الراصد القديم

2017/04/01

عودة لمبارك ولصوصه


عبد الحليم قنديل

لو كان المخلوع مبارك قد أصبح ماضيا، لما كنا نعود مجددا إلى سيرته، لكن التاريخ لا يعرف كلمة «لو»، وما جرى منذ ثورة 25 يناير 2011 إلى الآن، جعل ظل الرجل الكئيب مخيما حاضرا في حياتنا، ببلادته الحسية والشعورية، وبجماعته التي لاتزال تحتل مراكز قرار في الحكومة والبرلمان والجهاز الإداري، وبالفساد المتوحش الذي هو «كلمة السر» في كل ما يتصل بمبارك ونظامه، فقد صارت كلمة «الفساد» هي المعادل الرمزي، وربما المرادف اللغوي لاسم مبارك شخصيا، والفساد ـ كما ترى ـ لايزال ينخر في بدن الدولة وروح المصريين، وهو أخطر من الإرهاب مليون مرة.

نعم، نحن لا نخوض معركة في الماضي، ولا نحارب طواحين الهواء في الربع الخالي، ولا رجلا استبدت به أمراض الشيخوخة، حتى لو انتقل من مصير الدفن في سرير بمستشفى المعادي، التي ظل فيها لسنوات، يعالج على نفقة الشعب، وينقلونه الآن إلى «فيللا» منيفة، اشترتها عائلته بمال الشعب المسروق، وقد كان يمكن أن نتغاضى عن هذا كله، أو أن نعتبره من سخريات الزمان ومفارقاته، لولا أن ما جرى، ولا يزال يجري إلى الآن، لم تطو صفحة الكوارث والصدمات فيه، فقد قامت في مصر ثورة شعبية عظمى، بلا نظير في التاريخ، وقررت خلع مبارك ونظامه، ثم كان أن ذهب الرجل مرغما إلى مصير الخلع، لكن نظامه لم يذهب بعد، لا باختياراته التي انتهت بمصر إلى موارد التهلكة، ولا حتى بشخوصه، الذين توارى منهم من كانوا في الصفوف الأولى.

لكن صفوف «الفرز العاشر» لا تزال تواصل التحكم في مصائر مصر والمصريين، وتسيطر في السلطة والاقتصاد والإعلام، وتواصل عمليات «الشفط» والنهب، وتريد أن تجعل حاضرنا كماضينا القريب الأسود، فالثورات لا تقوم لمجرد استبدال أشخاص، ولا تنهض بغير قطيعة ثقافية وسياسية واقتصادية مع ما كان قبل الثورة، وهو ما كان يفترض أن يحدث مع محاكمات ثورية عادلة، جرى استبدالها بمحاكمات عادية جدا، وبالقوانين ذاتها التي أصدرها حكم المخلوع، وهو ما كان سببا في نهايات «التبرئة بالجملة» للفاسدين والظالمين، وفي قضايا بالغة الأهمية كقتل المتظاهرين، وكأن الثوار هم الذين قتلوا أنفسهم، أو كأن طائفا من مس شياطين الجن قد ذهب بهم إلى العالم الآخر، بينما تفرغ شياطين الإنس للسخرية من الثورة وأهلها، والادعاء ببراءة مبارك، ورد اعتباره القانوني، إلى حد زعم محامي المخلوع أن موكله لا يملك مليما، وكأن محامي الشيطان لم يتلق أتعابه بعشرات الملايين من الجنيهات، أو كأنه كان في عمل خيري، يشبه بالضبط دوره في الدفاع كمحام عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، فالطيور على أشكالها تقع، ومبارك المخلوع كان خادما لإسرائيل بدرجة رئيس، وأخطر من أي جاسوس جنده «الموساد»، وانقلب على ماضيه البعيد كقائد عسكري في حرب أكتوبر 1973، وعلى دوره في الضربة الجوية لإسرائيل، ووجه لمصر والمصريين «ضربة نووية» بالمعنى الوجودي، حين صار رئيسا، وجرد مصر من كل قوة وقدرة، وهو ما كان موضع امتنان عظيم من قادة كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وعلى طريقة وصف الجنرال بنيامين بن أليعازر لصديقه مبارك بأنه كان «أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل»، ووصف شيمعون بيريز للمخلوع بأنه «المؤسس الثاني لدولة إسرائيل بعد المؤسس الأول بن غوريون».

وقد نكون في حاجة إلى إعادة التذكير بأصول ما جرى، وحتى لا يتصور النصابون المتهافتون، أن كل شيء ينسى بعد حين، وأن ذاكرة الشعوب قصيرة، فاللاعبون بالثلاث ورقات، وجماعات المصالح المليارية والتريليونية، يجهدون لإثبات مزاعم براءة مبارك، وادعاء أنه ترك الحكم بسلام وسلاسة، وكأنه كان لديه خيار آخر، بعد أن وقف الجيش مع ثورة الشعب، وهو ما أفضى إلى خلع مبارك تلقائيا، وحال في الوقت نفسه، دون أن تصل الثورة إلى السلطة، لا بالبرنامج ولا بالشخوص، فالجيش هيئة نظامية لا ثورية، وحتى القوى التي تقافزت إلى السطح بعدها، ومن نوع جماعة الإخوان وأخواتها، كانت رجعية بطبيعة تكوينها، ولم تدع إلى الثورة على مبارك ونظامه في أي وقت، وهو ما سرى بأشكال متزايدة من التباطؤ والتواطؤ في سيرة محاكمة مبارك، حتى بعد أن اضطروا إلى اعتقال مبارك ورجاله، وسوقهم إلى محاكمات تحت ضغط مليونيات ميدان التحرير.

وبعد أن ظل المخلوع وعائلته في حرية تامة لستين يوما بعد الخلع، كانت أكثر من كافية للف «الفيل في منديل»، ولتهريب مئات المليارات، ولإخفاء أي دليل يثبت التهم قضائيا، وهو ما يفسر السيرة المراوغة لقصة استعادة الأموال المنهوبة إلى الخارج، التي جدد «الاتحاد الأوروبى» أخيرا التحفظ على بعض فتاتها، وأعدت حولها عشرات التقارير، عبر جهاز الكسب غير المشروع وغيره، وتكلفت اجتماعات وحوافز وسفريات لجان الفحص والمتابعة عشرات الملايين من الجنيهات، ودون أن يجري تحريك التقارير من الأدراج، أو أن تنتهي التحقيقات إلى قرارات باتهامات ومحاكمات، لا في أصول سرقات ولصوصية مبارك وعائلته بالداخل المصري، ولا في عشرات المليارات التي اختفت في سراديب مناطق «الأوف شورز» حول العالم، أو في صورة أمانات وودائع محفوظة لدى حكام خليجيين من أصدقاء المخلوع.

والمحصلة أنه لم يعد لمصر مليم مما نهب، ولم يحاكم مبارك سوى في قضية سرقة واحدة، هي المعروفة باسم أموال القصور الرئاسية، التي صدر فيها حكم نهائي بات عن محكمة النقض، أدان مبارك ونجليه في قضية سرقات أميرية، وحكم على كل منهم بالسجن لثلاث سنوات، وقضى بتغريم ثلاثتهم مبلغ 147 مليون جنيه، وهو الحكم الذي أسقط كل اعتبار قانوني لمبارك ونجليه، وصار بعده المخلوع في وضع «الحرامي بختم النسر»، وفي محاكمة عادية جدا، كل الفرق بينها وبين قضية قتل المتظاهرين، أن قرار الاتهام فيها كان محكما، بينما قرار الاتهام في قضية قتل المتظاهرين كان مثقوبا، وبتعمد بدا مدبرا، وهو ما كشفه قاضي التبرئة المستشار حسن الرشيدي، الذي استند في حيثياته إلى خطأ قانوني شاب قرار الاتهام، أدرج اتهام مبارك في تاريخ لاحق لاتهام الآخرين، وهو ما أدى في النهاية إلى عدم قبول الدعوى، وكأننا بصدد «تاجر مخدرات»، كسب حكم البراءة لخطأ في إجراءات الضبط، وإن كان القاضي الرشيدي أراد أن يخلص ضميره، وأن يورد إلى جوار حكم التبرئة، اتهامات أغلظ لحكم مبارك وعائلته، وأعلن في جلسة النطق بالحكم المذاعة على الهواء عن الحقيقة المحجوبة، وقال إنه لم يجد قانونا يحاكم به خطايا وآثام الثلاثين سنة، ولا وجد سبيلا للاقتصاص من جرائم الشفط والنهب والانحطاط والتوريث والتدهور والاستبداد والتخلف، أي أن قاضي التبرئة أدان مبارك في اللحظة نفسها، ودون أن يدافع المخلوع عن نفسه بحرف، فهو يعرف الحقيقة التي يعرفها عموم الناس، وهي أن مصر لم تشهد لصوصية ونهبا كما شهدته في عصر المخلوع، وأن المحصلة حتى في المحاكمات العادية الهينة اللينة التي جرت إلى الآن، هي الإدانة القطعية النهائية الباتة لمبارك.

لكن غياب المحاكمات الثورية، أي المحاكمات بقضاة طبيعيين، وبقانون خاص شامل افتقده قاضي التبرئة في قضية قتل المتظاهرين، غياب هذه المحاكمة الواجبة، أعفي مبارك من العقاب المستحق، فقد كان يستحق الإعدام لألف مرة على الأقل، وكان صدور الحكم الواجب بإعدامه، حتى لو لم ينفذ، كفيلا بترجمة معنى القطيعة مع ما كان، وليس الاكتفاء بمنعه من السفر وحرمانه من التصرف في الأموال، أو تهدئة غضب الرأي العام بوعود عن محاكمات تالية، فكل ذلك لا يجدي، ولا يخفي الأثر السياسي الفادح لما جرى، فقد أحست عصابة مبارك باطمئنان مضاف، ورأت أن بوسعها مواصلة عمليات الشفط والنهب والتجريف، ودون خوف من عقاب لم يلحق بكبيرهم الذي علمهم السرقة، وهم يرون في ترويج دعوى براءة مبارك على خلاف الحقيقة وأحكام القضاء، خشبة إنقاذ، وفرصة لغسل سمعة الأموال المنهوبة، خصوصا بعد التلاعب المضاف في قانون الكسب غير المشروع، وإقرار مبدأ المصالحة مع الفاسدين، والحصول على البراءة التلقائية بعد دفع مبالغ تافهة، والعودة إلى اللصوصية ذاتها، وكأن شيئا لم يكن، وكأن ثورة لم تقم من أصله، وكأن الفساد لا يزال يحكم ويعظ، رغم غارات الرقابة الإدارية على أوكار المرتشين الصغار والمتوسطين، لكن اللصوص الكبار يظلون في حمى ما سرقوا بالخصخصة و»المصمصة» والقوانين الملوثة، وفي ظل السياسات نفسها، التي تعطى «المستحمرين» صفة «المستثمرين».

وقد لا تكون القصة في محاكمات ولا في مساومات، فالقصة الأصلية في مصير الثورة اليتيمة المغدورة، التي ينشغل أهلها بأي شيء إلا واجب الوقت، وهو بناء حزب سياسي ثوري قادر على الوصول للسلطة، يتركنا غيابه ندور في حلقة مفرغة، تخون فيها السياسة دائما فكرة الثورة، وتجعل حكم الثورة المضادة كأنه القدر المحتوم، فقد انتحلت جماعة الإخوان صفة ثورة 25 يناير، وتنتحل جماعة مبارك صفة الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو 2013، وتصورها كانقلاب على الثورة الأصلية، تماما كما يقول الإخوان، وتسعى ـ كما يسعى الإخوان ـ إلى الاستيلاء على الوضع كله، ومع فارق ملموس، هو وجود جماعة مبارك في مفاصل السلطة السياسية والأمنية، وقيادتها لتحالف مماليك البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وهو خطر لو تعلمون عظيم، قد ينتهي بمصر إلى انفجار جديد.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر