الراصد القديم

2017/02/01

توجهات الحكم الجديد في لبنان


خالد غزال

افتتح العهد الجديد أعماله في إقرار مراسيم النفط وسط لغط حول ما شابها من محاصصة بين الشركات المالية التي تعاقد معها أطراف في السلطة، وتصريحات لخبراء في النفط أكدوا أن ما سينال الخزينة العامة من النفط ليس سوى فتات، فيما ستعود العائدات إلى قوى المال وأركان الطوائف. وكما أشير في أكثر من مكان، إلى أن صفقة النفط كانت جزءاً من الصفقة التي أتت بميشال عون وسعد الحريري إلى السلطة. كانت هذه البداية تؤشر في الوقت نفسه إلى طبيعة السلطة القادمة بما هي حلف بين الشركات المالية والعقارية والمصارف من جهة، وبين المحاصصة الطائفية المعمول بها منذ اتفاق الطائف. تستّر الجميع على الصفقة وعلى ما شابها من فساد ادعى كثيرون أنهم أتوا لمحاربته.

لكن الحلف الطائفي – الطبقي هذا كشف عن وجهه بشراسة في النقاش الذي جرى مجدداً في المجلس النيابي حول قانون الإيجارات الجديد. من المعروف أن المجلس سبق له أن أقر قانون الإيجارات قبل عامين ونصف، تقوم ركيزته على زيادات فاحشة جداً في الإيجارات، وعلى تحرير العقود بعد تسع سنوات من دون أي تعويضات. يومها جرى إقرار القانون بمادة وحيدة، ولم يقرأه من النواب سوى واضعيه. أثير لغط عن السرعة التي شرّع بها المجلس من دون قراءة ما يتضمنه القانون، وهل أُعطي النواب «مستحقات» للإقرار على غرار ما جرى مع شركة سوليدير مطلع تسعينات القرن الماضي. نجحت حملة لجان الدفاع عن المستأجرين في إعاقة تنفيذ القانون من خلال الطعون التي قدمت ضده، ومنها قرار من المجلس الدستوري الذي أفتى بعدم صلاحيته. سعى المالكون إلى التطبيق واستصدروا أحكاماً من بعض القضاة باعتبار القانون نافذاً. مؤخراً، أعاد المجلس النيابي إقرار القانون بعد إدخال تعديلات شكلية وهزيلة عليه، من دون أن تمس مسألة تحرير العقود أو الزيادات السنوية الباهظة.

يكشف قانون الإيجارات وإقراره عن الطبيعة الحقيقية للسلطة، بما هي تحالف الرأسمالية المتوحشة والشركات العقارية والمصارف وحيتان المال مع القوى الطائفية التي تمسك بالبلد وتتقاسمه على حساب أبنائه. من المعروف أن كتلة نقدية ضخمة مكدسة في المصارف اللبنانية تحتاج إلى توظيفات واستثمارات. لا يقع في ذهن أصحاب المال توجيه التوظيفات نحو قطاعات إنتاجية في الصناعة أو الزراعة أو غيرها، بل ترى أن الاستثمار المفضل والمربح بسرعة هو في قطاع العقارات. وبالنظر لأن هذا القطاع باتت مساحاته محدودة، فإن الشركات العقارية والمصارف ترى في تحرير العقود واستعادة الأملاك القديمة وهدمها لبناء مجمعات سكنية، هي الوسيلة الأفضل لها. يضاف إلى ذلك أن الكثير من أقطاب الطوائف وأبنائهم عمدوا إلى شراء أبنية قديمة بأعداد كبيرة، تحتاج إلى طرد المستأجرين منها لتحويلها إلى أبنية وأبراج جديدة.

قد لا يدرك التحالف الطبقي الطائفي الممسك بالسلطة أخطار إقرار القانون الجديد للإيجارات. فهذا القانون سيمس حوالى مليون مواطن ويهجرهم بعد سنوات عدة، في وقت ضاقت فيه أماكن السكن في السنوات الأخيرة. هذا القانون هو القنبلة الاجتماعية الأكبر القادمة على البلد، وقد بدأت طلائعها في ردود الفعل الشعبية عليه. بعد إقراره، بات كل مستأجر مدركاً لمصيره الأسود. في التظاهرات التي بدأت تنتشر في المناطق، يراقب المرء طبيعة المتظاهرين، فخلافاً لتظاهرات نعهدها، لا يشكل عنصر الشباب عماد التظاهرة، بل إن الغالبية الساحقة هم من النساء والرجال الذين تفوق أعمارهم الستين سنة، على وجوههم مظاهر الغضب وإطلاق الشتائم إلى أهل السلطة، نواباً ووزراء. بل بدأت الأصوات ترتفع داخل المستأجرين داعية إلى التسلح للدفاع عن حق السكن. لا يقع رد الفعل هذا في سياق التهويل، بل هو حقيقي لأناس سيجدون أنفسهم في الشارع بعد أن وصلوا إلى السبعينات أو الثمانينات من العمر.

ليس متوقعاً أن يعي أهل السلطة والتحالف الطبقي - الطائفي الحاكم أخطار الأزمة الاجتماعية المقبلة على البلد، انطلاقاً من قانون الإيجارات ومطالب سائر الفئات الاجتماعية. فالحرب الأهلية التي قامت منتصف السبعينات، كانت أحد أسبابها الأزمة الاجتماعية وانسداد أهل النظام على أي تسوية تؤمن تحسين مستوى المعيشة للطبقات الشعبية. لن تنفجر الأزمة الآن، لكن عواملها بدأت تتراكم، وسيكون من الصعب حرفها طائفياً ومذهبياً، لأن المستأجرين هم من جميع الطوائف. ولن يكون الوقت بعيداً على دخول البلاد في حلقة من الصراعات الاجتماعية، ستشكل مدخلاً إلى حرب أهلية متجددة إذا لم يتدارك أهل الحكم هذا الموضوع.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر