الراصد القديم

2017/01/02

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة


 زياد حافظ

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه.

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول.

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول.

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات.

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى.

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية!

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها.

فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها.

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي!

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟.

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق!

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع.

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين.

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة.

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.
أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟.

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر