الراصد القديم

2017/02/01

ترامب وداعش: دولة مهاجرين ضد دولة مهاجرين

  
وليد بركسية
 
"الحظر المبارك" هي الجملة التي يستخدمها مناصرو "داعش" عبر تطبيق "تيليغرام" تعليقاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنع دخول اللاجئين والمسافرين من 7 دول شرق أوسطية ذات غالبية إسلامية إلى الولايات المتحدة، بما فيهم حملة البطاقة الخضراء. وفيما لم يصدر أي "رد رسمي" من "داعش" حول القرار الأميركي بعد، إلا أن أنصار التنظيم التكفيري يطالبون زعيمهم أبو بكر البغدادي بالظهور والتعليق على ترامب "من رئيس دولة إلى رئيس دولة".

القرار الأميركي هو خطأ استراتيجي كبير كما يصفه روبرت رايتشر، الرئيس السابق لقسم الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية الأميركية "CIA"، في تصريحات نقلتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، الاثنين، ليس بسبب عنصريته وخرقه للقوانين الدستورية الأميركية فقط، بل لأنه يشكل خدمة حقيقية لـ"داعش" إعلامياً، مع تنبؤات بأن تستفيد بروباغندا التنظيم من القرار لحث المسلمين على التوجه إلى "دولة الخلافة" بدلاً من "الغرب الكافر" الذي ينبذ المسلمين.

ومن اللافت هنا أن دعاية "داعش" مهما بالغت في إظهار قوتها وتبجحت بعظمة الدين وغيرها من المصطلحات، إلا أنها تبقى دعاية ديماغوجية مبنية على الخوف من الآخر أي "الغرب الكافر" وتدعو لرفع الظلم عن فئة من الناس، أي الأفراد السنة ضد السلطات الشيعية - العلوية، تماماً كما كانت حملة ترامب ديماغوجية إلى أبعد حد في اجتذاب الناخبين الأميركيين بناء على مخاوفهم الاقتصادية لرفع الظلم المزعوم الذي أفرزته سياسات باراك أوباما ضد الناخبين البيض.

ولن يكون مفاجئاً أبداً أن يبث "داعش" إصداراً مرئياً في الفترة المقبلة للعب على وتر العداء الغربي للمسلمين من أجل محاولة استقطاب مزيد من المهاجرين إليه، خاصة أن إصداراته السابقة في الأشهر الستة الماضية ضمت مقاطع عامة عن موت المسلمين على شواطئ الغرب بدلاً من توجههم إلى أرض الإسلام، إضافة للقول أن الدول الغربية تميز بين مواطنيها وتتضطهد المسلمين منهم، وتلاحظ الخاصية الأخيرة بشكل اكبر في مجلة "دابق" التي يصدرها التنظيم باللغة الانجليزية، والتي تحدثت عن ذلك وهجرة المسلمين للغرب منذ العدد الأول لها، قبل أن تتعاظم تلك الخاصية الدعائية منذ شهر أيلول/سبتمبر 2015 حينما حاولت الاستفادة من صورة الطفل السوري إيلان الكردي لمهاجمة الهجرة إلى الغرب.

ومن المثير للاهتمام أن كلاً من الولايات المتحدة و"داعش" يتقاسمان هوية واحدة كدولة مهاجرين مهما كانت الخلافات الثقافية - الحضارية كبيرة بينهما، فإن بنى المهاجرون حضارة أميركا كدولة عظيمة ديموقراطية، ليس بمفهوم الإنتاج والتقدم العلمي فقط، بل عبر دفع البلاد حضارياً من الناحية الفكرية لتعزيز الحريات والمساواة بين الأميركيين على مختلف أصولهم وتعدد ثقافاتهم بما في ذلك المسلمون والسود والنساء وغيرها، لدرجة أفرزت تلك السنوات الطويلة رموزاً في هذا المجال مثل مارتن لوثر كينغ في الستينيات وليندا صرصور التي اشتهرت مؤخراً.

أما "داعش" فأحدث خرقاً حقيقياً في طريقة تعامل كافة التنظيمات الجهادية السابقة مع المهاجرين إليه، ربما لأنه خرج من كونه مجرد تنظيم متشدد يقاتل من أجل إقامة دولة إسلامية، إلى إقامة تلك الدولة فعلاً، فلم يقم بتوظيف المهاجرين إليه كمشاريع مقاتلين وانتحاريين فقط، بل استخدمهم في بناء دولته، بحيث كان المهاجرون هم القادة الفعليين كما تشير التقارير الاستخباراتية الغربية وإصدارات "داعش" نفسها، وقد يكون الإعلام هو أبرز مجال تم توظيف المهاجرين فيه، حيث يشرف عبد الرحمن الأميركي على صناعة البروباغندا الداعشية على سبيل المثال، إلى جانب رجلين فرنسيين مجهولي الهوية يشرفان على مكتب التنظيم الإعلامي في مدينة الرقة السورية.

والحال أن ترامب بقراره الأخير حول منع اللاجئين والمسافرين المسلمين من دخول الولايات المتحدة، ينسف كل التنوع الحضاري الأميركي، ويقترب فكرياً من فكر تنظيم "داعش" العنصري، حيث تبدو "أميركا ترامب" منزوعة من سياقها التاريخي وبعيدة عن تنوع الثقافات التي بنيت عليه أصلاً، وهنا يمثل ترامب صوت "الرعاع البيض"، وهم من المهاجرين أصلاً، كما يصف الإعلام الأميركي، وهي خطابات عنصرية تستمد سياقها من الفكر النازي القديم حول تفوق الرجل الأبيض الذي يمثله ترامب اليوم كرئيس لأكبر ديموقراطية في العالم. ويتشابه ذلك مع الإلغائية الداعشية الكلاسيكية، والتي تقوم على نبذ غير المسلمين من بنية الدولة نفسها، الفرق الوحيد أن "داعش" بدأ دولته من هذه الخاصية بالذات بينما يحاول ترامب الوصول إليها.

وإن كان "داعش" يمثل أقصى اليمين في الإسلام السياسي، فإن ترامب يمثل أقصى اليمين في السياسة التقليدية الديموقراطية في الدول الغربية، وفيما يبني "داعش" دولته على أسس دينية بحتة، تبدو عنصرية ترامب أكثر تنوعاً بين العنصرية الدينية المسيحية والعنصرية العرقية أيضاً، وتتقاطع العنصريتان الداعشية والترامبية معاً في نقاط كثيرة، مثل العداء لمواطني الدولة أنفسهم البعيدين عن النمط النموذجي، مثل المثليين والنساء، إضافة لوجود عقدة الرجل الذكر المتفوق في الخطابين العنصريين، ليصبح الصراع هنا محصوراً بين الرجل الأبيض الترامبي والرجل المسلم الداعشي.

يقول ترامب في معرض دفاعه عن قراره التنفيذي الأخير، بأنه لن يسمح لأحد بأن يأخذ حضارة أميركا من الأميركيين، وبنفس الأسلوب يكرر "داعش" منذ ظهوره في المنطقة العام 2013 أنه لن يسمح لأحد بأن يمحي الإسلام من الوجود، وكما يقول ترامب في شعاره الشهير أنه سوف يجعل أميركا عظيمة من جديد، يقول "داعش" أنه سوف يرفع راية الإسلام عالية من جديد، وتحديداً فوق العاصمة الإيطالية روما التي يعطيها التنظيم أهمية خاصة كعاصمة للمسيحية الغربية.

وتقوم داعش على أنها دولة للحضارة الإسلامية مقابل الحضارات الدينية الأخرى، في تكريس شبه حرفي لفلسفة صراع الحضارات التي تحدث عنها الفيلسوف الأميركي صامويل هنتنغتون العام 1991، ظهور هذه القوة ثقافياً، ولو بصورة إرهابية عنفية، يستلزم حدوث رد فعل في الطرف الآخر من العالم، والشرخ القائم اليوم بين مركزي الحضارة الغربية، أميركا وأوروبا طبيعي وفق هذه الرؤية قد يكون أعمق مما هو عليه، خاصة أن تيارات اليمين المتطرف ناشطة في أوروبا أيضاً وإن لم تصل إلى السلطة إلا في بريطانيا، أما العلاقات الإنسانية على المستوى الفردي، في أوروبا وأميركا تجاه اللاجئين والأجانب والمرحبة بالآخر، في المطارات الأميركية ومحطات القطار الألمانية، فلا تعبر بالضرورة عن شخصية الدولة نفسها ككيان مستقل نظرياً.

إلى ذلك، يعتبر "داعش" أكثر تنظيم متطرف استخداماً للسوشيال ميديا لنشر خطابه المتطرف وتحديداً "تيليغرام" منذ حرب شركات التكنولوجيا لمكافحة المحتوى المتطرف، أما ترامب فيفضل حسابه الخاص في "تويتر" للحديث مع مناصريه وتوجيه النقد اللاذع لأعدائه، ملغياً أي دور حقيقي لوسائل الإعلام في البلاد، ليتشابه مع "داعش" في عداء وسائل الإعلام التي توصف في الخطابين على أنها وسائل كاذبة ومدمرة وشريرة.

وهنا يبرز الفرق بين "داعش" وترامب، فبينما يعتمد الأول على طرق همجية دموية لتنفيذ فلسفته يبدو الثاني أكثر نظافة وحضارة في تحويل حملته الدعائية إلى تصرفات فعلية، فلقمع الإعلام مثلاً يقوم "داعش" بإصدار القوانين والفتاوى وتدمير ومصادرة أجهزة التلفزيون وإعدام الصحافيين، بينما لا يحتاج ترامب لتنفيذ فلسفته لأكثر من توقيع أمر تنفيذي ثم تبريره عبر "تويتر".

الفرق الجوهري الآخر أن أميركا ليست ترامب، كما يصرخ الأميركيون في وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام، بل هي دولة مؤسسات عريقة وشخصيات حضارية، رفض بعضها تنفيذ قرار ترامب الأخير. وهي أيضاً تاريخ طويل من الكفاح المدني من أجل حقوق المرأة والمثليين والسود والأقليات العرقية، والذي تترجم إلى قوانين وحقوق دستورية، وهو تاريخ ليس من السهل تجاوزه أو إلغاؤه، وعليه يجب القول أنه مهما كان ترامب الشعبوي بعنصريته يقارب "داعش" الدموي في كل شيء، فإن "داعش" لا تقارب أميركا في أي شيء، ولو حاول ترامب تحويلها إلى نموذج مظلم لا يمت لتطورها الحضاري بصلة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر