الراصد القديم

2017/04/01

لماذا لم يرجع مسيحيو الموصل لبيوتهم بعد استعادتها من تنظيم «الدولة»؟


وائل عصام

خمسة أشهر مضت على استعادة قوات الحكومة العراقية لمناطق سهل نينوى، حيث الثقل الاكبر لمسيحيي الموصل في برطلة وبعشيقة وقراقوش، ولكن حتى اليوم فان معظم تلك البلدات المسيحية تبدو مهجورة، بل وتعرضت مئات المنازل لعمليات حرق ونهب لمحتوياتها، بعد استعادة تلك المناطق في الحمدانية من سيطرة تنظيم «الدولة»، ما جعل معظم السكان المسيحيين يفضلون البقاء خارج بلداتهم، على الرغم من زوال العائق الذي كان يحول بينهم وبين عودتهم وهو تنظيم «الدولة» .

فمن هو المسؤول عن حرق بيوت مسيحيي الموصل ونهبها وتهديد امنهم؟ السكان المحليون من تلك البلدات الذين نتحدث إليهم يعرفون المسؤول عن منع عودتهم، لكن قبل التطرق إلى روايات السكان، أريد ذكر ما قاله لي أحد أبرز الصحافيين الذين شاركوا في تغطية النزاع في الموصل على مدى الاشهر الماضية، وهو يتولى إدارة تحرير الشرق الاوسط لمؤسسة إعلامية غربية عريقة، هذا الزميل الصحافي يبدي استياءه من التحيز الاعلامي الغربي في تغطية النزاع، بدءا من طريقة معالجة ازمة الإيزيديين في سنجار، التي تابعها عن قرب، وصولا لتجاهل الضحايا المدنيين في معركة الموصل، حتى حدثت مجزرة الموصل الجديدة، إلا أن ما لفت انتباهه اخيرا، هو الصمت الكامل عن قصة حرق بيوت المسيحيين في الموصل وبلداتهم الخاوية على عروشها، بعد ان امتلأت الصحافة الغربية بالتقارير المتعاطفة معهم، إذ خلت الموصل من مسيحييها عندما كان الطرف الآخر في القصة هو تنظيم «الدولة». أما اليوم فإن خمسة اشهر مضت على إبعاد التنظيم المتشدد، ولم يتساءل أحد، لماذا ظلت الموصل خالية من مسيحييها، بل وحرقت الكثير من بيوتهم؟

الزميل الصحافي لديه إجابة واحدة عن الطرف المسؤول عن المعاناة الجديدة لمسيحيي الموصل، وهي تتفق مع مجمل نتائج اللقاءات التي اجريناها مع سكان محليين وعناصر وضباط أمنيين، وهذا الطرف هو الحشد الشعبي، اذ تم تكليف الميليشيات الشيعية بإدارة المناطق التي تمت استعادتها من قبل قوات الحكومة بمختلف تشكيلاتها، من مكافحة ارهاب وشرطة اتحادية ورد سريع، والجيش، وغيرها من تشكيلات. وبينما تقدمت قوات الحكومة نحو جبهات القتال مع تنظيم «الدولة» فإن مهام ادارة المناطق التي تمت استعادتها أوكلت لهذه الميليشيات، فقامت عناصر بسرقة المئات من منازل المسيحيين ثم حرقها، ويقول معظم الذين زاروا سهل نينوى ان دور الميليشيات المسيحية المتواجدة هناك هامشي وشكلي ولا يعدواكونه غطاء لتواجد الميليشيات الشيعية المهيمنة تماما، وأن الحشد الشعبي يسيطر ليس على سهل نينوى فحسب، بل على معظم حزام الموصل الجنوبي الشرقي والجنوبي مقابل تواجد خجول للقوات الحكومية، فبعد حاجز الجيش في برطله، وباتجاه قراقرش وحمام العليل، تم إحصاء أكثر من عشرين حاجزا للميليشيات، وبعدها يأتي حاجز واحد حكومي عند الجسر الصناعي الحديدي.

في الأشهر السابقة لم تكن قضية اتهام الحشد الشعبي بهذا الدور في بلدات المسيحيين أمرا سهلا، لذلك تفضل أغلب الجهات الاشارة له من دون ذكر اسمه، خوفا من توترات محلية، وهكذا فعلت إحدى المنظمات المسيحية، وهي المرصد الآشوري لحقوق الانسان، التي نشرت قبل اشهر قليلة بيانا يطالب بالتحقيق في حرق منازل المسيحيين، واصفة الاطراف المسؤولة عن ذلك بالـ»جهات العراقية المجهولة»، رغم ان قناة تلفزيونية لمسيحيي الموصل نشرت تقريرا عن بيت احد المسيحيين الذي تعرض للحرق في بغديدا قراشوش، وتحدث صاحب البيت مع زوجته عن أنهم عادوا لمنزلهم بعد إبعاد تنظيم الدولة ونظفوا البيت، ثم عادوا بعد ايام ليجدوا المنزل قد تم حرقه بالكامل، كما اظهرته الصور، واللافت ان الرجل وزوجته قالوا انهم ابلغوا القوات الحكومية بذلك وردوا عليهم بعدم قدرتهم على التعامل مع الموضوع، ثم ابلغوا الشرطة المحلية في قراقوش ليردوا عليهم بعدم معرفتهم بالجهة التي قامت بالحرق! ويعلق احد السكان المحليين على الامر بالقول إن تنظيم «الدولة» كان يفجر البيوت الخاصة بالمتعاونين مع الحكومة والقوات الامنية، لكنه لم يحرق بيوتا في منطقتنا. أما الميليشيات فهي من عرف عنها حرق البيوت، وقد اصبحت ماركة مسجلة باسمها، بعدما فعلوه بمئات المنازل في تكريت وبيجي وغيرها من المدن التي دخلوها، ويضيف معلقا عن واقع اقاربه من مسيحيي الموصل الذين هاجر معظمهم لاوروبا والولايات المتحدة «بين من يفجر البيوت ومن يحرقها، فضل كثير من المسيحيين في الموصل ترك البيوت والهجرة». خلف هذا كله يختبئ شبح التغيير الديمغرافي، ليس فقط المتعلق بالسكان المسيحيين في سهل نينوى، بل بقضية النزاع العربي الكردي على حدود كردستان في سهل نينوى، التي يبدو ان مسيحيي سهل نينوى دفعوا ثمنا لها، فالحشد الشيعي يكثف من تواجده هناك على ما يبدو على خلفية النزاع المحتدم بين الاحزاب الشيعية وحكومة كردستان وسلطة بارزاني فيها تحديدا، والتي وصلت لتهديد القيادي بالحشد قيس الخزعلي بالهجوم على اقليم كردستان العراق، وعادت الأزمة للتصعيد من جديد بعدما رفع الاكراد علم حكومة كردستان في كركوك قبل ايام، ورغم نجاح القوى الكردية والشيعية بنزع فتيل اكثر من مواجهة عسكرية وسياسية بينهم، فان هناك من ينتظر ويرقب تصاعد التوتر والصدام بين القوى الشيعية والكردية من جانب، وبين بارزاني وطالباني المدعوم ايرانيا من جهة اخرى .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر