الراصد القديم

2017/06/01

ترامب والذين معه

عبد الحليم قنديل

مع ترامب لا توجد صفقات سياسية، فالرجل لا يفهم في السياسة أصلا، وقد لا يكمل مدته الرئاسية في البيت الأبيض، وهو «كاوبوي» أمريكي كلاسيكي، لا يفهم سوى في التلويح بالمسدس واقتناص الثروة وحلب الأبقار، وقد فعلها في جولته الأخيرة بالمنطقة، وكسب قرابة 500 مليار دولار نقدا ووعودا في ساعات.

ولم تنس ابنته اليهودية إيفانكا أن تحصل هى الأخرى على نصيبها، وأخذت 100 مليون دولار باسم مؤسسة وهمية لرعاية النساء، ودعك هنا من أحاديث الكنوز والهدايا الشخصية، التي لم ترد في خيال ولا في بال كتاب أساطير «ألف ليلة وليلة».

المهم أن ترامب لم يدفع في المقابل شيئا على الإطلاق، سوى أنه انتهز الفرصة السعيدة، وسوق لمبيعات السلاح الأمريكي، ومن وراء شعار «نحن أفضل من يصنع السلاح»، ودون أن يتعهد باستخدام السلاح ضد إيران، ولا ضد غيرها، وقال لمضيفيه «نحن لن نحارب نيابة عنكم»، هكذا ببساطة، ودون تكلف سياسي لا يجيده، فالرجل ـ الكاوبوي ـ لا يعرف سوى عوائد الثروة وحقائق القوة، ويعرف أنه لا يمكنه خوض حرب مباشرة ضد إيران، تماما كما تراجع وابتلع لسانه في حالة كوريا الشمالية، فقد أرغى وأزبد أمام الكاميرات، وعلى «تويتاته» التي صارت من مساخر الدنيا الجارية، وهدد بتدمير كوريا الشمالية، لو أجرت تجربة صاروخية جديدة، وقد فعلتها كوريا الشمالية مرتين لا مرة واحدة بعد تهديد ترامب، ودون أن يعاود ترامب التبجح، بل رفع القبعة لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ، وعبر عن إعجابه واحترامه لشخصه، وتمنى أن يلتقيه في أقرب فرصة، ودون أن يصدر عن كوريا الشمالية، الصغيرة الفقيرة، أي ترحيب بغزل ترامب، فليس لديها خزائن ذهب ودولارات وهدايا تدفعها له، وكل ما لديها عقاب الصواريخ والقنابل النووية التي يخشاها «الكاوبوي» الأمريكي.

والخوف الأمريكي من إيران يشبه الخوف من كوريا الشمالية، وقد قالها أركان إدارة ترامب، الذين يفهمون في السياسة عوضا عن جهل رئيسهم، وحذروا من كون إيران تمضي قدما على طريق «بيونغ يانغ»، أي أنها في الطريق إلى تحصين نهائي للبلد، ليس فقط بفوائض السلاح ونوعياته المتطورة، المصنعة ذاتيا، ولا بالتعبئة الوطنية الداخلية الجارفة، بل باتباع ما قد تصح تسميته «حزام السياسة الواقي»، فكوريا الشمالية تحتمى بالجوار الصيني المنيع، وهو ما تفعله إيران، بمد طوق حماية روسي من حولها، وهو ما يجعل من فكرة الحرب على إيران شروعا في إشعال حرب عالمية ثالثة، نووية بطبائع أطرافها، لا تبقي ولا تذر على الأرض حيا، وهو ما لا يريده أحد، ولا يطيق مجرد التفكير فيه، حتى لو كان في فظاظة ترامب وتهديداته الجوفاء.

نعم، دونالد ترامب لا يفهم سوى في سرقة واقتناص الثروات، وقد كان ذلك طبعه دائما، فقبل تولية الرئاسة، كان نجما مسليا في برامج تلفزيون الواقع، وكانت تعليقاته موحية على ما خسرته أمريكا في حرب العراق وأفغانستان من قبلها، وقال من قبل حملة الرئاسة وبعدها، أن أمريكا خسرت في الحربين قرابة الستة تريليونات دولار، ودون أن تقبض الثمن المقابل لما خسرته من دماء وأموال. وقال إنه كان على أمريكا أن تأخذ بترول العراق كله، أو أن تقتضي منه قرابة 15 تريليون دولار على الأقل، وهذا في رأيه مشروع جدا، فقانون الحرب يعطي الغنائم للمنتصرين، وجريمة بوش وأوباما عنده ظاهرة، وهي أنهما لم يأخذا الغنائم، وهو ما يحاول فعله الآن، حتى لو كان قبض الثمن بأثر رجعي، وربما لن يجد في الدنيا كلها كرما مخبولا كالذي عندنا، وهو ما يفسر غبطته الجنونية بما حصل عليه من مئات مليارات الدولارات، فقد كان يهتف من قلبه «دولارات.. دولارات.. وظائف.. وظائف»، وكأنه يكرر سيرة «علي بابا» في حواديت «ألف ليلة وليلة»، وعلى طريقة صيحته الذاهلة «ذهب .. ياقوت.. مرجان، أحمدك يا رب».
وربما لا نكون في حاجة إلى نصح أحد من بنى جلدتنا وديننا، فقد ثبت أن أحدا لا ينتصح، ولا يريد أن يسمع، ولا أن يرى حقائق الواقع العارية، فقد كسب ترامب هدايا المال والذهب بلا حدود، وكسبت إيران ـ للمفارقة ـ هدايا السياسة، وهو ما يفسر رد فعل إيران الفوري، الذي بدا هادئا ساخرا من مهرجانات القمم إياها، فحقائق القوة على الأرض تفرض نفسها، وتصوير إيران كعدو أول لأمريكا، يكسبها عطفا شعبيا هائلا، ليس في داخل إيران فحسب، بل في المنطقة العربية بالذات، ولسان حال الشارع العربي صريح بلا التباس، فهو يكره السياسة الأمريكية، ويكره ارتباطها واندماجها الاستراتيجي بكيان الاغتصاب الإسرائيلي، الذي بدا ظاهرا من فرط تهذب وتأدب ترامب في حضرة إسرائيل، وتعهده لها بدوام الحماية، وضمان التفوق العسكري النوعي على الدول العربية مجتمعة، مع ثرثرات وتهتهات غامضة عن سلام لا يأتي، فقد حرص ترامب على أداء الفروض والطاعات كلها لإسرائيل، وحتى من حيث الشكل والبروتوكول، فقد جعل زيارته للرئيس الفلسطيني محمود عباس مجرد جملة اعتراضية عابرة، وقد أجراها في بيت لحم، وليس في رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية، ووضعها بين قوسين من زيارته الأصلية لإسرائيل، فقد بدا بلقاء بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، وانتهى بارتداء «القلنسوة اليهودية» عند ما تسميه إسرائيل «حائط المبكى» بجوار المسجد الأقصى في القدس الشرقية، وما هو إلا «حائط البراق» العربي الإسلامي بشهادة قرارات «اليونسكو» وإجماعها الدولي، وأجرى ترامب لقاءاته الرسمية كلها في القدس المحتلة، وهو ما لم يفعله أي رئيس أمريكي من قبل في زيارة رسمية، وهو ما يعني تسليم ترامب التام برؤية وأولويات إسرائيل، من نوع جعل القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، واعتبار أن القضية الفلسطينية شأن داخلي إسرائيلي، وأن مفهوم السلام لا يزيد عن معنى حفظ أمن إسرائيل أولا وأخيرا، وأن المشكلة هي في «التحريض الفلسطيني وقتل الإسرائيليين بالسكاكين»، كما قال ترامب مرارا وتكرارا، ودون أن يذكر أو يتذكر أبدا كلمتي «الاحتلال» و»الاستيطان»، بل أكد أن خطر إيران عنده مفهوم السبب، وهو دعمها لحزب الله وحركة حماس في الحروب ضد إسرائيل، وهو ما يضيف مددا عظيما لصورة إيران في المنطقة، ويكسبها نفوذا معنويا، فوق ما حققته من تمدد فعلي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وبصورة مدت حدودها الفعلية إلى شواطئ البحرين الأحمر والأبيض، وسط أجواء هوان وبلاهة عربية، لم تعد تذكر القضية الفلسطينية، ولا احتلال إسرائيل، اللهم إلا في خطابات قليلة استثنائية.

ماذا يعني ذلك كله؟ يعني ببساطة أن إيران كسبت سياسيا، بقدر ما كسب ترامب ماليا، ودون أن يورط ترامب نفسه في صفقات سياسة لا يفهمها ولا يريدها، ومن نوع «صفقة القرن» السلامية التي تحدث عنها بعضهم، فقد قطع ترامب الطريق على الأوهام كلها، واكتفى بما ردده أسلافه من رؤساء أمريكا السابقين، بجعل الأولوية المطلقة للاعتبارات الإسرائيلية، وتكرار الدعوات الباهتة لخطوات بناء ثقة، واستئناف ما يسمونه «الحوار الإسرائيلي الفلسطيني»، أي العودة للمفاوضات إياها، التي توقفت قبل أربع سنوات، وبعد أن استمرت قبلها لعشرين سنة، ودون أن تنتهى لتسوية من أي نوع، سوى مضاعفة استيطان الضفة الغربية وتهويد القدس مرات، وبما يوحى بأن الصفقة المتاحة عند ترامب هي تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، والاكتفاء بمنح تسهيلات عبور ومساعدات اقتصادية للفلسطينيين، وجعل الاحتلال أخفض تكلفة لإسرائيل، وأكثر نعومة للفلسطينيين، وشيء كهذا لا يعني أي إمكانية للتهدئة، بل يدفع الشعب الفلسطيني إلى مواصلة كفاحه بكل السبل، فوق إتاحة المزيد من فرص الكسب السياسي لطهران بالذات، فهي الوحيدة في المنطقة التي تلتحف بعباءة العداء لإسرائيل، ونصرة الحق الفلسطيني في المقاومة المسلحة، وهكذا يهدي العرب قضية فلسطين إلى إيران، تماما كما أهدوها العراق من قبل بدعم الاحتلال والغزو الأمريكي، وتماما كما أهدوها ملايين الشيعة العرب على طبق من ذهب، وجعلوا منهم أدوات جاهزة لخدمة النفوذ والتوسع والتوحش الإيراني، وقد جرى كل ذلك بفضل التصورات الطائفية المريضة المقيتة، التي تكفر الشيعة بالجملة، وتنفق عشرات المليارات لدعم جماعات التكفير والإرهاب بزعم الدفاع عن أهل السنة، ثم أضافت مئات المليارات لخزانة أمريكا «أم الإرهاب»، وعلى ظن أنهم يخوفون إيران، ويحتمون منها بغطاء أمريكا، الذي يكشف ولا يستر أحدا، فلا أحد يريد أن يفهم الحقيقة البسيطة متكررة الشواهد والأمارات، وهي أن «المتغطي بالأمريكان عريان» .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر