الراصد القديم

2017/03/01

لوبان والموارنة والدم المراق

 
  محمود الزيباوي
 
وصلت مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية مارين لوبان إلى بيروت مساء الأحد الفائت، وكان أوّل المحتفلين بها رئيس "حزب السلام اللبناني" روجيه إده الذي أقام على شرفها مأدبة عشاء في مدينة جبيل. في هذه المناسبة، ألقى عضو المجلس السياسي في "التيار الوطني الحر"، ناجي إميل الحايك، كلمة ترحيبية تحدث فيها عن الروابط التاريخية التي تجمع بين فرنسا ولبنان، وقال ان الموارنة أرسلوا إلى الملك لويس، 25 ألف مقاتل منهم لمساعدته في حملته الشرقية، وأن الدم اللبناني اتحد بالدم الفرنسي منذ تلك الفترة. من جهتها، ردّت لوبان التحية، وقالت: "أومن بأن أقوى رابط هو رابط الدم المراق، ونحن معاً لدينا هذا الرابط".

بحسب وليم الصوري (نسبة إلى مدينة صور)، اتّصل الموارنة بالفرنجة للمرة الأولى في نهاية القرن الحادي عشر، يوم وصلت الجيوش الصليبية إلى عرقا، في عكّار، وتطوّرت هذه العلاقة، وأدّت إلى اتحادهم بكنيسة روما العام 1182. في رصده لهذه العلاقة، يقول مؤرخ الفرنجة باختصار شديد: "لم يكن هؤلاء الناس قليلي العدد، وقدّروا بأنّهم أكثر من أربعين ألفًا، وكانوا شعبًا قوي البنية ومقاتلين شجعان، وقدّموا فوائد عظيمة للمسيحيين في المعارك الصعبة التي كانوا قد خاضوها مرارًا مع العدو". تؤكّد الروايات المارونية المتأخّرة أن حالة التعاون الماروني استمرّت في زمن تصدّع سلطة الفرنجة في الشرق، وتصاعدت مع مجيء الملك الفرنسي القديس لويس التاسع، على رأس الحملة الصليبية السابعة العام 1250 الى عكا. في "اخبار الاعيان في تاريخ لبنان"، يروي طانيوس الشدياق :"ارسل أمير المردة ولده سمعان، ومعه خيل بخمسة وعشرين ألف مقاتل الذين استقبلوا بالترحاب. ثم كتب الملك لويس إلى أمير الموارنة ورؤساء كهنتهم كتاباً ومضمونه أولا اظهار محبته للموارنة، ثانيا امتداح كنيستهم وإتحداهم الدائم مع خلفاء بطرس الرسول، ثالثاً تأكيد الحماية لهم منه ومن خلفائه ومن شعب فرنسا".

لا نجد في الحوليات الغربية المعاصرة لتلك الأحداث أي إشارة لهذه الواقعة، ويُجمع أهل الاختصاص اليوم أن الكتاب المرسل من الملك لويس التاسع إلى الموارنة في 24 أيار 1250 هو في الواقع كتاب ابتُدع في الأزمنة الحديثة فحسب، وأوّل من نقله المطران نقولا مراد في مقالة طويلة بالفرنسية صدرت العام 1844 في باريس تحت عنوان "نبذة تاريخية في أصل الأمّة المارونية وعلاقتها بفرنسا، وفي الأمّة الدرزية، وفي مختلف شعوب جبيل لبنان". في العام 1987، قدم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال وعرّب هذه الرسالة، وأشار في التوطئة إلى مسألة "اختلاق" رسالة الملك لويس إلى أمير الموارنة. وفقاً لهذه المراجعة العلميّة الحديثة، كان المطران نقولا مراد رئيس أساقفة اللاذقية "حامل القضية المارونية إلى الآستانة وروما وباريس خلال السنوات المضطربة (1840-1860)"، وكانت رسالته الصادرة في باريس "أوّل كتاب يضعه ابن جبل لبنان باللغة الفرنسية، وأوّل تعبير منظّم للخطاب السياسي الماروني".

في هذا الكتاب، "حاول مراد ارساء مشروعه السياسي، فلم يتوقّف عند نشر رسالتي الحماية الصادرتين عن لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، اللتين لا شك في صحتهما، بل أبرز جملة من الاعترافات تضمن خروج الموارنة والإمارة من نير السلطنة. وقناعة منه أن الحماية التقليدية المؤمنة بهاتين الرسالتين غير كافية، نسج أخباراً هي مزيج من التاريخ والأسطورة، ليبرهن أن الموارنة هم فرنسيو الشرق أو "الموارنة الإفرنج" حسب تعبيره. ومن هذا الاختلاق رسالة لويس التاسع في العام 1250 وكلام بونابرت العام 1799. فالأول الذي يحمل حجة الأقدمية، يدمج الموارنة بالأمة الفرنسية ويثبت شرعية منزلتهم بقوله "نحن على قناعة بأن هذه الأمة القائمة على اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية". كما أن كلام بونابرت، وهو الأقرب زمنياً، يعطي برهاناً قاطعاً على استمرار العلاقة حين يعترف "بأن الموارنة فرنسيون منذ زمن بعيد". وكلا المقولتين من نسج الخيال، فإن من وضعهما هو مراد بذاته، وهو أوّل من روّجهما، إذ لا نجد لهما أثراً قبل 1844، سنة صدور "النبذة التاريخية". ولم يكن اختيار مراد لشخصيتي لويس التاسع وبونابرت عبثاً، إذ مثّلا بنظره وبنظر موارنة تلك الفترة نموذج القائد الغربي الذي ترتفع راية جيوشه في الشرق، فتُعقد عليه الآمال. وكم كان المطران مراد يحلم بحملة عسكرية فرنسية تبعث الإمارة المسيحية المفقودة، الا أنه قليلا ما كان يجاهر بهذه الأمنية".

تقول الرسالة المنسوبة إلى الملك لويس: "امتلأ قلبنا سروراً عندما شاهدنا ولدكم سمعان على رأس خمسة وعشرين ألف رجل، آتين من قبلكم لمقابلتنا، معبرين عن مشاعركم، وحاملين لنا الهدايا عدا الجياد الجميلة التي بعثتم بها إلينا. الواقع ان الصداقة الحميمة المخلصة التي بدأنا نشعر بها أثناء وجودنا في قبرص حيث هم مقيمون، ما دامت تزداد وتنمو. فنحن على قناعة بأن هذه الأمة، القائمة اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية لأن صداقتها للفرنسيين هي مثيلة الصداقة التي يكنها الفرنسيون لبعضهم البعض. ومن ثم، فحق أن تنعموا أنتم وكل الموارنة بالحماية عينها التي ينعم بها الفرنسيون من قبلنا، وأن تكونوا مقبولين في الوظائف كما هم مقبولون. اننا ندعوكم أيها الأمير الشهير إلى العمل بحماسة في سبيل سعادة سكان لبنان، وأن تهتموا في منح الأكثر جدارة بينكم ألقاب النبل، كما هو مألوف في فرنسا. واننا نرى بالرضا التام أنكم أيها السيد البطريرك، والسادة الأساقفة، وكل الأكليروس، وأيها الشعب الماروني وأميرك النبيل، نرى برضى كبير تعلّقكم الشديد بالدين الكاثوليكي، وخضوعكم لرأس الكنيسة خليفة القديس بطرس في روما. اننا ندعوكم إلى الاستمرار في هذه الطاعة وفي إيمانكم. أما في ما يتعلّق بنا وبالذين سيخلفوننا على عرش فرنسا فإننا نعدكم بأننا نوليكم وشعبكم الحماية، كما نوليها للفرنسيين أعينهم، وسننهج دائما بما ضروري لسعادتكم. حرّر في عكا في اليوم الحادي والعشرين من شهر أيار 1250، السنة الرابعة والعشرين لجلوسنا".

من أين أتت هذه الرسالة، وما مصدرها الأصلي؟ يجيب المطران مراد في تعليق مختزل ورد في حواشيه: "هذه الرسالة مأخوذة من مخطوطة عربية جداً وهي جزء من محفوظات الموارنة، واضع المخطوطة يدّعي أنه نقلها من اللاتينية إلى العربية".

ترجم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال، كتاب المطران نقولا مراد، الا أنهما تفاديا نقل أجزاء منه يتحدّث فيها المؤلف عن الدروز، وأشارا إلى هذا "الحذف" في تعليقهما، وكتبا في تبرير هذه الرقابة الذاتية: "لقد حذفنا من هذا النص المترجم بعض العبارات التي تمس الشعور الديني". ويتّضح لنا عند مراجعة النص الفرنسي الأصلي الذي يرافق الترجمة، أنّ هذا الحذف طاول كذلك هذا النص. ويمكن القول، أننا لا نزال نخاف من مواجهة تاريخنا، بعد مرور أكثر من 330 عاماً على كتابة "نبذة" المطران نقولا مراد. في الواقع، تشهد هذه النبذة لبدايات حرب الجبل التي اشتعلت بين الموارنة والدروز في لبنان العام 1860، وامتدت سريعا إلى سوريا. سجّل عدد من الرواة وقائع هذه الحرب، وصدر بعض من هذه الروايات في كتب، ومنها كتاب نشره يوسف خطار أبو شقرا عام 1952 تحت عنوان "الحركات في لبنان في عهد المتصرفية".

تطرّق العلّامة الدمشقي محمد كرد علي، إلى هذا الكتاب عند صدوره، ورأى فيه "شهادة درزية صريحة في مخطوطة تلمّ في حوادث لبنان"، وكتب معلّقا: "أن أسلاف الدروز أهل ذلك العصر كانوا ذوي ولع وغرام بالحرب والقتال، ولأخفّ مسألة كنت تراهم ينقلدون العدد، فيخوضون الأهوال، ويوقدون نيران الفتنة والقتال، حتى انك ترى تاريخ لبنان الحديث أشبه برواية حماسية، وسلسلة حروب أهلية آخذ بعضها برقاب بعض، ومتصل منتهى الأولى بمبتدأ الأخرى وهلمّ جرا. وهذا الرأي يصدق على الدروز في كل مكان حلّوا فيه من الديار الشامية، فكان جهلتهم دعاة فتن دائمة بين الدروز وجيرانهم من أهل السنّة والشيعة والمسيحيين، وكان الدروز إلى عهد قريب يقتلون أنفسهم كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، ولما منّ الله على بلادنا بنعمة التعلّم بطلت هذه العادات الوحشية وأصبح الدروز وسائر الطوائف من إخوانهم السنيين والشيعيين وغيرهم إخوانا يتحابون ويتآلفون وكذلك مع سائر الطوائف النصرانية".

أثبتت الأحداث الأخيرة في سوريا أن محمد كرد علي لم يكن صائباً في تقييمه، وأنّ "العادات الوحشية" لا تزال قائمة في بلادنا اليوم كما في القرن التاسع عشر. واكبت الصحافة الفرنسية زيارة مارين لوبان إلى لبنان، وقالت أن مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية "بقيت في زمن الصليبيين" يوم "ساند الجنود الموارنة الملك لويس"، ويبدو أننا ما زلنا نعيش في منتصف القرن الثالث عشر، ونحن في شتاء 2017.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر