الراصد القديم

2016/08/31

نحو مشروع بديل يواجه «الشرق الأوسط الكبير»




محمد عبد الحكم دياب

ما جدوى الكتابة عن قضية لا تشد انتباه الأجيال الجديدة؟.. هكذا سئلت عما أسماه السائل كتابات المراهنين على ما وصفه تحقيق «حلم مستحيل»؛ يجمع شتات «عالم عربي» مبعثر، ومحطم.. وفاقد القدرة على التعاضد؛ ويعاني من الفتن والحروب والاقتتال الداخلي والحروب البينية!!. رويت للسائل حكاية عشتها من سنوات.. بطلها شيخ مجاهد من خيرة أبناء مصر والعرب؛ هو الزعيم الوطني الراحل فتحي رضوان.. وقد يكون اسما غير معروف في أوساط أجيال ما بعد سبعينات القرن الماضي.. هذا على الرغم من تاريخه الوطني العريض.. وكفاحه الطويل ضد القصر الملكي.. وتردده على سجون الاحتلال كثيرا.. ودفاعه كمحام عن القضايا الوطنية والإنسانية.. وكان رئيسا للحزب الوطني الجديد (وريث حزب مصطفى كامل ومحمد فريد)، وشغل منصب أول وزير ثقافة وإرشاد قومي (إعلام حاليا) في سنوات ثورة 1952 الأولى.

كنت أحد ثلاثة ذهبوا لزيارته في أيامه الأخيرة.. ووجدناه قعيدا على كرسي متحرك.. وخلفه السيدة الفاضلة كريمته.. واجلالا لقامته العالية وتقديرا لدوره التاريخي العظيم انحنيت على يده وقبلتها.. عرفانا بفضله وأثره على أجيال عدة منها جيلي؛ تعلمنا منه ومن جيل الرواد الجلد والتضحية وقول الحق في وجه أي سلطان جائر.. وعرفنا معنى الوطن وقيمة الحرص عليه وحماية أرضه والحفاظ على استقلاله؛ ترقرقت عينا الرجل العظيم بالدموع.. ونظر إلى كريمته قائلا: «ألم أقل لك ما في شيء يذهب هباء».

من يومها، ولأكثر من ربع قرن وهذه العبارة لا تبارح مخيلتي؛ كانت من قامة عركت الحياة وتصدت لعواصفها وأنوائها.. وكافحت مريرا ضد الإقطاع.. وقاومت الاحتلال.. وحاربت المشروع الاستيطاني الصهيوني في مهده.. وتطلعت إلى كتلة عربية قوية.. وسعت لتطبيق الاشتراكية من أجل المساواة والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية.. ودعت لنهضة تعليمية وعلمية وثقافية ودينية.. وإذا كانت تلك القامة السامقة قد قالتها «ما في شيء بضيع هباء».. فإن بذل أي جهد يتطلع لإبراز مواطن القوة في “القارة العربية” وحاجة أهلها إلى الاستقرار والبناء؛ كل هذا لن يذهب سدى ولو طال الزمن!

قلت للسائل لنتذكر سنوات حكم عائلة مبارك العجاف، وواقع ما كان قبل ثورة 2011 العظيمة؛ سنوات لم يطوها النسيان بعد؛ كان اليأس مخيما على البلاد، والقنوط يلف الناس.. وقد لا يصدق أحد إذا ما نقلت ما كنت أشعر به في شوارع مصر.. وكنت أحرص منذ تسعينات القرن الماضي على السير فيها وحدي؛ وكنت أشعر بالحسرة وأنا أرى أجسادا بلا روح، وشخوصا فقدت الإحساس بالحياة.. وكآبة صبغت كل شيء بلون التراب؛ وجوه ترابية.. وجدران ترابية.. وسماء مغبرة.. وكل شبر كساه التراب والغبار والعَفَرة، والوجوه علاها العبوس، وكنت أسأل ماذا جرى لذلك البلد الجميل، وما الذي أصاب أهله المحبون للحياة؟.. وأين الوجوه الباشة الضاحكة؟.. أين ذهب المرح؟.. لماذا ضاعت البهجة واختفت الابتسامة؟

كان حصادا مرا للظلم والقهر والفساد ومص الدماء، وتجفيف ينابيع التطور والتقدم، وتجريف العقول.. وسد أبواب الأمل وغلق نوافذ الرجاء؛ ومع انتشار اليأس راج الموات.. ولما انفجر «طوفان يناير» نبتت براعم الحياة من جديد.. وحتى وإن حاول البعض أن يقتلعها، فالمياه المتدفقة أقوى من قدرة هؤلاء على غلق المجرى ومنع الجريان؛ وهذا ما لا يستوعبه أباطرة «الدولة البوليسية»، التي تتغذى بالانتقام والتجويع والتعذيب، وعَمِي بصرها عن رؤية حجم التغيير النفسي الفردي والجماعي على كل المستويات، وإذا لم تتعلم فمصيرها لن يختلف عن مصير دولة عائلة مبارك؛ أسقطتها جرائم «الدولة البوليسية» في حق البلاد والعباد.. ومن «لم يتعظ من رأس الذئب الطائر» يستحق ما يقع له!!.

و»الدولة البوليسية» بطبيعتها غبية وضيقة الأفق وأنانية.. تفهم فقط في البطش والتزوير والتعذيب؛ وتملك الآن جيوشا جرارة من الأبواق والأجهزة الإعلامية والصحف؛ المتخصصة في التشويش والتزييف والتجهيل.. وهي تتعمد الغموض وفرض الحيرة على المواطن؛ فمرة تقول له أنه «فرعوني» وأخرى توحي له بأنه «قبطي».. وثالثة تغريه بـ»حكم الشبعانين»؛ نهج التزم به «الرئيس الموازي» السابق جمال مبارك.. الذي صور للناس أن «الشبعان» هو كل لص، ومرابي، وسمسار، ومرتش، وسارق للمؤسسات والشركات «المخصخصة» ومغتصب الأراضي العامة.. وأهَّل ذلك الشبع المزور هؤلاء للاستحواذ على المناصب العليا في أجهزة الحكم والدول ورئاسة المؤسسات الكبرى.

ونهج “الدولة البوليسية” العاجزة لا يختلف كثيرا عن نظرة الليبراليين الجدد، ونعود إلى «القدس العربي» بتاريخ 23/ 07/ 2011 وفيها أشرنا إلى تسللهم إلى مواقع الثورة.. ولعبهم على وتر «الفرعونية» وأصدارهم لـ»وثيقة موقعة من 27 منظمة مدنية وحقوقية وطائفية» تقترح مبادئ لصياغة دستور ما بعد الثورة؛ عُرفت هذه الوثيقة بـ»البردية» وهي تسمية لها دلالة، وتنسب لنبات «البَرْدي» الذي استخدمه المصريون القدماء في التسجيل والتدوين.. ووجهت الوثيقة سهامها صوب الشخصية المصرية والهوية العربية والقيم الروحية الراسخة. ووصفت مصر بأنها «أمة متعددة الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق والثقافات».. ولست وحدي الذي يعرف ارتباط «الليبراليين الجدد» بالدوائر الغربية والصهيونية.. ومازالوا مؤثرين في توجيه السياسات الرسمية.. حتى بدت أكثر قربا من «المشروع الصهيوني» والاندماج فيه!!..

وفي خط مواز تلاحق «الدولة البوليسية» الشباب وتؤلب الرأي العام ضده.. وتؤجج الفتن بين قوى الثورة.. وقد شغلتها الدعاية السوداء عن إنجاز مشروع إنتاجي واحد.. واستسهلت الاقتراض من المؤسسات الأمريكية (المصرف الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي) ومن المؤسسات المالية الأوربية وغير الأوروبية.. وتستعد للانتقال إلى «عاصمة جديدة»؛ أو «مستوطنة خاصة»؛ بعيدة عن زحام «القاهرة» وضوضائها.. وفي ذلك تبديد للموارد الشحيحة فضلا عن أنه تقليد للغزاة والأجانب وحرصهم على السكن في مستوطنات وحصون تحميهم من غضب الناس!!.

والانطباعة العامة عن «العاصمة الجديدة» وغيرها تشير إلى أنها «مشروعات شخصية» للمنتفعين؛ أشعلت الأسعار، وراكمت الديون، وتُمارس التجويع، وتفرض الجبايات والاتاوات والرسوم على الفقراء ومحدودي الدخل. وترفض تطبيق نظام الضرائب التصاعدية على أباطرة المال والسياسة.. وتمنحهم الطاقة والوقود بأسعار متدنية..

وهذا يحدث في بلد يمثل الكتلة الأضخم بشريا والجماعة الأكبر ثقافيا وعلميا في «القارة العربية».. وكان يتميز بقدرة فائقة على الانصهار والاندماج والتعايش بسهولة ويسر.. ولم يكن الوافد غريبا حتى سنوات قليلة مضت. والتزم «دستور موسى» ـ نسبة إلى عمرو موسى ـ المعمول به حاليا؛ بما جاء في «بردية الليبراليين الجدد».. فأخذ بـالمحاصصة؛ وقصرها في المرحلة الأولى على تمثيل النساء والشباب والمسيحيين على أمل اتساعها مستقبلا..

ومشروعات التقسيم المنتعشة بعد انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة، ومع إحكام قبضتها على العالم وتحكمها في مصيره.. هذه المشروعات تستهدف «القارة العربية» بشكل خاص.. وخرج مشروع «الشرق الأوسط الكبير» أو «الشرق الأوسط الجديد» الجديد إلى النور لينقل «القارة العربية» بكاملها إلى داخل حدود «الامبراطورية الصهيونية» المرتقبة، وبعد ما كان المشروع الصهيوني قاصرا على المنطقة «ما بين الفرات والنيل»؛ ها هو يتسع ويتمدد ليغطي كل المنطقة الواقعة بين «المحيط والخليج».. وحتى وقت قريب كان المشروع الصهيوني يخدم التوسع والغزو الغربي، أما الآن فإن التوسع والغزو الغربي بكامله في خدمة «الامبراطورية الصهيونية» الجديدة، وقد قطعت شوطا كبيرا في الارتباط بكثير من الحكام والمسؤولين وأباطرة السياسة والمال العرب.. وهذا خطر محدق يقتضي تأسيس حركة ثقافية أهلية تنشر الوعي بمخاطر ذلك التحول، وتدعو لمشروع بديل يُوقف الزحف الصهيوني القادم بسرعة البرق.. وهذا حديث آخر!!.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر