الراصد القديم

2016/10/01

معركة الموصل ومعركة حلب ونتائج غير مستحبة على المدنيين


ميشيل حنا الحاج

معركة تحرير الموصل قادمة لا محالة بعد أيام قليلة. ويردد ذلك حيدر العبادي رئيس وزراء العراق. وقبله، أكده آشتون كارتر، وزير الدفاع الأميركي، اثر انفضاض مؤتمر عقد قبل شهر تقريبا وضم ثلاثين من وزراء خارجية ودفاع دول التحالف الأميركي ضد الارهاب، اذ أعلن صراحة أن الاستعدادات لتحرير الموصل والرقة قد اكتملت الآن.

ومؤخرا بادر الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة أركان القوات ألأميركية المشتركة، لتأكيد اكتمال الاستعدادات لتحرير الموصل، قائلا بأن عملية التحرير ستبدأ في شهر تشرين أول (أوكتوبر) أي بعد أيام قليلة. وكشفت صحيفة نيويورك تايمز، كما قال أحد المحللين العراقين، عن وصول مزيد من الخبراء والمدربين الأميركيين، مما يعتقد معه أن عددهم قد بلغ الآن 7500 خبير ومدرب، كلهم جاءوا للمساعدة في عملية تحرير الموصل.

هذا التصميم الأميركي على الاسراع بعملية تحرير الموصل، مرده رغبة واضحة لدى الرئيس أوباما بتحريرها من يد داعش قبل رحيله عن سدة الرئاسة بعد ثلاثة شهور تقريبا. ولعل السبب الكامن وراء رغبته تلك، هو شعوره بالذنب وبالمسؤولية عن سقوط الموصل ومحافظتين أخريين في أيدي الدولة الاسلامية منذ حزيران 2014.

فرغم اعلانه الحرب رسميا على "الدولة الاسلامية" في خطاب له في الكلية العسكرية في نيويورك في 27 تموز 2014، ورغم ما ورده في الأيام التالية من تقارير الأقمار الصناعية وطائرات الأواكس ودرون، اضافة الى تقارير أجهزة الاستخبارات الأرضية، عن وجود تجمع غير مسبوق لرجال الدولة الاسلامية في محافظة الأنبار، وما تبعه من تقارير عن تحرك تلك القوات باتجاه الشمال … رغم ذلك كله، لم يفعل شيئا، كأن يأمر بقصف تلك القوات لايقاف تحركها نحو الشمال، رغم أن عمليات قصف كهذه، كانت ستتناسب وتتلاءم مع اعلانه الحرب على داعش قبل أيام قليلة فحسب.

وقد ذهب أبعد من ذلك، فلم ينذر حكومة المالكي مثلا بما يحدث على الأرض، لتتخذ بعض الاجراءات لافشال الهجوم الداعشي، أو على الأقل اذا تعذر عليها لسبب ما، مواجهة داعش مواجهة مباشرة، لتسحب قواتها وما معها من أسلحة ثقيلة قيمتها بمليارات الدولارات، من تلك المحافظة، تجنبا لسقوطها في يد "الدولة الاسلامية". وكان انسحاب كهذا على أرض الواقع، سيشكل انتصارا من نوع ما، على غرار الانتصار في معركة دنكرك البريطانية في الحرب العالمية الثانية، عندما حوصر عدد كبير من القوات البريطانية في “دنكرك”، ولم يبق أمامها مجال للانسحاب الا عن طريق البحر، فجندت عندئذ كل القوى البريطانية، بما فيها زوارق الصيد، لانقاذ الجيش البريطاني من الحصار، فااعتبرت دنكرك، رغم كونها قد تمثلت بعمليات انسحاب وليس مجابهة، نصرا هاما سجلته بريطانيا في تاريخها الحديث.

لكن ما حصل على أرض الواقع في الموصل، أن تلك القوات قد بقيت في مواقعها، ولم تكن مستعدة لمجابهة كهذه، فلم تبد مقاومة تذكر، بل استسلمت معظم الفرق العسكرية دون قتال، ووقع جنودها وعددهم بالآلاف أسرى لدى "الدولة الاسلامية"، فأعدمت من أعدمت منهم خصوصا من انتموا لطائفة الشيعة منهم، والتحق من بقي منهم بصفوف داعش حفاظا على حياتهم. ومعهم تسلمت داعش كامل الأسلحة من دبابات ومدرعات ومدافع وغيرها من أنواع الأسلحة التي توافرت لدى الجيش العراقي. وهكذا بات لدى داعش جيشا منظما يعمل تحت امرتها، مما شكل التطور الأهم في مسيرتها.

وعلى ضوء ذلك، بات من الطبيعي أن تسعى الادارة الأميركية لتحرير الموصل بالسرعة الممكنة، وأن تحدد الشهر القادم موعدا للشروع بعملية التحرير تلك، رغم كل الاحتمالات بتعرض المدنيين في المدينة لأضرار قد تكون بالغة، ولمعاناة قد تكون محزنة ومؤلمة…ربما في غاية الايلام. لكن معاناة المدنيين رغم ما تثيره من حزن في الصدور، وآلام في الضمائر الحية، لن يحول بين الولايات المتحدة من جهة، والحكومة العراقية من جهة أخرى، عن محاولة تحرير الموصل من سيطرة تنظيم ارهابي، عاث فسادا في العراق وفي سوريا وليبيا، بل وفي دول أوروبية أيضا.

ومع ذلك تطالب الآن دول كثيرة سوريا، بالتوقف فورا عن تنفيذ معركة مشابهة في مدينة حلب، تسعى لانقاذها من براثن تنظيم ارهابي آخر مشابه، هو تنظيم جبهة النصرة، المسماة الآن بجبهة فتح الشام لم للمشاعر الانسانية، آالمصنفة دوليا ومن مجلس الأمن، بكونها تنظيما ارهابيا. ويعلو الصراخ مطالبا سوريا بالتوقف فورا، انقاذا لأرواح المدنيين في المدينة، الذين عانوا من الحصار الطويل، والآن يعانون من دمار القذائف التي لا ترحم.

وبطبيعة الحال، فان معاناة المدنيين في ظرف كهذا، شيء يؤلم الصدور والضمائر ويدعو دائما للتعاطف معهم. كل ما في الأمر، أن الحرب والمعركة العسكرية، تبدو قاسية فعلا على ضوء معاناة أولئك الأبرياء. ولكنها معركة تسعى للحيلولة دون بقاء مجموعة ارهابية متحكمة بأرواخ العباد، وهي قادرة وفاعلة وملحقة الأذى بآخرين. فجبهة النصرة كتنظيم ارهابي، لا يقل ضررا عن تنظيم الدولة الاسلامية الذي تسعى الولايات المتحدة والعراق معا، للشروع بمقاتلته قريبا.

ويفترض بالرأي العام الدولي الذي يلوم ويدين سوريا بسبب هجومها العسكري الساعي لتحرير شرق حلب من سطوة جبهة النصرة، أن يلحظوا الوجه الآخر للعملة، وألا يكتفوا برؤية وجه واحد من وجهيها. ولعل الخطأ الكبير الذي ارتكبته سوريا، هو التعجيل بالشروع بالهجوم لتحرير شرق حلب، اذ كان عليها أن تنتظر قليلا لتبدأ الولايات المتحدة معها، بعملية تحرير الموصل، التي سيسقط فيها أيضا الكثير من الأبرياء مهما اتخذ الجانبان من اجراءات الوقاية لتخفيف ذلك. لكن سوريا وروسيا، رغبتا أيضا، تماما كالرئيس أوباما، في حسم الوضع قبل انتهاء ولاية أوباما وظهور رئيس جديد لا تعرف اتجهاته.

فمع تزامن المعركتين، وسقوط الضحايا من الأبرياء في هذه المدينة وفي تلك في آن واحد، لا يعود أمام العالم… أمام فرنسا التي تسعى للحصول على ادانة في مجلس الأمن…أو أمام جون كيري الولايات المتحدة بمشاركة العراق في عملية تحرير الموصل (القريبة جدا) الذي يهدد الآن بوقف التنسيق مع روسيا اذا لم توقف هجومها فورا على حلب…حججا يتذرعون بها، أو دموعا يذرفونها على المدنيين، رغم ما يثيره سقوط المدنيين من آلام في الصدور، لكن دون أن ننسى أيضا، أولئك المدنيين الذين يسقطون يوميا في اليمن نتيجة اغارات جوية لا مبرر لها. فالمدنيون لا يسقطون في حلب فحسب، أو سيسقطون في الموصل مستقبلا، بل يسقطون للأسف في مواقع عديدة من هذا العالم، دون أن يلقى بعضها، كما في حالة من يسقطون يوميا في اليمن، ادانة شديدة واتهاما بارتكاب جرائم حرب.

فهل كان “كيري” سيوقف هجومه على الموصل، ويترك "الدولة الاسلامية" في أمان، حفاظا على أرواح المدنيين الذين لا يرغب في سقوطهم ضحايا، رغم أنه لا أحد يرغب في رؤية ضحايا من المدنيين تسقط سواء في الموصل أو في حلب، أو في أي مكان آخر كاليمن مثلا. وكانت طريق الخروج الآمن للمدنيين في حلب، قد تركت مفتوحة على مدى سبعة أيام من الهدنة…هدنة عيد الأضحى المبارك ، كما تركت فرصة لمقاتلي المعارضة غير المصنفين بالارهابيين، للابتعاد عن مواقع جبهة النصرة المصنفة بالارهابية، لكن أولئك لم يبتعدوا عنها. وقد خرج بعض المدنيين فعلا طلبا للنجاة، لكن للأسف لم يخرج الجميع طلبا للسلامة والأمان، وقيل عندئذ بأن قناصة جبهة النصرة، كانوا يطلقون النار بغية قتل من يحاول الخروج، فيحرمهم من دروع بشرية وفيرة تؤمن لهم بعض الحماية المرغوب فيها.

فمن هو المسؤول الحقيقي اذن عن معاناة ومقتل المدنيين، أو اصابة البعض من المعارضين غير المصنفين بالارهابيين… سواء في حلب، أو في الموصل … باعتبار ما سيكون؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر