الراصد القديم

2016/11/01

السنيورة للحريري: الابتعاد المستحيل

 
علي رباح
 
منذ إطلاق الرئيس سعد الحريري مبادرته الرئاسية، وترشيحه النائب ميشال عون للرئاسة، تشخص الأنظار باتجاه الرئيس فؤاد السنيورة، لاستشراف حجم معارضته ترشيح عون، لما لها من انعاكاسات على الساحة السنية عموماً والمستقبلية خصوصاً، وحتى على مستوى السياسة الداخلية.

مقرّبون من السنيورة يقولون إن "دولته" يتعامل مع المرحلة بهدوء وحذر شديدين. يُبقي السجالات مع المُتحمّسين لإيصال عون إلى بعبدا "بين 4 حيطان" حيث يرفع الصوت عالياً ويحذّر من "انتحار تيار المستقبل"، لكنه يتحاشى أن تخرج تلك السجالات إلى الخارج. فهو، وفق المقرّبين، يعترض على عون، لكنه في السياسة العامة لا يخرج من تحت عباءة "ابن الشهيد رفيق الحريري".

مخاوف السنيورة كثيرة. فهو يسأل عن حقيقة الموقف السعودي من مبادرة الحريري، وإن كانت هذه الخطوة مُنسّقة مع السعودية، أم أنها جاءت لاحراج حزب الله؟ لكن عادة ما تكون إجابة الحريري بأن "المملكة لا تمانع وصول عون إلى بعبدا". مبعث مخاوف السنيورة، وفق المصادر، تكمن في عدم ارتياحه لبعض "ناصحي" زعيم بيت الوسط، الذين أوقعوا الحريري باشكالات سياسية مع السعودية كان بغنى عنها، وأوقعوه باشكالات مع الشارع السني أدّت إلى تراجع رصيد المستقبل فاستفادت قناة NBN مثلاً من هذا الواقع وكرّسته في تقريرها التلفزيوني الشهير حول رأي ابناء طريق الجديدة بترشيح الحريري لعون.

يتخوف السنيورة أيضاً، وفق المصادر نفسها، من أن يؤدي ما يُحكى عن شراكة واتفاقات بين الحريري وعون، إلى تدهور العلاقات بين بيت الوسط وعين التينة. ويأتي في هذا السياق تساؤل اعضاء معترضين في كتلة المستقبل عن علاقة الحريري بالرئيس نبيه بري. الاجابة أن بري "زعلان" حالياً، لكنه لا بد أن يعود إلى التواصل حين ينطلق قطار تأليف الحكومة، إذا ما سارت الأمور كما خطط لها. فالرئيس بري، برأي أوساط بيت الوسط، لا يعيش خارج السلطة، وتلويحه بالانخراط في صفوف المعارضة، ليس إلا  تصعيداً لتحسين شروط التفاوض حول السلطة والمواقع والملف النفطي انطلاقاً من المثل القائل: "خلي العسل بجرارو تتغلى اسعارو". لكن لأوساط السنيورة رأياً آخر. فبرأيها زعل بري قد يكلف الحكومة المقبلة اثماناً باهظة، لقدرة الأول على "الحرتقة" وإقلاق خصومه عبر تحريك الشارع والنقابات التي تعتبره مرجعيتها السياسية ساعة يشاء.

يجزم مقربون من السنيورة أن اعتراضه على ترشيح عون لا يصل إلى حدود الخروج من تحت مظلة الحريري أو العمل على تشكيل جبهة مناوئة لتوجهاته. وهذا ما أكده السنيورة بنفسه أمام المجلس النيابي عندما قال إنه لا يقود جبهة ضد عون، ومن بيت الوسط حين اعتبر أن عدم تصويته لعون لا يعني ترك الحريري وتيار المستقبل. ويستدل على هذا الموقف، وفق مطلعين، عدم قيام السنيورة بأي خطوة تحريضية لدى النواب. أما اصراره على عدم التصويت لعون، فهو نابع من ماضي العلاقة المتوترة مع الجنرال وصهره ووصولها إلى حد التشهير به في كتاب "الابراء المستحيل". وهذا ما يتفهمه الحريري.

على صعيد نواب كتلة المستقبل المعترضين على التصويت لعون، يمكن الحديث، وفق مصادر "الجناح المعترض"، عن تقلص واضح شهدته الساعات القليلة الماضية في الحركة الاعتراضية. وتفيد المصادر نفسها أن معظم اعضاء الكتلة، بمن فيهم بعض الذين جاهروا باعتراضهم، عدلوا رأيهم واتخذوا قراراً بعدم ترك الحريري وحيداً في الاستحقاق الرئاسي.

التغيير في وقائع الميدان المستقبلي يمكن قراءته على مستويين: المستوى السياسي المحلي والمستوى الإقليمي. إقليمياً، نفت مصادر مستقبلية أن تكون السعودية قد وافقت على وصول عون إلى بعبدا، أو بعثت برسالة خطية إلى الحريري تعرب فيها عن قبولها بعون، كما تردد. لكنها في الوقت نفسه، "لم تمانع" حراك الحريري ولم تعط أي انطباع قاطع برفضها عون. وبرأي المصادر، فإن المعطيات هذه وما قد يستنتج منها من "ليونة سعودية"، اعادت لدى كثيرين حساباتهم لجهة عدم وجود رسالة سعودية واضحة بعدم التصويت لعون، وبالتالي عدم وجود ظهر إقليمي للحركة الاعتراضية داخل الكتلة. أما على مستوى السياسة المحلية، فترى مصادر مستقبلية كانت في صف المعترضين على التصويت لعون، أنه "من الاجحاف أن يظهر الرئيس الحريري بمظهر غير القادر على ضبط ايقاع تكتله النيابي، كما أن معارضته حالياً تعني إضعاف موقفه على أبواب العهد الجديد وأمام الكتل النيابية الاخرى، وبالتالي إضعافه كرئيس مكلف تشكيل أولى حكومات العهد الجديد.

تقلصت الحالة الاعتراضية داخل التيار الأزرق، والمعترضون على التصويت لعون لا يتجاوزون اليوم عدد أصابع اليد الواحدة. لكن اعتراضهم يبقى محصوراً في الملف الرئاسي، دون الخروج من عباءة الحريري. والجميع في كتلة المستقبل، وعلى رأسهم السنيورة، انتقل من السجال حول ترشيح عون إلى ترقب مرحلة ما بعد وصوله إلى قصر بعبدا. فالحريري الذي اجتمع أخيراً بأعضاء تكتله النيابي كل على حدة، أكد للجميع، وفق مصادر الكتلة، حصوله على ضمانات من عون بتسهيل تأليف أولى حكومات العهد. لكن الشكوك داخل التيار الأزرق تتزايد حول هذه الضمانات، خصوصاً بعد الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله السيد نصرالله، والذي اوحى فيه بأن الأمور قد لا تكون سهلة. ووفق المصادر، فأعضاء الكتلة سيقفون إلى جانب الحريري ليدخل العهد قوياً، إلا أن العبرة تبقى في ضمانات عون ومدى قدرته على الوقوف بوجه حزب الله في ما لو حاول الأخير عرقلة التأليف لاستنزاف الحريري وصولاً إلى الانتخابات النيابية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر