الراصد القديم

2017/03/01

إمكانية شن حرب ضد مصر عوضا عن إيران!


محمد عبد الحكم دياب

تعود القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام من جديد، ولا يعني ذلك أن المهتمين هم أهل فلسطين أو أصحاب الحق الأصيل في تحديد مصيرها ومستقبلها من العرب والمسلمين، ومن يؤازرهم من أنصار المقاومة والساعين إلى العدل والمنادين بالمساواة في العالم ومن كل الملل والنحل، والمشكلة في أن الطبقة العربية الحاكمة في مجملها هي الأدنى اهتماما بفلسطين، وشغلت نفسها بالاستقطاب المذهبي والطائفي، وتصفية حساباتها فيما بينها، وتقوية علاقاتها بواشنطن وتل أبيب، والمهتمون بفلسطين أبعدوا من دوائر الحكم والقرار، واقتصر الاهتمام بها على من هم خارج هذه الدوائر من قوى مؤمنة بتصحيح مسار التاريخ وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاستيطان والاحتلال والتهجير.‬

ومركز الاهتمام انتقل إلى الرئاسة الأمريكية، وهو اهتمام بالمصلحة الصهيونية، البعيدة عن الحل العادل أو المتوازن، والعمل على تمكين الدولة الصهيونية لتكون دولة يهودية خالصة، مع التراجع عن حل الدولتين.‬ حيث تحتفظ الدولة الصهيونية بما استولت عليه، بالحرب والاستيطان وبطش الآلة العسكرية، وسن قوانين القضم والحيلة والابتزاز، ولم يبق من فلسطين التاريخية إلا خُمسها.‬ ودولتها المقترحة «القابلة للحياة»، بمنطق «الشرعية الدولية»، منزوعة الثروة والسلطة والسلاح.‬

تسارعت التطورات وأتت مع إصرار الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب على أن يكون صهيونيا أكثر من مؤسسي الحركة الصهيونية.‬ هذا بينما تشهد «القارة العربية» تغييرات وتحولات من المتوقع أن تنتهي بحرب صهيونية خاطفة أو طويلة نسبيا، والسبب هو حاجة تل أبيب لحسم الأوضاع بعد اطمئنانها إلى المساندة الأمريكية المطلقة، والتأييد الغربي النسبي، والضعف العربي العام.‬

ومؤخرا تكررت كثيرا تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن حكومات عربية لم يسمها صارت حليفا للدولة الصهيونية، ودعا لقيام تحالف عسكري إقليمي جديد أو اتفاق دفاع مشترك، يضم مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وعواصم خليجية أخرى، وذلك بالإضافة إلى الدولة الصهيونية، على أن تكون القيادة أمريكية، وكان الهدف من هذه الترتيبات دخول حرب مذهبية مؤجلة ضد إيران، وإبعاد أنظار «القارة العربية» عن الخطر الصهيوني الحقيقي.‬

واستبعد سيرغي دولغوف كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الاستشراق في موسكو، استبعد الحرب ضد إيران، واعتبرها كارثة للجهود الروسية في سوريا وتجعلها «هباء منثورا»، على حد قوله.‬ وطلب عدم الأخذ بالخيار العسكري، وبذل الجهود الدبلوماسية وإطلاق المفاوضات المباشرة بين الأطراف المتصارعة، وأعلن قلقه من الأصابع الصهيونية في إشعال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وراهن على الضغط الروسي للحيلولة دون وقوعها.‬

إذن سترمي موسكو بكل ثقلها، إنْ لم يكن لمنع الحرب ضد إيران، فعلى الأقل لاستمرار تأجيلها.‬ ولهذا يجب على الدول العربية التفكير بعيدا عن مراوغات السياسة ومداهنات ومبالغات الإعلام وأوهام «المحللين الاستراتيجيين»، وعليهم التخلي عن التفكير التقليدي والمسلمات القاصرة والاختيارات البائسة، وتجنب الاطمئنان لأي تكتل عسكري أو سياسي أو اقتصادي جديد تسعى إليه تل أبيب أو تقوده وتؤيده واشنطن.‬
ونأتي إلى إشكالية سحب الدولة الصهيونية لسفيرها في القاهرة، حيث بدا كأنه خارج السياق، إذا ما تم قياس ذلك على حالة الانسجام السياسي والشخصي بين رئاسة الدولة في القاهرة ورئاسة الوزارة في تل أبيب، ومظاهرها الحميمية والاستراتيجية.‬ وسحب السفراء حدث ليس بسيطا في القوانين والعلاقات الدولية، فما بالنا إذا ما حدث مع حكومة ترتبط مع تل أبيب بـ «معاهدة سلام».
إنه أمر يثير الاستغراب والعجب، ويدفع للشك في النوايا وفي صدق المبررات التي سيقت مع إعلان الخبر من جانب الطرف الصهيوني، وفيما بدا من استرخاء واطمئنان عربي ومصري، وكان أول من نشر الخبر ـ‬ حسب ما ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية ـ‬ محلل سياسي مصري هو أمين المهدي، على صلة وثيقة بمصادر المعلومات الصهيونية.‬ وأشار إلى وجود توترات سياسية مكتومة بين تل أبيب والقاهرة تتعلق بقطاع غزة والحدود بين فلسطين المحتلة ومصر، وهذه أسباب سياسية وليست مخاوف أمنية كما ادعت تل أبيب.‬

والحديث عن الحرب ليس حديثا في الهزل، ويؤخذ دائما على محمل الجد، ويعني أنه كالحرب تماما، وكما أن الحقيقة أول ضحايا الحرب، وغالبا ما يكون الحديث جزءا من التمويه والخداع الاستراتيجي، وهو ما نجحت فيه مصر وسوريا في حرب 1973، وأوضح المهدي أنه يعتقد أن الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي على خلاف بسبب قطاع غزة والحدود مع مصر، وأن ذلك الخلاف هو الذي أدى إلى سحب السفير، وإذا ما ربطنا ذلك بما كرره نتنياهو من مزاعم عن تأييد عواصم عربية وتحالفها مع الدولة الصهيونية.‬ وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية أن نتنياهو سحب سفيره تعبيرا عن غضبه مما أسماه بتقارب مصر وحماس، وضيقه من تأييد مصر لقرار إدانة الاستيطان في مجلس الأمن، وكشفت مصادر أمنية صهيونية لموقع «همكور»، أن هناك أسبابا عديدة جاءت وراء سحب السفير وتتلخص في تلقي الحكومة الصهيونية تقارير عقب تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أشارت إلى عمليات نوعية يستعد لها تنظيم «الدولة» (داعش) في مصر، وقد تشمل دبلوماسيين صهاينة من العاملين في القاهرة.‬
ويبدو أن الحديث عن محاربة إيران أصبح أقل جدوى، بسبب ما طرأ على موازين القوى في مركز الصراع العربي والإقليمي، وتمثله سوريا حاليا، فبعد الحضور الروسي، واصطفاف المحور الروسي الإيراني السوري والجماعات ذات العلاقة، كحزب الله اللبناني، وتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني بجانب تطورات شمال العراق وما يجري في الموصل، والتقارب التركي الروسي، ومد جسور أنقرة مع أطراف فاعلة في الإقليم بما فيها الدولة الصهيونية.‬ وشهدت موازين القوى تغييرات جوهرية بدت أكثر توازنا من ذي قبل، ومن المحتمل أن تميل لصالح المحور الروسي الإيراني السوري وحلفائه.‬
ألا ينبه ذلك إلى إمكانية تغيير بوصلة الحرب لاتجاهها صوب مصر بدلا من إيران، وعادة فإن قرار الحروب الصهيونية ضد دول الطوق في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان والأردن أسهل وأيسر فالدولة الصهيونية لا تسعى لاستصدار قرار من مجلس الأمن، وهي كدولة مارقة تضرب عرض الحائط بكل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكل حروبها وتوسعاتها تمت بعيدا عنهما، أما استصدار قرار بضرب إيران فصعب، بسبب حق النقض (‬الفيتو)‬ الذي تتمتع به كل من روسيا والصين، وهو غطاء يحمي إيران، أما دول الطوق فلا يتوفر لها مثل ذلك الغطاء..‬ من حق مصر أن تقلق من حرب قد تكون خاطفة أو طويلة وظروف تغري تل أبيب بالمغامرة، فليس لدى مصر سياسة واضحة..‬ وتتعامل مع الصديق كتعاملها مع العدو..‬ ويلعب أغلب مسؤوليها الكبار على كل الحبال..‬ ولهذا خسروا الجميع فازدادوا ضعفا..‬ وهل تجد الدولة الصهيونية ظرفا مواتيا أفضل من هذا، والحرب ستؤثر على فلسطين تأثيرا شديدا، وعلى كامل «القارة العربية»، ومع ذلك لا يجب أن يكون المصريون دعاة حرب، وعليهم أن يكونوا دعاة سلام يقوم على العدل ويحق الحق، ويعملون من أجله اعتمادا على أنفسهم، وعلى إمكانيات أمتهم وقدرات وبسالة شعبها!!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر