الراصد القديم

2016/12/01

من الموصل إلى حلب.. تجديد مشروع التقسيم


 محمد السعيد إدريس

تفتح معركة تحرير مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى العراقية من الاحتلال الداعشي الأبواب على مصراعيها للبحث ليس فقط في مستقبل الموصل بعد تحريرها في ظل التعقيد الشديد الذي أحاط بترتيبات معركة التحرير والأطراف التي ستشارك فيها بل أيضاً للبحث في مستقبل العراق ومعها أيضاً مستقبل سوريا بسبب التداخل الشديد بين ما يحدث من صراع في العراق وامتداداته القوية في سوريا، وبالذات مسألتان أساسيتان؛ أولاهما، فرص خروج تنظيم «داعش» الإرهابي من عاصمته في الموصل إلى سوريا وبالتحديد إلى مدينة الرقة أهم مراكزه في الشمال السوري، حيث توجد معلومات تؤكد أن أعداداً كبيرة من ميليشيات «داعش» هربت بمعداتها إلى الداخل السوري تحت أعين الأمريكيين، وهذا بدوره يفرض سؤالاً مهماً حول ما يخطط له الأمريكيون بالنسبة للصراع في سوريا، وهذا يأخذنا إلى المسألة الثانية وتتعلق بمآلات الأزمة الخاصة بمدينة حلب السورية ذات الأهمية القصوى.

تفجرت معركة تحرير الموصل وسط صخب وضجيج كشف مدى عمق الصراع المحتدم بين أطراف عديدة داخلية وأخرى إقليمية تركية وإيرانية بالأساس، صراع له علاقة مباشرة بخرائط النفوذ وخرائط المصالح التي ستفرض نفسها بعد انتهاء معركة تحرير الموصل التي بدأت فجر الاثنين (2016/10/17) والتي قد تمتد لأسابيع وربما أكثر. لم تبرز ضمن تلك الصراعات شبهة صراع دولي في العراق الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الدولية صاحبة النفوذ والتأثير الأوحد في العراق. هي التي هندست خرائطه السياسية وقواعد حكمه بعد غزوها له واحتلاله عام 2003، ولم تخرج منه إلا بعد ترتيب كل الأوضاع التي تبقيها وحدها متفردة تحكم عن طريق من اختارتهم حكاماً للعراق وفق معادلة أمريكية بحتة قائمة على المحاصصة السياسية التي قسمت العراق فعلياً إلى شيعة لهم الغلبة والسيطرة وأكراد شركاء أقوياء بحكم ما استطاعوا فرضه من حكم شبه مستقل لأنفسهم في كردستان العراق بدعم أمريكي- بريطاني منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وسُنة ضعفاء تقرر إخضاعهم لتحالف شيعي كردي ترعاه أمريكا فعلياً وتديره إيران الشريك للأمريكيين من الباطن في حكم العراق في ظل غياب عربي كامل.

العنوان الذي حرص الأتراك على إبرازه مبرراً لإصرارهم على المشاركة في حرب تحرير الموصل هو الحيلولة دون وقوع «حرب طائفية» إذا ما شاركت ميليشيات الحشد الشعبي «الشيعية» الموالية لإيران في هذه الحرب، والدفاع عن السُنة على نحو ما أكد الرئيس التركي حرصه على «عدم السماح بأي سيادة طائفية على الموصل» وقوله إن «الموصل لأهل الموصل، وتلعفر “مدينة عراقية قرب الموصل يقطنها التركمان العراقيون” لأهل تلعفر، ولا يحق لأحد أن يأتي ويدخل هذه المناطق»، ومؤكداً أنه «يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السُنة العرب ومن السُنة التركمان ومن السُنة الأكراد، ويجب ألا يدخل الحشد الشعبي للموصل». وأمام الإصرار العراقي على رفض المشاركة التركية اضطر أردوغان أن يكشف عن نواياه الحقيقية أو بعضها، فأبرز ورقة «الحق التاريخي»، وتجديد الحديث عن تمسكه بوثيقة ما يسمى «الميثاق الوطني» التي ترسم حدود تركيا وتضم ولاية الموصل ضمن الأراضي التركية والتي تشمل مدينة الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، إضافة إلى الشمال السوري.

اللافت هنا أن الإدارة الأمريكية التي دعمت الموقف العراقي الرافض لأي مشاركة تركية في معركة تحرير الموصل عادت وبشخص وزير الدفاع الأمريكي نفسه آشتون كارتر وعقب النجاحات الملموسة التي حققتها القوات المشاركة في تحرير الموصل ليجدد دعوة العراق للقبول بمشاركة تركية في هذه المعركة. وساطة آشتون كارتر رفضها حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية، لكن المهم هو لماذا غيرت الإدارة الأمريكية من موقفها الداعم لموقف الحكومة العراقية، هل هو خوف من غلبة قد يحققها «الحشد الشعبي» (الشيعي) المشارك في معركة تحرير الموصل باعتبار أن ذلك سيكون رصيد نفوذ لإيران، أم أن الأمر له علاقة بالأزمة السورية وترتيبات النفوذ التركي في سوريا، بحيث يسمح لتركيا بنفوذ في العراق يوازن النفوذ الإيراني في سوريا.

مقولة «الأرض لمن يحررها» التي سبق أن وردت على لسان قادة البيشمركة الكردية في العراق بإصرارهم أيضاً على أن يكونوا طرفاً فاعلاً في معركة تحرير الموصل يبدو أنها هي التي ستحكم مواقف كل الأطراف: إيران عبر كل من «الحشد الشعبي» والحكومة العراقية، والولايات المتحدة عبر التحالف الدولي، والأكراد عبر البيشمركة، وتركيا، جزئياً عبر ما أخذ يُعرف ﺑ«قوات حرس نينوى» ويقودها أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وهي القوات التي كان يطلق عليها «الحشد الوطني» أو «الحشد السُني» لتمييزها عن «الحشد الشعبي» الشيعي الموالي لإيران.

ليس في مقدور أحد أن يتوقع المآل النهائي لمعركة تحرير الموصل، وبالذات إجابة السؤال الذي طرحه مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق عندما زار بغداد قبل أسابيع من إطلاق معركة تحرير الموصل وهو: كيف ستدار المدينة بعد تحريرها. برزاني اقترح على حيدر العبادي مشروعاً يقضي بتقسيم محافظة نينوى إلى ثلاث محافظات جديدة، وإجراء استفتاء يقرر فيه سكان هذه المحافظات الانضمام إلى إقليم كردستان أم لا. هناك مقترح آخر تدعمه تركيا لتقسيم محافظة نينوى إلى ثماني محافظات من بينها «سهل نينوى» الذي كان نواب أمريكيون قد تقدموا بمشروع لتحويله إلى محافظة تحت عنوان «حماية الأقليات» هذا المشروع كان بمنزلة ضوء أخضر أمريكي لبعث المؤتمر الآشوري العام والحركة الديمقراطية الآشورية، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري والمطالبة بمنح المسيحيين حكماً ذاتياً في منطقة سهل نينوى. ضوء أخضر أمريكي لإطلاق مشروع التقسيم في العراق، إذا حدث سيكون حتماً عنواناً لمشروع مماثل في سوريا، أحد أهم مؤشراته، السماح بهروب «داعش» من الموصل إلى «الرقة» في سوريا، لفرض معادلة توازن قوى جديدة تتوازي مع الجهود الأمريكية الأوروبية لمنع نظام الأسد مدعوماً من روسيا وإيران من الفوز في معركة تحرير حلب التي تتحصن فيها جبهة النصرة التي بدأت تستقطب معظم الفصائل الجهادية هي وجبهة أحرار الشام، الأمر الذي من شأنه أن يفرض واقعاً عسكرياً جديداً يمكن أن يؤسس لمشروع سياسي جديد لحل الأزمة السورية عنوانه «التقسيم هو الحل».

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر