزداد لاحقا تأثير الدولة الاسلامية على المواطنين الليبيين المتواجدين على الأراضي الايطالية، فتلحق ايطاليا بفرنسا من حيث تزايد العمليات الارهابية على أراضيها والتي لم يسجل بعد الكثير منها حتى الآن.

الأسباب الأخرى للنشاط الارهابي في فرنسا

لكن الاستعمار الفرنسي لم يكن هو السبب الوحيد لما يحدث حاليا في فرنسا. فقد كان هناك استعمار ايطالي ولم يؤد الى النتائج ذاتها في ايطاليا كما سبق وذكرت. والأدهى من ذلك، كان هناك استعمار بريطاني لعشرات الدول ومنها بعض الدول الشرق اوسطية بل والاسلامية كباكستان مثلا التي جاء منها العديد للعمل في بريطانيا وما زالوا يعملون فيها الى الآن، دون أن يتوجهوا نحو الدولة الاسلامية وارهابها. بل كانت الشمس في مرحلة ما، لا تغيب عن الامبراطورية البريطانية. ومع ذلك لم تحص بريطانيا عددا مماثلا من الاعمال الارهابية على اراضيها رغم وقوع بعضها، لكن بعدد أقل وضحايا أقل أيضا. وهذا قد يفيد بوجود أسباب اخرى لما جرى ويجري في فرنسا منذ ثلاث سنوات غير مخلفات استعمارها لبعض الدول العربية والاسلامية.

ولعل أحد أهم تلك الأسباب، ضعف الأجهزة الأمنية في فرنسا. اذ بات من المعلوم أن محمد بو هلال، التونسي المولد، المقيم في فرنسا، منفذ عملية نيس، كان معروفا لأجهزة الأمن الفرنسية، ولكن ليس لأجهزة الاستخبارات الفرنسية التي لم تشركها الأجهزة الأمنية بالمعلومات المتوفرة لديها عنه نظرا لضعف التنسيق بين الجهازين. فالرجل كان قد أوقف أكثر من مرة لارتكابه جرائم عادية ومنها السرقة. بل وصدر حكم عليه بالسجن لستة أشهر مع وقف التنفيذ. ولم تعلم اجهزة المخابرات الفرنسية بهذا الأمر، مما سهل عليه تنفيذ عمليته، بل والدخول بشاحنته الى شارع مخصص للمشاة فقط، مما يدل على ضعف آخر في أجهزة الشرطة الفرنسية التي تراقب الحركة في الشوارع، ويفترض بها ان تحول دون دخول شاحنة كبرى الى شارع مخصص للمشاة فحسب.

ومثل ذلك ايضا قضية الكاهن المسن الذي ذبح في الكنيسة بسانت اتيان، من قبل عادل كرميش، وهو شاب فرضت عليه بعد محاولاته المتعددة للذهاب الى سوريا للانضمام الى داعش، المراقبة الدائمة وعدم السماح له بمغادرة المنزل الا لساعات قليلة في اليوم، يبقى خلالها أيضا تحت مراقبة الاجهزة الامنية في حركته الحرة تلك، نظرا لتواجد سوار أمني في يده يساعد أجهزة الامن على تتبع حركته حتى خلال خروجه للتجول في مرحلة الساعات القليلة المسموح له فيها بالتجول، لكن تحت رقابتهم ومتابعتهم. فالشاب قد استطاع رغم ذلك، التهرب من رقابتهم، ليذهب الى الكنيسة مع رفيق له، فيسيطر على رهائن ويذبح كاهنا مسنا امام أعين أولئك الرهائن المذعورين.

بل وكانت العملية الكبرى التي نفذت في بلجيكا في هذا العام، من نتاج الاهمال الأمني الفرنسي أيضا. اذ كان المغربي صلاح عبد السلام، يتنقل بحرية بين فرنسا وبلجيكا ذات الحدود المشتركة، فيخطط وينفذ العملية الثلاثية في باريس في 15 تشرين الثاني وأبرزها في مسرح بارتكلان، ومن ثم عملية التفجيرين في مطار بروكسل ومحطة القطار في الثاني والعشرين من آذار 2016، أي بعد قرابة أربعة شهور من التحقيقات غير المجدية. كل ذلك نتيجة تأخر اكتشاف رجال الأمن الفرنسيين لدوره في العملية الثلاثية الباريسية. فلو اكتشفت صلته بها بشكل مبكر، لتمت الحيلولة دون تنفيذ العمليات اللاحقة في بروكسل.

الأمن اذن في بريطانيا وكذلك في ايطاليا، يبدوان أكثر دقة ونجاعة. والواقع أن ايطاليا لم تشهد الا بضع عمليات تفجير صغيرة وقعت في عام 2014، كان أهمها تفجير وقع في 24 كانون ثاني في موقع قريب من الفاتيكان بينما كان الرئيس الفرنسي وقداسة البابا يلتقيان، سبقه تفجير آخر وقع أيضا في روما قرب السفارة الفرنسية في 12 كانون الثاني. ولم تعرف أهداف التفجيرين أو من يقف وراءهما. ووقع تفجيران آخران نفذا في العاشر من حزيران وآخر في الأول من تموز. وكلاهما كانا قرب مقرات للحزب الدمقراطي، مما يرجح كون النزاعات الحزبية وراءهما. ووقعت ثلاثة تفجيرات في شهر كانون أول أكبرها كان في الحادي والعشرين منه، وكانت جميعها في محطات للقطار، ونفذتها جميعها مجموعة تحتج على استخدام القطارات السريعة لمخاطرها على الحياة. ولم يجد المراقبون علاقة واضحة بين كل هذه التفجيرات في عام 2014 وبين الدولة الاسلامية.

أما في بريطانيا، فقد نفذت عدةعمليات ارهابية خلال عام ،2014 ولكن المنفذين كانوا من الثوار الايرلانديين المناهضين لاتفاق السلام المعقود بين بريطانيا وال (IRA)، ولم يكن لها علاقة بالدولة الاسلامية.

وفي نيسان 2013 اعتقل رجال الأمن البريطانيين، أحد عشر مسلما كانوا يعدون لتفجيرات انتحارية. وفي الشهر ذاته قام طالب من أوكرانيا، بطعن مسلم اسمه محمد سليم من سكان برمنجهام.. حتى الموت، معترفا بأنه يريد اشعال حرب عنصرية ضد المسلمين. وكان الطالب ينتمي لمجموعة يمينية متطرفة. وكان الطالب المذكور، باعداد أكثر من قنبلة خطط لتفجيرها قرب جوامع أثناء صلاة الجمعة. وفي 22 أيار 2013 قتل جندي بريطاني في مدينة وولويتش، ونفذ الهجوم أثنان من الاسلاميين المتشددين اللذين حكم عليهما لاحقا بالسجن المؤبد.

ولم تقع حوادث ارهابية خلال عام 2014. لكن في 12 شباط 2015 أحبط رجال الأمن البريطانيين بالتعاون مع ال FBI محاولة لتسميم العديد من مواطني ليفربول مستخدما مادة Ricin التي كان "محمد عمار علي" يحاول شراءها من الولايات المتحدة. فأحبطت ال أف بي آي محاولته بتزويده ببودرة بيضاء عادية. وقد وجدت في شقته عدة ارانب اعترف بأنه كان ينوي اجراء تجارب المادة السامة عليها قبل استخدامها في تسميم العديد من سكان المدينة.

وفي السابع من تموز 2015 حكم بالسجن على "محمد الرحمن وسناء احمد خان" لحيازتهما لعشرة كغم، من مادة نيترات اليوريا المتفجرة. وأسمى محمد الرحمن نفسه بالمتفجر الصامت.

وفي الخامس من كانون أول 2015 ، قام أحدهم مزودا بمدية بطعن ثلاثة مسافرين في أحد أنفاق المترو في شرق لندن. وقد كشفت الكاميرات الموجودة في محطة قطار الأنفاق، أن المهاجم كان يصرخ وهو يهاجم ضحاياه "هذا من أجل سوريا". وقد وقع الحادث اثر مشاركة سلاح الجو البريطاني بالاغارة على مواقع للدولة الاسلامية في سوريا.

ووقع آخر تلك الحوادث الارهابية في السادس عشر من حزيران 2016، أي قبل بضعة أسابيع، عندما قام أحدهم وهو "توماس مايير"، بقتل مواطن بريطاني في يوركشاير. وكان القاتل من المنتمين لجماعة تؤيد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. ووجدت في منزله أدلة عن قناعاته بالأفكار النازية، ولكن لم يكن له أي علاقة بالدولة الاسلامية. وهكذا نلاحظ أنه لم يتجاوز مجموع الضحايا في بريطانيا في تلك الهجمات، عدد اصابع اليد الواحدة (قتيلان وثلاثة جرحى)، مما يرجح القدرات الأمنية المتفوقة في بريطانيا، كما هي أيضا في ايطاليا وذلك رغم الاستعمار البريطاني للعديد من الدول، ورغم تواجد واقامة آلاف المسلمين وخصوصا الباكستانيين منهم على أراضيها.

وقد يدخل عنصر آخر كامن وراء أسباب ارتفاع عدد العمليات الارهابية وتزايد عدد الضحايا في فرنسا، وذلك بتشبث الجمهورية الفرنسية بتطبيق مبادىء حقوق الانسان والطروحات الدمقراطية أكثر من غيرها من الدول الأوروبية. ذلك أن مبادىء حقوق الانسان وما أفرزته من فكر دمقراطي، قد انطلق من فرنسا، من قلب الثورة الفرنسية الكبرى، مما يجعلها تتمسك حرفيا بمبادىء حقوق الانسان، الأمر الذي يفرض على الأجهزة الأمنية بعض التراخي وخصوصا في مرحلة التحقيق أو مراقبة المشتبه بهم. وهذا أمر يسجل لمصلحتها ولمثاليتها، رغم ما قادت اليه من أخطار وضحايا.

مسك الختام

اذن، الأسباب الكامنة وراء ذلك كله، يمكن ردها من ناحية الى بشاعة النهج المغولي للدولة الاسلامية المتشددة، ولتواجد عدد كبير من العرب والمنتمين للطائفة الاسلامية الذي تسبب الاستعمار الفرنسي بكثافة تواجدهم على أراضيها، مما شكل (مع تراخي الأجهزة الأمنية أو ضعفها)، أرضا خصبة استطاع النهج الداعشي المتشدد استثمارها لمصلحته.

لكن الرئيس اوباما الذي ولد من أب مسلم، لا يعترف بأن التشدد من بعض الاطراف (كالدولة الاسلامية والفكر الوهابي) هو السبب وراء ذلك. فالمشكلة في بعض النصوص في الديانة الاسلامية ذاتها، كما يقول الرئيس الأميركي في خطاب منسوب له في العاشر من شهر تموز 2016. فالرئيس الأميركي في خطابه، ينتقد العنف المستخدم في الشرق الأوسط قائلا بأنه حاول فصل ذلك عن جوهر الاسلام، "ولكن الحقيقة أن الاسلام ذاته هو المشكلة" على حد قول الرئيس الأميركي في الخطاب المنسوب اليه، والذي طالب فيه المسلمين باعادة النظر في نصوص دينهم، والاقدام على تحديث الاسلام ليتلاءم مع العصر الحديث، كما تفعل الكنيسة بتحديثها بعض المفاهيم الدينية المسيحية.

وقد تكون أمنيات الرئيس الأميركي مبكرة بعض الشيء. فالتراجع عن التشدد في تفسير بعض النصوص، قد لا يتم في وقت قريب، ومع بقائه يظل العنف قائما وممارسا بشكل واسع الى فترة مقبلة يتعذر تحديد مداها. ومع بقائه، يظل العنف والعمليات الارهابية ممارسين في العراق وسوريا ودول اوروبية أخرى وخصوصا في الجمهورية الفرنسية التي تدفع الآن ثمن استعمارها لدول عدة، وخصوصا دول شمال افريقيا. فاستعمارها ذاك، هو ما تسبب في تواجد شريحة واسعة من المنتمين للطائفة الاسلامية على أراضيها، والذين باتوا هدفا سهلا لشباك الدولة الاسلامية وغيرها من التنظيمات المتشددة التي تشعل النار في الشرق الأوسط، وفي مواقع أخرى من العالم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر