الراصد القديم

2017/01/02

الفلافل والشاورمة وخارطة الهولوكوست القادمة


عمر ظاهر

بعضهم قد يرى فكرة حصول هولوكوست بحق المسلمين في الغرب، خاصة أوروبا الغربية، ضربا من ضروب التشاؤم، وبعضهم يعرفون أنها قادمة لا محال، وأن وخارطتها قد رسمت وهي بانتظار إشارة التنفيذ، وبعضهم ينذر، ويحذّر، ويذكّر عسى أن تنفع الذكرى الناس. ونحن نكتب هذه السطور نسأل الله تعالى أن يكون ما ذهبنا إليه مجرد تعبير عن خوف كامن فينا من جراء ما مررنا بها من مصائب العنف التي تجعلنا نشم رائحة العاصفة المقبلة وهي تولد في رحم الرياح الهادئة، وأن يصح فينا القول المأثور “من لدغته الحيّة يصير يخاف من الحبل”.

أوروبا الغربية، مقصد من تظلمهم أوطانهم، ففيها الديمقراطية، وفيها الحرية، وفيها حكم القانون، وفيها أقصى حد من الالتزام بحقوق الإنسان. وكذلك كانت مقصد من لم توفر لهم بلدانهم فرص العيش الكريم. هنا كانت ذات يوم ثقافة تبهرنا، وحياة يسيل لرؤيتها لعاب الناس في آسيا وأفريقيا، بل وفي شرق أوروبا نفسها. هنا كانت للإنسان قيمة عليا. هنا كان الأمان، وكانت الطمأنينة. هنا كانت جنة على الأرض، فيها الجمال، وما تشتهي الأنفس، وفيها الحور العين.

ربما لم يكن معظم الذين فتحت أمامهم أبواب هذه الجنة، قبل ما يزيد عن الأربعين سنة، يعرفون أن تلك الجنة كانت قبل وصولهم بجيل واحد قطعة من جحيم يماثل ذاك الذي يخشون دخوله في الحياة الأخرى. لم يكونوا يعرفون أن الوجوه المستبشرة التي يرونها تخبئ وراء ابتسامتها حزنا عميقا على خمسين مليون إنسان قضوا بأبشع طريقة يمكن للخيال أن يصل إليها. وأن المدن الجميلة، والنظيفة، والمسالمة ،والآمنة والتي تبهر اليوم أبصارهم بأضوائها، وألوانها، كانت بالأمس مسرحا لفنون من القتل، منها حرقهم في أفران الغاز.

كان الناس، وما يزالون، شديدي الإيمان بالديمقراطية، ولم يكونوا يعرفون أن من كان قد أطلق ذلك الجحيم في أوروبا كان حزبا وصل إلى سدة الحكم عن طريق الديمقراطية، الحزب النازي في ألمانيا. وقليلون كانوا يعرفون أن أرض أوروبا عرفت من الحروب على مدى التاريخ أكثر مما عرفته أية أرض أخرى، فمنها حرب المئة عام، وحرب الثلاثمئة عام، والحرب العالمية الأولى، والثانية، على سبيل المثال لا الحصر، وأن ما استخدم في تلك الحروب من أسلحة القتل البشعة لم يستخدم مثلها في حروب المناطق الأخرى، اللهم إلا إذا استثنينا السلاح الأمريكي، الألماني الأصل، الذي استخدم في هيروشيما وناكازاكي.

وقليلون يعرفون أن هناك قاعدة ذهبية في مثل هذه الأماكن التي تبتلى بالحروب المتواصلة، وهي أن الحروب الكبرى فيها تصل إلى نهايتها نتيجة تعب المتقاتلين، وأن السلام الذي يعقبها هو فترة استراحة قبل استئناف الحرب.
إن عقد الآمال على الديمقراطية ورسوخ تقاليدها، وقوة مؤسساتها أمر يصح في زمن السلم، أما في وقت الأزمات والحروب فإن المغفلين وحدهم سيشعرون بالأمان في حماية الديمقراطية. الاعتماد على الديمقراطية أصلا خطأ جسيم حتى لو كنتَ ديمقراطيا، فكيف إذا كان من ينتظر حماية الديمقراطية، وهو عدو لها؟

إن الديمقراطية حالة سياسية واجتماعية يتفق الناس عليها طالما كانوا يستطيعون الاتفاق، فهي تعبير عن إرادة الناس، وإرادة الناس يمكن أن تتغير، فتتغير الأحوال. وفي الحقيقة فإن كثيرا من ملامح تلك الديمقراطية التي كانت تدخل الدفء في القلوب الخائفة من الاستبداد حتى قبل ثلاثين سنة اختفت اليوم، حتى قبل وقوع أزمات على نطاق كبير، وحل محلها ما يترتب على قوانين مكافحة الإرهاب.

ونحن الذين وصلنا إلى الدنمارك، مثلا، أسأنا وما نزال نسيء فهم التسامح الكبير الذي يبديه هذا المجتمع إزاء تخطينا حدود الضيافة، بل وحدود المواطنة. إن بعض الدنماركيين ينفرون منا علانية، ويعبرون عن رفضهم لنا جميعا، لكن أكثرهم صامتون وكأنهم غير معنيين بما يقوله بعض سياسييهم عنا بأننا غزاة نريد أسلمة بلدهم. ونحن تربينا على تفسير الصمت على أنه من الرضى! وهو مظهر خادع.

نحن نعيش اليوم بين ظهراني شعب يحترم القانون، ويهتم كل مواطن فيه بحياته الخاصة، وباقتصاده، وكأن البلد نفسه لا يعنيه. هنا تبكي المرأة على قطتها إذا ضاعت لأنها قد تبقى جائعة حتى تجدها. وهنا يأخذ المرء كلبه إلى الطبيب إذا توعك مع أن ذلك يكلفه، فمراجة طبيب الإنسان مجاني للجميع، بينما مراجعة الطبيب البيطري تتطلب الدفع. بل، وقد ترى الكلب محاطا بعناية نفسانية لأنه مكتئب! إنه شعب مسالم إلى أقصى الدرجات. لكن نحن مغفلون، بلا شك! إننا لا نعرف التاريخ، ولذلك نسيء الفهم، فهكذا كان الشعب الدنماركي أيضا في ظل الاحتلال الألماني لبلده في الحرب العالمية الثانية.

في فترة الاحتلال الألماني كان الدنماركيون صامتين، كما هم الآن. خرج من بينهم فقط بضعة آلاف ممن تطوعوا في الغستابو الألمانية، وكانوا من أبشع الجلادين في السجون الألمانية. على أن عددا من الدنماركيين عملوا في السر على مساعدة اليهود في الهرب إلى السويد والنروج حيث كانوا ليعيشوا في أمان أكبر. الدولة التي ظلت قائمة بكل مؤسساتها في ظل الاحتلال الألماني تعاونت مع المحتل، وكثير من الدنماركيين اليوم يشعرون بالخجل لأن حكومتهم وقتها لم توفر أية حماية لليهود، بل بالعكس.

في ظل الغزو الألماني لم تسقط طابوقة واحدة مما كان الدنماركيون قد بنوه من قبل – على عكس ستالين غراد، وغيرها. ثم جاء التحرير من الاحتلال في مايس 1945، وقيل يومها أنه كانت هناك في ظل الغزو مقاومة شعبية عنيفة للغزاة، وتبين من ادعاءات الناس أن أكثر من تسعين بالمئة من الدنماركيين كانوا يعملون في فرق المقاومة الشعبية للغزاة!! (وبالمناسبة فإن دراسة من جامعة جنوب الدنمارك بينت مؤخرا أن تلك المقاومة العنيفة كانت قد ألحقت بالغزاة الألمان خسائر فادحة تجسدت في تعطيل حركة القطارات العسكرية الألمانية مدة ثلاث وعشرين دقيقة في فترة الاحتلال كلها!)

على أية حال، فردة الفعل على الاحتلال جاءت يوم انتهائه في التاسع من مايس 1945، إذ أخرج مناضلو المقاومة الشعبية السرية نضالهم إلى العلن، وراحوا ينتقمون للوطن شر انتقام، فالنساء اللواتي كن قد عاشرن جنودا ألمان أثناء الاحتلال اعتقلن، وحلقت شعورهن، ووضعن عاريات في شاحنات سارت بهن في استعراض مهين في المدن الدنماركية. والأكثر بشاعة من هذا أن الأطباء الدنماركيين، وفي سلوك صادم يتناقض مع المهنية وأخلاقية الأطباء وقسَمهم، رفضوا معالجة عشرات الآلاف من الألمان المدنيين الذين لجؤوا إلى الصليب الأحمر في المدن الحدودية الدنماركية هربا من قصف الحلفاء، خاصة القصف الأمريكي. كم كان ذلك الصمت في ظل الاحتلال خادعا!

السياسي الدنماركي اليميني بيرتل هاردر، الذي تقلد عدة وزارات، عبّر ذات مرة عن حقيقة أن الناس يسيئون فهم الدنماركيين، فقال إن الشعب الدنماركي ليس شعبا مسالما في حقيقته، بل فيه ميل شديد إلى العنف. ونحن نقول إنه ربما لا يكون مسالما، وقد يطلق أي شيء شرارة العنف الموروث فيه من زمن الفايكنغ، لكنه شعب يلتزم بالقانون إلى أبعد حد. وهو شعب يتميز بروح قومية شوفينية متطرفة، ففي نظره يتميز كل شيء دنماركي عن غيره بأنه أفضل. والحق في هذا معه، فنحن أيضا نؤمن أن ما هو دنماركي من بضاعة، وصناعة، ونظام، يتميز بجودة حقيقية قل ما ينافسها.

إننا نتباهى بأننا أدخلنا الفلافل والشاورمة إلى قائمة المأكولات في البلد، بل وإلى قواميس لغته – أو يطمئننا بعضهم إلى أننا نساهم بهما في العولمة ، لكننا نعرف تماما أن أسخف طبق دنماركي معد من لحم الخنزير والبطاطا الدنماركية يبقى عند الدنماركي أشهى من كل أطباقنا، بما في ذلك البرياني، والسبزي، والبردة بلاو، والتاشينة. وفي ذلك عبرة لذوي الألباب. الشريعة التي يحلم بعضهم في إدخالها إلى هذا البلد ليس لها بحال من الأحوال مكانة أفضل من تلك التي للفلافل والشاورمة. دستوره هو الكتاب المقدس لهذا الشعب.
أما الميل إلى العنف، فهل كان أحد قبل ست سنوات يتخيل أن الشعب السوري، مثلا، الذي كان على مدى عقود من الزمن يؤوي اللاجئين من عشرات البلدان، ويوفر لهم الأمن والأمان، كان ينطوي على هذا الكم المخيف من العنف والهمجية بين أبنائه، أحدهم ضد الآخر؟

إن ما يقلقنا هو أن يكون الشعب الدنماركي يتعامل معنا اليوم مثلما تعامل مع الألمان، وهو يتلقى يوميا جرعات قوية من أحاديث السياسيين عنا بأننا غزاة محتلون، الأمر الذي لا يفوّت بعض المسلمين أية فرصة لتأكيده، وإقناع المواطن العادي بأنه صحيح. كم ينفع صراخ بعضنا بأننا لسنا غزاة، بل أناس هربنا من ظلم بني جلدتنا، وسنبقى نشعر بالامتنان للشعب الذي آوانا ومنحنا فرصة لبناء حياة آمنة؟

هذا مجرد مثال قريب من تجربتنا اليومية، وهي تجربة يعيشها الناس في كل بلدان أوروبا الغربية، بلا شك. إنها ظاهرة عامة، وهناك على الأقل خمسة عوامل تجعل من احتمال تعرض المسلمين في غرب أوروبا إلى نكبة تاريخية كبيرا إلى حد مخيف.

(العامل الأول) هناك في الأجواء رائحة حرب واسعة، ومدمرة، يسمونها الحرب العالمية الثالثة، وقد وصل الحديث عنها صراحة حد أن أكبر صحيفة دنماركية – والصحف الدنماركية تتميز بحذر شديد من نشر الادعاءات، نشرت مؤخرا موضوعا عددت فيه عشرين مؤشرا على أننا نقترب من الحرب العالمية الثالثة – ألا نسمع الصوت نفسه في الصحافة العالمية؟

في مقدمة تلك المؤشرات يأتي فوز ترامب برئاسة أمريكا، والانعزالية التي ظهرت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، السلوك الذي يُخشى من أن بلدانا أوروبية أخرى ستتبعه، فينفرط عقد اتحاد يعتبر من دعائم النظام العالمي السائد اليوم.
هذه الحرب المفترضة والتي لا أحد يستطيع نفي احتمال وقوعها تتركز في الحقيقة حول أوروبا والمنطقة العربية، وأحد أكبر المؤشرات الأخرى عليها هو التوتر الخطير بين روسيا والغرب، والاحتكاك المتواصل بينهما في منطقة البلطيق. كذلك فإن الفوضى العارمة في الشرق الأوسط، وموجات اللاجئين، واحتمالات المواجهة بين الغرب وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تقدم هي الأخرى مؤشرا قويا آخر على احتمال وقوع تلك الحرب، أو، في الواقع، على اقتراب وقوعها.

هناك طبعا الاقتصاد، وروسيا والصين، وأمور أخرى يمكن أن تصبح مواضيع ساخنة لتصاعد هذه المؤشرات، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المرض الأكبر في قلب سياسة ترامب واليمين الأوروبي المتطرف هو الموقف مما يسمى “الغزو الإسلامي” للغرب.
إن الغرب لم يتردد منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عن التأكيد على أن الصراع الأيديولوجي في العالم قد انتهى، وحل محله صراع الحضارات. وفي هذا الصراع هناك طرفان هما الغرب والإسلام. والحرب المقبلة، وعلى ضوء هذا التحديد للصراع، ستركز أصلا على الانتصار على الإسلام كقوة حضارية مناقضة للحضارة الغربية. إن مثل هذا الانتصار سيتطلب ممارسة العنف والقتل على مستوى غير معروف في التاريخ كله!

(العامل الثاني) إن حكومات العالم كلها، وبشكل خاص الأوروبية منها، تحبس أنفاسها بانتظار يوم استلام دونالد ترامب رسميا منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان فوز ترامب نفسه يعتبر أحد المؤشرات القوية على احتمال اقتراب مثل هذه الحرب، فإن هذا الفوز يطلق علانية مؤشرا قويا آخر ربما سبق فوز ترامب، لكنه كان باهتا، واتخذ الآن زخما أقوى بهذا الفوز. ذلك هو الاكتساح المرتقب لليمين المتطرف للساحة السياسية الأوروبية خلال عام 2017. يضاف إلى هذا أن سياسة ترامب المعلنة تجاه أوروبا والتي تتحدد في نقطتين: مسألة المشاركة في تمويل حلف الناتو، والتجارة الحرة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي، يتوقع منها أن تخلق في أوروبا تخلخلا اقتصاديا مرعبا، يعيد إلى الأذهان الركود الاقتصادي الذي عرفته أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي وكانت مقدمة للحرب العالمية الثانية.

ثم إن أي خلل على مستوى العالم على شكل صراع الغرب مع الصين أو روسيا، أو على مستوى أدنى على شكل صراع إسرائيل ضد إيران سيزعزع أمن أوروبا بشكل غير مسبوق. وفي ظل وجود قوى يمينية تعد العدة للانقضاض على مسلمي أوروبا فإن هؤلاء سيصبحون أكبر ضحايا الحرب المفترضة المقبلة.

الحرب ستلحق الدمار بالجميع، سواء في أمريكا، أو روسيا، أو الصين، أو إيران، لكن ما يميز مسلمي أوروبا عن غيرهم من المتضررين هو أنهم يشكلون أكبر تجمع بشري أعزل ليس له دولة تحميه غير الدول التي يتواجد فيها. الروس تحميهم روسيا، والإيرانيون تحميهم دولتهم إيران، والصينيون تحميهم الصين. ومن ينجو من ضربات الحرب ربما لن يموت جوعا وهو في بلده. أما في أوروبا، في الدنمارك مثلا، فإذا تلكأت الدولة عن حماية مواطنيها المسلمين، وانتقلت الأغلبية الصامتة، في ظل إلحاح اليمين المتطرف، إلى التعامل معهم كغزاة، فعلى هؤلاء السلام.

لكن هل يمكن أن تحدث مثل هذه الكارثة؟ في ضوء التطورات الحاصلة في أوروبا فإن احتمالات حصولها أكبر من احتمالات عدم حصولها. إن وجود حكومات يمينية متطرفة في ظل الحرب سيطلق ما يمكن أن يعتبر الآن خيالا. ثم إن تجربة ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، وتجربة هيروشيما، وسقوط برلين، والحرب العراقية الإيرانية، وحربي السعودية وأمريكا وإسرائيل على العراق عامي 1991 و2003، والمأساة السورية منذ عام 2011، أمثلة، هي غيض من فيض، على أن القتل عندما يبدأ، حتى ببضعة أفراد، يصدم الناس في البداية، لكنه سرعان ما يصبح أمرا مألوفا حتى لو ذهبت ضحيته الآلاف كل يوم.

في ألمانيا وصل الحزب النازي إلى الحكم عام 1933 عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وكانت إبادة الألمان المعارضين للنازية، والهولوكوست التي يجري الحديث عنها بحق اليهود أول إنجازات النازيين. في البداية صدم الناس بمقتل بضعة شيوعيين، ولكن سرعان ما أصبح القتل، والجماعي منه أيضا، خبرا مألوفا، قل من يعترض عليه. القتل يصبح، بالنسبة إلى بعض المجانين، تسلية ممتعة. والمجانين لا يوجدون في أمة واحدة بحد ذاتها؛ إنهم موجودون في كل الأمم، وفردوسهم هو المكان الذي تسود فيه الفوضى، وتغيب الدولة التي تحمي الناس.

وفي بلدان أوروبا اليوم، سواء في فرنسا، أو ألمانيا، أو الدنمارك وغيرها فإن الأمر لا يحتاج إلى قيام الحكومات اليمينية المتطرفة بتوزيع السلاح على المجانين وإصدار أوامر بقتل المسلمين. إن كل ما يحتاجه الأمر هو قيام بعض المتطرفين بإطلاق موجة من القتل، ثم تنفتح أبواب الجحيم. إن أرحم حالة ستواجه المسلمين هي أن يرى أولو الأمر أنه لا لزوم، من أجل إنهاء غزو المسلمين لأوروبا، قتل الكثير منهم، بل يكفي إجبارهم على الرحيل. إن معظم المسلمين، وهم يشعرون بالتهديد، لن ينتظروا حتى يقتلوا، بل سيكون هناك نزوح جماعي غير منظم. إلى أين؟

(العامل الثالث) إن المسلمين في أوروبا ترسم لهم صورة باعتبارهم كتلة ثقافية دينية سياسية موحدة غريبة في الجسد الأوروبي. وهذا غير صحيح، فمثل هذه “الكتلة”، البشرية يمكن أن توجد في بلد مستقل، أو في جزء أو أقليم من بلد. أما المسلمون في أوروبا فهم مواطنون عاديون متناثرون على امتداد القارة. وباستثناء بضع غيتوات في بعض المدن الكبيرة، فإن نسبتهم ضئيلة جدا قياسا إلى السكان غير المسلمين.

إضافة إلى هذا فإن نسبة كبيرة من هؤلاء مندمجون أصلا في المجتمعات الأوروبية ولا تربطهم بالإسلام إلا اسماؤهم، أو ربما بعض الممارسات الثقافية السلمية، مثل الاحتفال بالأعياد. وعدا عن هذا فإن كثيرين منهم يجهدون لتمييز أنفسهم عن أعوان الإسلام السياسي بأن يطلقوا على أنفسهم عبارة “المسلمين المعتدلين”، أو حتى “المسلمين الديمقراطيين”. إن من يخلق المشاكل للمسلمين في أوروبا هم أطراف خارجية اسمها السعودية، وقطر، وإيران من خلال مجموعات من الجهاديين الذين أصابتهم هلوسة إقامة حكم الشريعة السعودية أو حكم الولي الفقيه في أوروبا!

على أن جهود هذه المجموعات التابعة للبلدان المذكورة تفلح في جر بعض المسلمين إلى ممارسات غير منطقية لا تقيم أي وزن لأصول الاغتراب. الحق الحق نقول إن معظم الأوروبيين العاديين يتقبلون المسلمين على علاتهم، لكن هذا النمط من المسلمين لا يتقبلون الأوروبيين، وينسون أنهم يعيشون على الأرض الأوروبية، في دول أوروبية، ومجتمعات أوروبية. ولو قسنا على سلوك هذه الفئة يمكننا القول أن أكبر عدو للمسلمين في أوروبا هم المسلمون أنفسهم.

(العامل الرابع) المسلمون في أوروبا، بصرف النظر عن فئاتهم، واختلافاتهم، يتعرضون، كمجموعة، إلى الهجوم والتحريض من جهات مختلفة. ولعل أقسى تحريض ضدهم يأتي من “إخوتهم” مسيحيي البلدان العربية هنا، بشكل خاص مسيحيي العراق، إضافة إلى مسيحيي سورية ومصر. ومع أننا نشترك مع هؤلاء “الإخوة” في أننا مثلهم هاربون من الظلم والاضطهاد، بل إننا هربنا قبلهم، إلا إنهم يصورون أنفسهم وكأنهم هم وحدهم ضحايا، وضحايا من؟ ليس الاحتلال الأمريكي الذي جلب معه الإرهاب والفوضى، بل الإسلام. حديثهم هو أن داعش هو الإسلام، وأن كل مسلم هو داعش، وأن المسلمين في المشرق يضطهدون المسيحيين.
هؤلاء طبعا لا معنى للنقاش معهم، وإلا كنا قلنا لهم لو أن الإسلام كان حقا داعش فلما كان الآن لهم أثر في المشرق العربي الإسلامي، ولكن ما نراه في الواقع هو أنهم بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من وجود الإسلام في مشرقنا ما تزال كنائسهم وأديرتهم قائمة، وما يزالون يشكلون جزء هاما من النسيج الاجتماعي للمنطقة. كيف بقي أجدادهم هناك، إذا كان المسلمون على الدوام دواعش؟ لماذا لم يطلق أجدادهم سيقانهم للريح أمام دواعش الماضي السحيق مثلما يفعلون هم الآن بمجرد سماع اسم داعش؟

ولو كان المكان موضع نقاش لقلنا لهم أنهم هم أنفسهم أسلاف داعش، فهم الذين بمجرد ما وجدوا متنفسا لأحقادهم في صفوف الأحزاب الشيوعية أدخلوا، قبل داعش بستين سنة، ثقافة سحل البشر في الشوارع، ودق المسامير في أرحام نساء معارضيهم. إن داعش يسير على خطاهم، ويا للمفارقة، في نفس المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم الداعشية ضد المسلمين عام 1959، الموصل.
ولقلنا لهم أن اليمين الأوروبي يستخدم عبارة الإسلام في محاولات صعوده. وأنهم، رغم كونهم مسيحيين، مشمولون بالهولوكوست القادمة. يكفي أن سحناتهم شرقية.

ولقلنا لهم إنهم أكثر غفلة وضلالا من كثير من إسلاميي أوروبا فهم أيضا يريدون أن يدخلوا “شريعتهم” إلى أوروبا، ويحسبون أنه بطرد المسلمين من أوروبا ستخلو القارة لهم. حسنا، وماذا عن وجودهم في المشرق، سيطردوننا من هناك أيضا ليقيموا مملكة سرجون وأوغاريت على أنقاض الحضارة الإسلامية؟

مع شديد الأسف فإن أهم ما يجب قوله لـ “إخوتنا” المسيحيين هو أن تحريضهم يلقى أذنا صاغية، وأن اليمين النازي المتطرف سعيد بدعمهم له، وتحريضهم على طرد المسلمين من أوروبا.

(العامل الخامس) لا شك في أن العامل الجغرافي سيلعب دورا كبيرا في مأساة مسلمي أوروبا التي ستكون تكرارا لمأساة مسلمي الأندلس، مضاعفا ألف مرة. هؤلاء المسلمون منتشرون في ربوع القارة كلها. وإذا اشتعلت الحرب في أوروبا فإنها ستكون حربا عليهم قبل كل شيء. وعندها سيجدون أن الأرض بما رحبت ستضيق عليهم. إن أكبر المتضررين سيكون مسلمو الجزر البريطانية التي تحيطها البحار من كل جانب، فلا مهرب. أما في البر القاري فأقرب مكان يمكن أن يؤوي الهاربين يقع إلى الجنوب من إسبانيا، أي المغرب، وإلى الشرق من أوروبا، أي تركيا. وعلى هذا، وإذا باغتتهم الحرب والفوضى، فعلى مسلمي الدول الاسكندنافية الذين سينجوون بطريقة وأخرى من فتك عصابات اليمين المتطرف، أن يقطعوا إما مسافة ألفي ميل نحو الجنوب أوألفي ميل نحو الشرق قبل أن يصلوا إلى مكان ربما لا توجد فيه “ديمقراطية”، أو “حرية”، ولكن فيه على الأقل أمان إلى حين، ومساجد لا يصلون فيها وحسب، بل يتخذونها أيضا مكانا ينامون فيه مع عائلاتهم.

ربما يخيل لمن يلقى نظرة على خارطة أوروبا، وهي نفس خارطة الهولوكوست المقبلة، أن مسلمي فرنسا سيكونون محظوظين، فليس بينهم وبن المغرب سوى إسبانيا، والإسبان ربما لا يكونون قساة بنفس درجة الفرنسيين، خاصة أنهم يعانون من تأنيب الضمير لما فعله أجدادهم بالمسلمين قبل بضعة قرون، إلا أن الغضب الموجود في فرنسا، والحقد الذي يمور في نفوس الفرنسيين باعتبارهم أكثر من يعاني من “غزو” الإسلام، وأكبر من تضرر من “الإرهاب الإسلامي”، سيجعل من وصول المسلمين الهاربين إلى إسبانيا أمرا في غاية الصعوبة. فرنسا هي المرشحة لإطلاق شرارة الهولوكوست بحق المسلمين!

وقد يكون المسلمون في الاسكندنافيا وألمانيا ووسط أوروبا محظوظين أكثر من غيرهم لسببين هما، أولا لأن إطلاق الهولوكست يتطلب الانقلاب على تعريف هذه البلدان لنفسها بأنها ديمقراطيات إنسانية، وهذايأخذ بعض الوقت يتيسر فيه للناس الهرب، إضافة إلى تأنيب الضمير في ألمانيا تجاه ما فعله أجدادهم باليهود. وثانيا لأن هذه البلدان متاخمة لشرق أوروبا، والوصول إلى شرق أوروبا هو بحد ذاته بداية النجاة. في شرق أوروبا ليس هناك تقليد موروث، كما في ألمانيا وفرنسا، بقتل الغرباء وإقامة الهولوكوست. إن الأوروبيين الشرقيين سيكتفون على الأغلب بسلب من يمر عبر أراضيهم أموالهم إن كانت معهم منها شيء، وتركهم يواصلون الطريق إلى تركيا.

وبهذا فإن البلدين المسلمين، المغرب وتركيا، عليهما الاستعداد لاستقبال موجة من الللاجئين لم يعرف التاريخ مثل عددهم. وعلى تركيا خاصة أن تعرف أن من سيصلون إليها سيصلون حفاةً عراةً لم يغتذوا حتى فلافل أو شاورمة طوال مسيرتهم .. مسيرة الألفي ميل. إن من يسعده الطالع فيصل إليها سيرى فيها قــِـبلته الثالثة.

{وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى} صدق رب العرش العظيم.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر