الراصد القديم

2017/06/01

الليطاني.. نَهْرُنا القاتل


 نجوى بركات

يحتلّ حوض نهر الليطاني المرتبة الأولى من حيث مساحته التي تبلغ 2175 كلم مربعا، أي ما يعادل نحو 20% من مساحة لبنان، يتوزع 80% منها في سهل البقاع، فيما تقع 20% المتبقية في لبنان الجنوبي. ونهر الليطاني أكثر الأنهار اللبنانية طولا (170 كلم) ينبع من غرب مدينة بعلبك في سهل البقاع، ويصبّ في البحر المتوسط شمال مدينة صور. تبلغ قدرته المائية 750 مليون متر مكعّب سنوياً، إذ يبلغ متوسّط هطول الأمطار في حوضه 700 ملم في السنة، أي حوالي 764 مليون متر مكعب، تتوزع على الشكل التالي: 543 مليون متر مكعب في سد القرعون، و221 مليون متر مكعب في باقي السدود. أما كميات المياه التي يصرّفها الحوض، فتعادل 24% من المتساقطات الصافية على مجمل الأراضي اللبنانية، وهذه الكمية تمثل أكثر من 40% من مجموع كمية المياه الجارية في الأنهر الداخلية.

هذا هو نهر الليطاني "مبدئيا". هذا هو "نظريا". عندما تبحث عنه في كتب الجغرافيا، أو في محرّك غوغل، أو في... ذاكرتك، حيث تختبئ صور عتيقةٌ قليلةٌ لأشياء لم تعد. هناك، تراه جارياً آمناً، وسط مئات القرى التي تحفّ ضفتيه، ترى مياهه الصافية المترقرقة العذبة تعكس زرقة السماء وخضرة الشجر والنبات، ترى قاعه المفروش بالحصى البيضاء، وأسماكَه هاربة أسراباً، وقد التاعت فجأة حين دخل إليها صبية عراة. وإن أغمضتَ عينيك جيدا، سمعت خرير المياه المتدفقة الباردة الطازجة، مياه لبنان كما يتمّ التغنّي بها، تلك التي تنبع من جبالٍ تغطي الثلوجُ قممها، وتنتهي في البحر الأبيض المتوسط، أجمل البحار وأحلاها على الإطلاق.

أما واقعياً، فهو "النهر القاتل"، بقدر ما هو النهر "القتيل" الذي هجرته كل علامات الحياة النهرية، بعد أن خلا من الحيوانات، طيورا وضفادع وأسماكا وسلاحف وحتى فئرانا، وبات مصدرا للتلوّث من النبع إلى المصبّ. إنه مكبّ نفايات المعامل والقرى المقيمة على جانبيه، بتروكيميائيات ترميها معامل الطلاء والدباغات والمستشفيات ومعامل الألبان والأجبان... إلخ، إضافة إلى أشكال التلوّث العديدة الأخرى التي يسبّبها رميُ القاذورات العضوية والصلبة على أنواعها، وتحويل كل قنوات الصرف الصحّي الخاصة بمئات القرى إلى مجرى النهر، من دون مرورها بمصافٍ للتكرير. الروائح الكريهة خانقة، والمياه آسنةٌ ملوّثةٌ تسقي المزروعات التي توزَّع على مختلف المناطق، ويأكلها المواطنون المغلوب على أمرهم.

"ما بدّي الليطاني يقتلني"، صرخةٌ أطلقها أهالي قرية برّ الياس البقاعية الواقعة على كتف الليطاني، وقد أدى تعرّضهم للتلوّث وللمواد البكتيرية والمسرطنة إلى إصابة 600 شخص من بينهم بالسرطان. إنه رقم مرتفع جدا، بل إنه من بين أكثر الأرقام ارتفاعا في العالم. وتلك ستكون حالُ كلّ القرى التي تقع على ضفاف اللّيطانيّ وحتى ما بعد. 600 حالة سرطانية وثّقتها مشافي المنطقة وأطباؤها، سبّبها تلوّثُ المياه التي تُروى بها المزروعات والروائحُ المسمّمة التي تفتك بالهواء. هذا الرقم ناتج ولا ريب عن 25 سنة من الإهمال والتعدّي على البيئة وعدم احترام القوانين، وهو مرشّحٌ للتزايد، حين نتذكّر أن هناك أكثر من ألفيْ طالب في برّ الياس يتعلّمون في مدارس تقع على ضفاف النهر الملعون.

أجل، إنه النهر الملعون، النهر المشؤوم، النهر القاتل. بل هو البلد الملعون، البلد المشؤوم، البلد القاتل. كل هذا وأكثر منه، ولا تُعلن حالةُ استنفار، ولا تسقط حكومة، ولا تهتزّ البلاد. لقد اعتاد اللبناني الموات، ألِف الموت، استمرأ الفساد والاستباحة وعدم المحاسبة، وصولا إلى القتل. تطمره النفايات ولا يعترض. يأكل أطعمةً فاسدةً ولا يعترض. يشرب مياها ملوّثة ولا ينبس بحرف. يُذلّ، يهان، يُفقر. يجوع.. ويستمرّ واقفا، فيذهب مثلا، ويتغنّى المستفيدون منه بصلابته وبحبّه للحياة.
أجل، اللبناني، كنهره الجميل، ملوّث الجسد والأخلاق والروح. وكنهره القتيل، اللبناني ميْت.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر