الراصد القديم

2016/10/01

مات جزَّار قانا ومؤسِّس الاستيطان... وأبو المشروع النووي


علي حيدر

إذا كان اسم أرييل شارون قد اقترن بمجازر صبرا وشاتيلا، وغيرها الكثير من مثيلاتها في فلسطين المحتلة، وحمل لقب «آخر ملوك إسرائيل»، فإن اسم شمعون بيريز اقترن بعدة ألقاب، منها «جزار قانا» و«الأخير من جيل المؤسسين».

أيضاً، رأى فيه زعماء «الاعتدال العربي» شريكاً أساسياً في عملية التسوية التي أنتجت اتفاقية «أوسلو»، وبذلك استحق بلا منازع لقب «مبيّض» صفحة إسرائيل السوداء. وفي سياق المهمة التي انتدب لها لترسيخ الاحتلال وشرعنته، حارب على الوعي وكيّ الوعي والاستيلاء عليه. وما لم ينجح العدو في انتزاعه عسكرياً، عمل بيريز على انتزاعه سياسياً، تحت مسمى «الشرق الأوسط الجديد».

على عكس الانطباع المهيمن، كان لبيريز دور تأسيسي في تعبيد الطريق لحركة «غوش ايمونيم» الدينية المتطرفة منتصف السبعينيات في إطلاق الموجات الاستيطانية في الضفة للمرة الأولى منذ احتلالها عام 1967، والتي تتواصل حتى الآن، وهو ما دفع «مجلس المستوطنات» في الضفة المحتلة إلى تأبينه، مذكّراً بالدور الذي لعبه في هذا المجال حينما كان وزيرا للأمن عام 1974.
ولفت بيان «مجلس المستوطنات» الذي نشره موقع إذاعة المستوطنين «عروتس شيفع/ القناة السابعة»، إلى أن بيريز تحدى حينذاك رئيس الحكومة إسحاق رابين، ومعظم الوزراء الذين أبدوا اعتراضهم على بناء المستوطنات في تلك المرحلة، وأصرّ على «إطلاق المشروع الاستيطاني في أرض إسرائيل».

مع ذلك، فقدت أنظمة «الاعتدال العربي» أهم شريك وحليف لها، فيما فقدت إسرائيل شخصية قيادية تختصر حياته السياسية تاريخها السياسي والعسكري والاستيطاني.

كان لبيريز موقعه ودوره في كل محطة ومنعطف تاريخي مرت به إسرائيل، بدءاً من الأيام الأولى للدولة، مروراً بالحروب العسكرية التي خاضتها، ومخطط التسوية الذي نجحت في تمرير مراحل مهمة منه. لذلك لا عجب في أن بيريز ختم حياته السياسية بمكافأة تولي منصب رئاسة الدولة، بعد سلسلة طويلة من الهزائم الانتخابية، إلى درجة عرف عنه أنه «المرشح الخاسر»، في الوقت الذي كان فيه استراتيجياً «بارزاً» ترك بصمات صاخبة في السياسة الخارجية والأمنية لإسرائيل.

وكان بيريز، المتوفى عن عمر 93 عاماً، قد بدأ حياته السياسية في وقت مبكر. وهو ولد في بولندا عام 1923، وقدم إلى فلسطين في 1934. منذ مرحلة الشباب، لفت انتباه قادة الحركة الصهيونية، وانضم إلى العمل مع مؤسسي الدولة وأول رؤساء حكوماتها، ديفيد بن غوريون.

في 1947، بدأ عمله مع بن غوريون وليفي اشكول، وكان ضمن قيادة «الهاغاناه» خلال حرب 1948 التي هجّر خلالها أغلبية الشعب الفلسطيني. وفي 1953، تولى منصب المدير العام لوزارة الأمن، فيما تولى موشيه ديان منصب رئاسة أركان الجيش. أيضاً، أدى بيريز دوراً مهماً في تعزيز العلاقات بين إسرائيل وفرنسا التي زودت الجيش الإسرائيلي، في ذلك الحين، بعشرات الدبابات والطائرات النفّاثة، ونُظم المدفعيّة والرادارات. وشغل هذا المنصب طوال سنوات الخمسينيات.

كذلك كان له دور أساسي في تأسيس المشروع النووي الإسرائيلي في ديمونا، وكان أحد المهندسين الأساسيين للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ومن دعاة تشكيل حكومة «التكتل الوطني» التي شنّت حرب 67. من ثمّ، واصل بيريز مساره السياسي التصاعدي، فقد تولى في 1974 منصب وزير الأمن في حكومة رابين الأولى التي أتت بعد استقالة غولدا مائير، في أعقاب تقرير «اغرانت» على خلفية حرب 1973.

خاض مواجهات قاسية مع خصمه السياسي اللدود إسحاق رابين، وتولى رئاسة حزب «العمل» بعد استقالة رابين في انتخابات 1977 التي فاز فيها، للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، معسكر اليمين وحزب «الليكود» برئاسة مناحيم بيغن. كانت هذه الهزيمة هي الأولى له في مسلسل الهزائم الانتخابية التي توالت منذ ذلك الحين، وتكررت تباعاً في انتخابات 1981 في مقابل بيغن أيضاً، ثم اضطراره إلى المشاركة في رئاسة حكومة «وحدة وطنية» مع رئيس «الليكود» إسحاق شامير، حيث تقاسم فيها الزعيمان رئاسة الحكومة مناصفة، لكل منهما سنتان.

بعد ذلك، عاد وخسر الانتخابات لرئاسة الحكومة عام 1988، وفي 1996 أيضاً في مقابل بنيامين نتنياهو. أيضاً، عاد وخسر المنافسة على رئاسة حزب «العمل» أمام إيهود باراك. وراهن طوال حياته السياسية على الخيار الأردني والتقاسم الوظيفي مع المملكة الهاشمية. وبعد خسارته المنافسة على قيادة حزب العمل لمصلحة عمير بيرتس عام 1995، انضم إلى حزب شارون «كديما»، وعيّن نائباً لرئيس الحكومة.

هكذا يظهر أن بيريز لم ينجح في أي من الانتخابات التي ترشّح فيها لرئاسة الحكومة، حتى استحق لقب «المرشح الخاسر»، إلى أن انتخب رئيساً للدولة بين عامي 2007 ــ 2014.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر