الراصد القديم

2017/02/01

الأنظمة العربية تغتال الوطن وأهله


طلال سلمان
 
أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. يمكن لأى «قادر» أن يأخذها، وإسرائيل أولا وأساسا، وإن كانت عمليا، تهيمن على معظم قرارها.

من شاطئ البحر الأحمر فى شبه الجزيرة العربية إلى تونس، مرورا بليبيا ومصر (وفلسطين كلها).. وصولا إلى سوريا فالعراق، ثمّ إمارات الخليج العربى من دون أن نستثنى السعودية وسلطنة عُمان، وانتهاء باليمن السعيد شمالا وجنوبا وبين بين.

ليس بين«المحيط الهادر والخليج الثائر»، كما كان الهتاف بين منتصف الخمسينيات وأوائل السبعينيات، بلد عربى واحد يمكن اعتباره حرا، مستقلا، سيدا، يعيش بموارده ومصادر الخير فى أرضه، يمارس حقه فى كل قرار يتصل بمصالحه الوطنية وتحقيق إرادة شعبه.. فالكل مرتهن قراره للخارج، مباشرة بالاحتــــلال أو القواعد العســكرية والاحتيــاج إلـى المــساعدات (مالية، مباشرة، أو عبر المؤسســـات الدولية الخاضعة للقرار الأمـريكى خصوصا والغربى عامة).

جامعة الدول العربية «تكية» للترويح عن نفوس السلاطين بالثرثرة عن الأهداف القومية، التى تدرجت نزولا من الطموح إلى الوحدة أو الاتحاد إلى الرضا بالتعاون والتنسيق فى أضيق الحدود، وبما لا يغضب الغرب بالقيادة الأمريكية، وبما لا«يستفز» إسرائيل ــ وهى بكل وجودها كاحتلال أجنبى ودولة معادية فى نهجها العنصرى الذى باشرته مع أقامتها بالقوة، على ارض فلسطين.

أكوام من الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التى كانت تجمع هذه الدول، أو معظمها، وتلك التى عقدت بين «دولتين» أو أكثر، لم تنفع حتى فى مجالات الضرائب والرسوم على التبادل التجارى، ولا هى عززت «العلاقات الأخوية بين الأقطار الشقيقة».. فعند أول خلاف بين أى «زعيمين» عربيين تلغى الاتفاقات والمبادلات وتحشد القوات العسكرية على حدود «الدولة الشقيقة»، بينما العدو الإسرائيلى والمخابرات الأجنبية، الأمريكية خصوصا، تنفخ فى نار الخلافات لعلها تتفجر حروبا.. ثمّ فى اللحظة المناسبة تتقدم للعب دور «الوسيط».

تشن إسرائيل حروبها الدورية على العرب، بعنوان مصر أو سوريا أو كلتيهما، أو على لبنان الذى قدم شعبه نموذجا فذا فى المقاومة حتى التحرير، فيدير حكام العرب وجوههم إلى الناحية الأخرى.. ويطير بعض وزرائهم إلى واشنطن لاستئذانها بخطب نارية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن فى نيويورك، ثمّ يجلسون فى الكواليس يفاوضون على المفاوضات بين المعتدى والضحية، ويخطبون ولا يتعبون مع الأخذ بقاعدة «لكل مقام مقال»، وما يقال فى الخطب الجماهيرية يسحب من التداول، لكلام دبلوماسى ناعم لا يُغضب «المرجعية» ولا يستفز المعتدى.

ثمّ.. كان أن تدهورت العلاقات بين الدول الأغنى والدول الأفقر، عندما رفضت الدول ذات التاريخ أن تسترهنها الدنانير والريالات «والشرهات» فتُؤخذ إلى حروب «الإخوة الأغنياء» ضد «الإخوة الفقراء»، كما فى اليمن، حتى إذا غضب الإخــوة المذهبون أوقفوا المساعدات، بل وعادوا يحركون المواجع مطالبين بأراض ليست لهم (كما فى اليمن) أو بجزر تخلوا عنها ودفع المصريون سيولا من الدماء دفاعا عنها (كما فى تيران والصنافير..).

بل إن بعض هذه الدول العربية المذهبة لم تتردد فى تجنيد المرتزقة وتسليحها وتدريبها لكى تقاتل بالنيابة عنها، ضد سوريا، وضد العراق كما ضد اليمن.. وهكذا غذّت وأدامت حروبا بالوكالة عن إسرائيل فى سوريا وفى العراق وفى اليمن وفى ليبيا وحتى فى تونس، مع محاولات ترهيب بالعمليات الانتحارية فى لبنان.. إلخ.

كذلك فإنها لم تتورع عن التحالف مع تركيا، علنًا، ومع إسرائيل سرا يماثل العلن، فى التآمر على العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس، مرة تحت عباءة الإخوان المسلمين، ومرة باسم «المعارضة» ودفاعا عن «ديمقراطية» لا تعرفها ولا هى تعترف بها.. ودائما فى التخلى عن فلسطين والحق المقدس لشعبها فيها.

أن العرب، الآن، يقاتلون العرب، ويصالحون عدوهم جميعا، وشعب فلسطين المتروك للريح يقاتل فتيته وفتياته باللحم الحى وبعض السكاكين والحجارة ضد عدو عاتٍ يقتل ويدمر وينسف البيوت والمساجد ويصادر الكنائس ويطرد أهل القدس ــ بناتها – ليتخذ منها عاصمة لملكه الذى لم يكن له وجود فى التاريخ.

أن فى الحرب على اليمن متآمرين ملكيين عربا يرسلون طائراتهم المقاتلة التى لم تخض أى حرب من قبل لتدمر معالم الحضارة الأولى فى التاريخ الإنسانى.

كذلك الأمر فى الحرب على سوريا وعلى العراق، بذريعة مقاومة «المد الفارسى»، كأنما إيران دولة معادية.. فأنواع السلاح التى تُزود بها دول الخليج العربى بالقيادة السعودية أشتات المعارضات فى سوريا (وفيها أفغان وألبان وباكستانيون وأتراك، كثير من الأتراك، وعرب استقدموا من مختلف جهات الوطن العربى، بامتداد المسافة بين تونس وبين اليمن) تكفى لتسليح جيش بل جيوش، ومهمتها الآن تدمير معالم الحضارة فى كل من اليمن والعراق وسوريا، مدنا عريقة يتجاوز بنيانها سبعة آلاف سنة (كما فى حلب) وتدمر، وبعض أنحاء العراق فى الموصل وشمالها، (سنجار وجوارها.. إلخ ).

إن الوطن العربى الذى تفتت، بأفضال أنظمته، إلى إخوة ــ أعداء ــ يصطرعون فيدمرون بعضهم بعضا، وتستنجد دوله العريقة بالأجنبى فيأتى إلى العراق جيوش من حوالى عشر دول عربية، للنجدة من الجو!! بالطائرات التى تقاتل أشباحا، ويأتى إلى أرض سوريا وجوها آلاف مؤلفة من المرتزقة الذين يشاركون المتعصبين ولا دين (داعش، جبهة النصرة أو القاعدة، فضلا عن المنظمات ذات الهوية التركية شعارا أو مقاتلين).. وبالمقابل تأتى إيران ومعها «حزب الله» فى لبنان، قبل أن تتدخل روسيا بالطيران ثم عبر المشاركة الميدانية الفعالة، عسكريا وسياسيا (مؤتمر كازاخستان، مثلا).

إن هذا الوطن العربى قد فقد أو يكاد يفقد، مع « دوله» هويته القومية.. وبات كثير من زعامات الطوائف التى صار لها عسكرها الذى يتولى الأشقاء المذهبون تسليحه بسخاء، وكأنها جيوش، وهو مكرس لقتال أية أفكار وطنية أو تقدمية أو وحدوية ولو عبر شعاراتها القومية، يقاتلون ضد دولهم، بل أوطانهم، وهم يعرفون قطعا أن المستفيد الأول والأخطر هو الامبريالية أو الاستعمار الجديد بالشراكة مع إسرائيل.

إن «الطوائف» هى بديل من الأحزاب السياسية فى الوطن العربى عموما بدءا من مشرقه.. من دون أن يعنى أن ذلك أن الأنظمة براء من هذا الداء، فالوهابية حزب سياسى وان كانت شعاراتها إسلامية – أصولية بمعنى العودة إلى السلف الصالح (مع اختيار النموذج الأكثر انغلاقا ومجافاة لروح العصر) وكل أقطار الخليج تحكم باسم الإسلام كبديل عن الهوية القومية.

وإذا كان الإسلام السياسى ممثلا بحركة النهضة (إخوان تونس) قد فشلت فى الهيمنة على السلطة فى تونس فإنها لا تزال «تناضل» للعودة مجددا إلى هذا الهدف، فضلا عن الوجود المتنامى للإسلاميين فى الجزائر (ولو وراء أبواب مغلقة) فى حين أن الحكومة فى المغرب الآن يهيمن عليها الإسلاميون.

و«الإسلام السياسى» هو الشعار المهذب للدعوة إلى القضاء على العروبة كهوية جامعة لأبناء هذه الأمة وطموحاتهم وتطلعهم إلى غدهم الأفضل بعيدا عن الهيمنة الأجنبية ومفاعيل الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين وإرادة العديد من الدول العربية.

كيف لا يكون الغد العربى مهددا، والحال هذه.

لهذا، وكثير من التفاصيل المؤذية، فإن أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. وكل قادر (ودائما من خارج أهلها، غريب عن أحلامهم وأمانيهم وآمالهم) هو الذى يسعى إلى الهيمنة على مصائرهم فى مختلف معظم دول المنطقة وهى ساقطة قوميا، وساقطة عسكريا واقتصاديا وتعليميا وثقافة، وبلا مقاومة تذكر، مع الأسف الشديد؛ لأن الأنظمة ــ قبل إسرائيل ومعها وبعدها ــ تتواطأ على روح الأمة كما على مصيرها.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر